مسجد في باريس، فرنسا ملف

“مملكة التناقضات”: لماذا ترسل فرنسا أئمة المساجد للتكوين في المغرب؟ (ح 84)

10 يناير 2021 - 22:03

تنشر جريدة “العمق”، على حلقات، ترجمة حصرية لكتاب “مملكة التناقضات .. المغرب في مئة سؤال”* الذي قام بتأليفه المؤرخ الفرنسي الشهير بيير فيرمورين.

ويتكون الكتاب من مقدمة، بالإضافة إلى ثمانية أقسام؛ الأول تحت عنوان: “التاريخ .. مملكة ذات شرعية” ويشمل 14 فصلا، والثاني تحت عنوان: “الجغرافيا .. صلة الوصل بين فضائين كبيرين” ويشمل 8 فصول.

أما القسم الثالث فهو تحت عنوان: “المجتمع .. رصيد من التراكمات”، ويشمل 15 فصلا، في حين تمت عنونة القسم الرابع بـ “الديانة .. قوة إسلامية واعية بدورها”، ويشمل 10 فصول، أما القسم الخامس فقد جاء تحت عنوان: “السياسة .. تحت قيادة أمير المؤمنين”، ويشمل 15 فصلا.

القسم السادس، والمكون من 12 فصلا فقد جاء تحت عنوان: “الاقتصاد .. من الحمار إلى القطار فائق السرعة”، في حين اهتم القسم السابع المكون من 12 فصلا أيضا بالثقافة، بينما تم تخصيص القسم الثامن والأخير لمسألة العلاقة الدولية للمغرب، حيث “كل شيء من أجل الصحراء”.

وتكمن أهمية الكتابة في أنه يقدم نظرة حول المغرب بعيون مؤرخ فرنسي، حاول قدر الإمكان، أن يكون محايدا في قراءته لتاريخ المغرب، كما أن الكتاب سيكون وثيقة مهمة للباحثين المغاربة وغيرهم من أجل معرفة الشيء الكثير عن المغرب، الذي قال المؤلف إنه “مملكة التناقضات”.

الحلقة 84: لماذا ترسل فرنسا أئمة المساجد للتكوين في المغرب؟

منذ الهجمات الإرهابية التي وقعت في فرنسا في عام 2015 على خلفية الجهاديين في سوريا، دعا العديد من السياسيين والحكوميين إلى إمساك السلطات العامة بملف الإسلام الفرنسي، مع الإرادة الصريحة لتخليصه من التدخلات الأجنبية، سواء كان الإسلام القنصلي المدعوم من دول أجنبية أو الشبكات الإخوانية التي تتحكم في معاهد تدريب الأئمة الثلاثة في فرنسا (مسجد باريس التابع للجزائر، والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في مدينة سان ليجر دو فوجريه Saint-Léger-de-Fougeret، ومعهد العلوم الإسلامية في أوبيرفيلييه Aubervilliers التابع لجماعة الإخوان المسلمين.

في سبتمبر 2015، وقع الرئيس فرانسوا هولاند، برفقة رئيس وزرائه المسؤول عن الديانات، مانويل فالس، إعلانا مشتركا في الرباط مع ملك المغرب “بشأن التعاون في تدريب الأئمة”.

فالمملكة، التي أنشأت معهد محمد السادس لتدريب الأئمة في الرباط في مارس 2015، تستهدف في المقام الأول أئمة المستقبل من غرب أفريقيا (وخاصة مالي) والشرق الأوسط، ولكن أيضاً من أوروبا. إن السلطة الناعمة المغربية تمر هنا عبر موضوع الإسلام: في عام 2018، كان 55 إماماً فرنسياً مغربياً أو مغربياً من فرنسا يتدربون في الرباط (بما في ذلك اثنتا عشرة امرأة من “المرشدات” – وهو ابتكار انفرد به ملك المغرب في المجال الديني.

كان عليهم أن يقضوا ثلاث سنوات هناك قبل أن يعودوا إلى ديارهم. وهذا البرنامج، ببعده الفرنسي المغربي، هو وسيلة للاستجابة لدينامية جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا، التي تمولها كل من تركيا وقطر، والنقص في الأئمة بسبب قلة الراغبين والعجز في مؤسسات التدريب.

