وجهة نظر

الصحراء وفلسطين .. الحاجة إلى خيار ثالث

23 ديسمبر 2020 - 15:58

الإعلان الرئاسي للرئيس الأمريكي حول مغربية الصحراء أنتج الكثير من النقاش و المواقف المتناقضة ، القرار ينسجم مع توجه سياسي و استراتيجي واضح المعالم : تازة اولا،واعطاء اسبقية للدولة على الامة ،او على الاقل و ان تكون جزءا منها و ليس تغيبا لها تحت ذريعة الفكر الوحدوي العابر للحدود. وهو ما يفترض مقاربة براغماتية في تدبير مشكلة الوحدة الترابية للمملكة

قيمة الحدث تبرر حجم وقوة النقاش العمومي الدائر حول القضية، و هو نقاش سجالي البعض يعتبر ان قرار الدولة المغربية هو خيانة لقضية العرب، والطرف الآخر يؤكد ان لا وجود للعرب إلا في خطابات المنابر وأن هناك من أعلن وفاة العرب ( نزار قباني في قصيدته متى يعلنون وفاة العرب )،وان العلاقات العربية مؤسسة على المكائد و الإساءة ، حتى لو كانت الدولة جارة تتقاسم وحدة الجغرافية و التاريخ و الدين و الهوية. كما تفعل ان الجارة الشرقية الجزائر و التي تحول اموال الشعب الجزائري من اجل مشكل وهمي بوضع مسمار في الحذاء المغربي على حد تعبير الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين.

الاتجاهات المتناقضة حول المفاضلة بين فلسطين و الصحراء المغربية، تشبه الى حد كبير العلاقة الصراعية بين القلب و العقل، و مسارات الصراع بينهما حول من يوجه ويتحكم في السلوك الإنساني.

لا شك،ان أي مواطن مغربي يشعر بالحيرة و التوتر في تدبير موضوع المفاضلة: الوحدة الترابية للمملكة اولا،او الانحياز لقضية فلسطين كقضية عربية انسانية.

الصراع بين العقل والعاطفة هو صراع مرتبط بتجربة ثقافية حين أدرك الانسان ان العقل وحده القادر على صناعة النظام ( اللوغوس )،وهو ما اكدته الفلسفة اليونانية حين جعلت العقل مصدرا للحقيقة و النظام و منحته سلطة على الجسد و العواطف، فكل شئ كان فوضويا حتى جاء العقل فصنع النظام حسب عبارة انكساكوراس الشهيرة .

أفلاطون في تصوره لمدينته الفاضلة أكد على وجود الصراع والازدواج المتناقض داخل الإنسان بين العقل والعاطفة. ففي محاورة فيدروس يشبه السلوك البشري بعربة يجرها حصانين، أحدهما طيب وسلس لا يحتاج إلى السوط لأنه خاضع لصوت العقل، حصان جامح عنيف و شرس يمثل العنصر الشهواني و العاطفي ، و يحتاج الى قوة ردع و تحكم حتى تستقيم حركة وتنطلق العربة، لذا دعا أفلاطون الى جعل العقل حارسا على الجسد و ومانعا حماقاته، وهو نفس التصور الذي تعتمده الثقافة العربية ان العقل مشتق من العقال، أي القدرة على جمع قوائم الدابة حتى لا تتحرك، يقال عقلت الدابة إذا جمعت قوائمها، وهو تعبير مجازي على ان العقل يعني التحكم والسيطرة في الجد و اهوائه.

هذا الصراع استمر على طيلة الفكر الإنساني لأنه صراع مرتبط بالتجربة البشرية، وهو ما نلمسه بالكثير من الوضوح في كافة التصورات العقلانية : افلاطون – هرقليطس – سقراط – ارسطو – الفارابي – ابن سينا – ديكارت – لايبنتز وغيرهم.

المسرحي وليام شكسبير يجسد هذا الصراع حين يكتب في رواية هاملت حين يكتب :

” أرِنِي رجلا لا تَستَعبدُه العاطفة المَشبوبة وسأُنزله في سوداء القلب وأعماقِ فؤادي” وكأن النموذج المثالي للإنسان في ذهن هاملت هو ذلك الشخص الذي يكون قادرًا على التخلص من عاطفته وأهوائه دون الخضوع لها. الاديب اندريه جيد حين انتصر للعقل و اكد ان كل ما تنتجه العاطفة شيئا رديئا .

بالمقابل،هناك الكثير من الفلسفات الجوانية والتي انتصرت للعاطفة و الحدس و الشعور و الاحساس و رفض الخضوع لسلطات العقل و صرامته، يمكن التوقف عند اسس و توجهات الفلسفة الوجودية و التي انتصرت للحرية،وكانت احتجاجا على حالة الغرابة و الدمار التي أنتجها العقل، ومقولات العقل سواء العقل المعرفي ( ديكارت ) او العقل الأخلاقي ( كانط ) أو العقل الديالكتيكي(هيجل).

