وجهة نظر

ثورة تصحيحيّة للمسار في تونس قد يقودها الشّباب بعد تأزّم الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة بالبلاد

29 ديسمبر 2020 - 18:22

في ذكرى الثّورة التونسية العاشرة يَعتبر كثيرٌ من التونسيين أن ما حصل في 17 ديسمبر 2010 انتفاضة شعبية على حكم الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وليس ثورة بالمفهوم الدراماتيكي للمصطلح الذي اُصطلح عليه من قبل أرباب اللغة العربية، لأنه في مفهوم الثورة الحقيقي، تكون الثورة انقلابًا على الحكم الدكتاتوري السابق وبديلًا تقدمه للشعب للخلاص من النظام الذي كان يخنق أفعالهم وأقوالهم، ويُحكم قبضتهم، ويحدّ من حركتهم، ويُجهز على الحرية والديمقراطية ويمنح الشعب الكلمة الأولى لتسطير النظام السياسي المناسب عبر ألوية الثورة الجديدة. وحيث إن الظروف التي سادت آنذاك في تونس مختلفة تماما عمّا ذكرنا، فهي مجرد انتفاضة شعب أراد أن يعبر عن غضبه مما يحصل في البلاد دون أن تكون له أي خطة لتغيير النظام، لأنه كان يعلم أن بن علي كان دكتاتوريًّا استبداديًّا من الدرجة الأولى وكان يمكن أن يزجّ بالأمن والشرطة والجيش لتركيز سلطته والإمعان في الضغط على الشعب بلغة البوليس السياسي.

لكن الذي حدث فاجأ الجميع، وأربك حسابات السياسيين المعارضين لحكم بن علي، ولئن كانت المعارضة موحّدة قبلُ في ضرورة التخلص من بن علي إلا أنها كانت شرسة في الهجوم على بعضها البعض، حيث بان الخلاف وظهر بين أطياف المعارضة في كيفية إيجاد نظام بديل يجعل النظام السابق في حكم المنتهي ويبحث في سياسات جديدة تدعم الحرية وترسي قواعد الحوار بين أطياف المجتمع، والمشكلة التي وقعت فيها وهي أساس الفشل الذي نعاني منه اليوم حيث إنها لم تبحث أو بالأحرى لم تصر على إنهاء النظام السابق وقلعه من جذوره ثم التباحث في نظام سياسي جديد والعمل على قطع أي رأس يمكن أن ينبت من جديد ويصنع جذورا له ليحيى إذا وجد المناخ المناسب ويشكل معضلة كبيرة لأنه سيسعى إلى الرجوع بوجه مختلف ويحمل الوجوه نفسها والطريقة ذاتها والمنهج الدكتاتوري الاستبدادي بدعم خارجي وداخلي.

وكان حزب النهضة في أوائل أيام الثورة يحظى بشعبية هائلة بعد أن تأخّر حزب التجمع الدستوري وتزعزعت أركانه في الظاهر، وكان أتباعه يخشون الانهيار التام بضغط من الشعب، لكن الحماسة والاندفاع وراء إرساء دستور جديد للبلاد دون التأكد من انهيار منظومة بن علي أفسدت الخطة كما يبدو ونعاني من نتائجها اليوم، ولم يستطع الحزب أن يمسك بتلابيب الأمور رغم أنه كان يملك القوة الكافية والإرادة الشعبية ليصدر قرارات جريئة وحاسمة وحازمة وهو يقود المرحلة الماضية وفشل في إرساء نظام ديمقراطي جديد كامل يمكن أن يقنع الشعب التونسي بخيوطه الكبرى، لأنه ربما واجه معارضة علمانية كبيرة وشديدة كانت تخاف من الاتجاه الإسلامي لحزب النهضة أن ينحو في تشريعاته منحى التطرف والتزمّت كما تدعي أو ترسّخ مفهوم الإرهاب في نظرها لأن النهضة تأسّست في الأساس على مبادئ حركة الإخوان المسلمين وهي حركة صُنفت على المستوى الدولي أخيرا بأنها منظمة إرهابية.

هذا الجدال الداخلي بين الإسلاميين والعلمانيين مكّن الحزب القديم من أن يلملم أوراقه من جديد ويظهر بأنه حزب دستوري لا علاقة له بالاستبداد ويحترم الثورة التونسية والثوار، ويسعى إلى إقصاء الإسلاميين الذين هم يمثّلون الإرهاب بعد أن ظهرت الثورات في مختلف الدول العربية وحدث ما حدث من ظهور داعش على الساحة وتبنّيه الفكر السّلفي الجهادي مما أربك المشهد السياسي التونسي وحوّله من مشهد يرنو إلى الثورة على النظام السابق وتأييد حزب النهضة إلى مشهد يحنّ إليه وينبذ التوجه الإسلامي لحركة النهضة، ومع عدم تمكّن النهضة من التغوّل السياسي في تونس -إن صحّ التعبير-، وظهور كمّ من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وعجزها عن إيجاد حلول عاجلة وعمليّة وعدم إمساكها بالإعلام وتوجّست جميع الأحزاب خيفة منها مع ظهور أحزاب جديدة يقودها فاسدون حسب شريحة من الشعب التونسي، فهذه الأسباب جميعها سببت إرباكا كبيرا لدى السياسيين خاصة من حزب النهضة الذين يفتقرون إلى الخبرة السياسية والدهاء السياسي المطلوب لقيادة الدفة في البلاد.

ومع تأزمّ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتفاقمها في الفترة الأخيرة وضعف السياسيين في معالجتها على مستوى الرئاسات الثلاث يقدم ذلك صورة مهزوزة للديمقراطية العربية الحديثة ويوحي بأن ثمة مشكلا خفيّا يحوم حول عدم نجاح الثورة أو الانتفاضة وهذا ربما يقود إلى ثورة تصحيحية للمسار الديمقراطي ويوجد نوعًا من المراجعة الدقيقة لأحوال الأحزاب وشرعيّتها في تقديم نموذج سياسيّ مقبول في تونس يمكن أن يُخرج البلاد من محنتها ويسطّر استراتيجيات معمّقة ومقاربات جديدة لإحياء النَّفَس الثوري الذي بدأ يتضاءل شيئًا فشيئًا مع رجوع الأحزاب التقليدية كالحزب الحرّ الدستوري الذي يروّج لنفسه بأنه البديل عن الأحزاب الموجودة على الساحة والتي في نظره عجزت عن إيجاد حلول واقعية لكل المشكلات.

أكاد أجزم أن هناك سرًّا خفيًّا عقّد المشهد الديمقراطي السياسي في تونس، وأعتقد أن الشباب التونسي بدأ يقتنع بضرورة التغيير من خلال نهوض ثورة جديدة تصحيحية للمسار تطالب الدولة بإرساء نظام سياسي جديد يتوافق مع رغبات الشعب التونسي الذي ضاق ومازال مرارة الحرمان من الثروات والعيش بأمان.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

في الأسباب الحقيقية لغياب التكافؤ بين “الأحرار” و”بام وهبي”

وجهة نظر

الخطأ الاستراتيجي للنظام الجزائري !

وجهة نظر

واجهة الوباء لا يشرعن العنف السلطوي في حق المواطنين

تابعنا على