في عام 2018، كان 80% من الأئمة الفرنسيين البالغ عددهم 1800 إمام أجانب، 300 منهم موظفون عموميون مغتربون (150 من تركيا و120 من الجزائر و30 من المغرب). بالإضافة إلى ذلك، يوجد 300 إمام مغربي وجزائري ترسلهم بلدانهم إلى فرنسا في ضهر رمضان. ومن بين ما مجموعه 2500 مسجد في فرنسا، هناك 450 مسجداً تسيطر عليها الحركات الإسلامية (150 تابعون لحركة التبليغ و200 لجماعة الإخوان المسلمين، و120 للحركة السلفية.

ومن أجل مكافحة هذه التأثيرات التي تعزز التطرف الديني عند جزء من الشباب المسلم في فرنسا، وقعت السلطات الفرنسية والمغربية اتفاق الرباط وتحرص الرباط على إبعاد مغاربة فرنسا عن هذه التأثيرات “التخريبية” التابعة لتيارات الإسلام السياسي.
كما أنها لا تريد أن يخضع مواطنوها للتأثيرات المعادية من طرف مسجد باريس الموالي للجزائر، والذي يهيمن على ما يقرب من 700 مسجد في فرنسا. ولهذا السبب يضخ المغرب ما لا يقل عن 6 ملايين يورو سنويا في بناء المساجد في فرنسا، ويسيطر على عدة مئات مخصصة بشكل رئيسي للمغاربة بالجنسية أو بالأصل.

وتعتمد الجمهورية الفرنسية، التي يحظر عليها قانون الفصل بين الكنيسة والدولة لعام 1905 تدريب الأئمة، على البلدان الأجنبية للقيام بهذه المهمة حتى لو اقتضى الأمر منحهم تدريباً تكميلياً في الجامعات الفرنسية حول العلمانية واللغة وتاريخ الأديان والقانون الفرنسي.

على سبيل المثال، أرادت تركيا مضاعفة عدد الأئمة الذين تدربوا عندها من أجل العمل في فرنسا، لكن السلطات الفرنسية أعلنت في أوائل عام 2020 أنها تريد وضع حد للأئمة الأجانب. والمغرب يروّج الآن حول قدرته على “نشر الإسلام المعتدل” وفقا “لقيم الانفتاح والتسامح” وبالتالي فهو مدعو لتدريب عدد متزايد من مواطنيه في فرنسا.

وسيلتقي هؤلاء في الرباط مئات الأئمة الماليين في التدريب منذ عام 2017 ومالي مطمئنة إلى رعاية أمير المؤمنين لمحاربة السلفية. وهذا ما تأمله السلطات الفرنسية أيضاً، من أجل إبعاد هؤلاء الشباب الفرنسي المغربي عن الأصولية، حيث أن عدداً من الهجمات التي ارتكبت في أوروبا الغربية في السنوات الأخيرة ارتكبها شباب أصلهم مغربي أو ذوو جنسية مزدوجة ولكن المغرب يتنكر لهم.

ومع ذلك، لا أحد يتكهن كيف أن هذا الولاء لإمارة المؤمنين من طرف الأئمة المدربين في الرباط، والذي يشرطه المغرب عادة، سيتوافق مع العلمانية الفرنسية.

ترجمة: العمق المغربي

يتبع …

تنويه: ما يرد في هذه السلسلة هو وجهة نظر الكاتب وليس تعبيرا عن رأي جريدة “العمق المغربي”.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

ملف

مصفاة “سامير” .. القصة الكاملة لإعدام الشركة بتواطئ من الجميع (الجزء 3)

Drapeau du Maroc ملف

“مملكة التناقضات”: هل لا زال المغرب قوة يحسب لها حساب في الشرق الأوسط؟ (الحلقة الأخيرة)

ملف

“مملكة التناقضات”: هل المغرب حقا بطل في مجال محاربة الإرهاب؟ (ح 93)

تابعنا على