قبل الوجودية يمكن التوقف عن فلسفة دافيد هيوم و الذي اعتبر ان العاطفة هي التي ترشد الإنسان وتحكم على الأشياء بالحسن أو القبح؛ أما العقل على حد قوله فينبغي أن يكون عبدًا للأهواء أو العاطفة ولا يمكنه أن يؤدي أي دور آخر سوى طاعتها وخدمتها.

بالعودة الى سياقات النقاش حول القرار الرئاسي لرئيس الولايات المتحدة بخصوص الوحدة الترابية و إعلان الرباط اعادة فتح مكتب الاتصال و الانخراط في مسلسل التطبيع ، يمكن رصد ان الاتجاهين البارزين في النقاش أحدهما ينتصر لفلسطين و اسبقية الامة على الدولة وعلى مصالحها، و اتجاه ثاني ينتصر للوحدة الوطنية و يعلن الصحراء اولا و اخيرا .

بين المنطقين الكثير من مسافات الاختلاف ، و حصر القضية في إطار ثنائي سيكون مكلفا ، و النتيجة انقسام و تطاحن و الكثير من الخصومة بما يغذي الحقد الاجتماعي .

هناك حالة انقسام بين تيارين ، الامر عادي و مقبول في حالة وجود إطار قوي لتدبير الاختلاف و محاولة بناء لحظة ثالثة / التركيب لتجاوز حالات التناقض و التنافس بين أطروحتي : الصحراء اولا – فلسطين اولا .

نفي الاطروحتين يقتضي بناء لحظة التركيب، وفق مقولات التحليل الماركسي و مبادئ قوانين المادية الجدلية عبر قانون نفي النفي، وهو ما يستلزم الكثير من المرونة من خلال تجاوز مرحلة الصراع بين العقل والقلب الى مرحلة الانسجام ما بين القلب والعقل معا.

بناء الانسجام بين العقل و القلب، يعني الجمع بين محبة الوطن الأصغر المغرب و الوطن الأكبر الامة العربية، رهين بتجاوز ثقافة التعصب و الانغلاق و ترسيخ قيم التسامح والانفتاح .

في ذات السياق يمكن استدعاء القصة التي وقعت بين يعقوب المنصور الموحدي، و عميد جامعة قرطبة وهي القصة التي أوردتها صاعد الطليطلي في كتابه طبقات الأمم ، حين زار يعقوب المنصور الجامعة دون ان ينزل على صهوة جواده فسال العميد أي النظم المعرفية تدرس هنا ؟

§ اجابه العميد،هناك نظريتين أساسيتين : الفقه الإسلامي و الفلسفة

§ اجابه الخليفة الموحدي ، ما الفرق بينهما ؟

§ أجاب العميد ، الفقه الإسلامي يقول بمبدأ الوجود من العدم ، الفلسفة اليونانية تقول الوجود من مادة.

§ ثم سأل يعقوب المنصور العميد : و أي تصورين تفضل ؟

§ أجاب العميد ابن بادية : الفلسفة اليونانية أقرب الى عقلي و الفقه الاسلامي اقرب الى قلبي.

§ بسرعة أخرج يعقوب المنصور سيفه و ضرب عنق العميد قائلا : حتى لا يفسد عقلك قبلك.

بعد اقل من مئة عام من الحكاية انتهى الحكم الإسلامي بالأندلس و النتيجة اغتيال العقلانية و إحراق كتب ابن رشد و طرده، و محنة ابو مسرة ومعاناة ميمون القرطبي .

اليوم، تتكرر نفس الحكاية لكن الاختلاف في التفاصيل , حيث الاختلاف بسبب طبيعة الانحياز ونوع الاختيار بين ما يريده العقل و ما تطلبه العاطفة، أي الاختيار والمفاضلة بين الوطن و فلسطين.

الحل او طريق الحل لا تكمن في الصراع لكن في تجاوزه لبناء توافق , الأمر قد يكون صعبا لكنه غير مستحيل، ما نحتاجه بناء إطار الاحترام و نحن نفكر و نناقش قضايانا ومشاكلنا في إطار من التقدير واحترام وجهات الآخرين، تحقيق ذلك يشترط عدم استعادة موقف و تصور يعقوب المنصور الموحدي حين تعامل مع من يخالفه بقطع الرؤوس .

ما نحتاجه اليوم فعل مصالحة بين العقل و القلب، و ليس صراعا بينهما قد يقود الى اغتيال العقل او قتل القلب و تدمير العاطفة.

الرهان الأساسي هو بناء طريق ثالث يجعل من الانسجام طريقا للوصل بين العقل و العاطفة، و ليس الفصل بما يضمن بناء عقلانية حالمة لبناء وطن صغير، يمتد من طنجة الى لكويرة ضمن وطن كبير عنوانه فلسطين العظيمة.

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

الكوفيد: وماذا عن الحملات الإنتخابية!

وجهة نظر

“تيكورداسين”.. نقانق أمازيغية من أضحية العيد يُحتفظ بها في دكة الاحتياط (فيديو)

وجهة نظر

أرشيفات عبد الواحد الراضي: تراث وطني

تابعنا على