وجهة نظر

بوصوف يكتب .. العالم بعد “الترومبيزم” من الحروب التجارية الى الحروب الثقافية

28 فبراير 2021 - 22:12

يعكف العديد من المفكرين و المثقفين داخل صالونات ثقافية أو مجموعات تفكير( تينك تانك ) لمحاولة استشراف المرحلة القادمة، و فك خيوط العديد من المعادلات التي تتحكم في خرائط الاقتصاد والمال والتحالفات السياسية و العسكرية وكشف أنماط جديدة للقوة الناعمة… وليس غريبا أن نقف على إختلاف وجهات النظر في أغلب مُخرجات وخُلاصات تلك المجموعات، وهذا راجع بطبيعة الحال الى اختلاف الخلفيات الاديلولوجية و القناعات الفكرية لتلك المجموعات او صالونات الثقافية..لكنها تشترك في قواسم موضوعية فرضتها الظرفية السياسية والتحالفات الاستراتيجية واكراهات الأزمة الاقتصادية العالمية وكذا جائحة كوفيد 19..

إذ لا يمكن الإدعاء بموضوعية أي قراءة استشرافية للمستقبل، بدون التوفر على قراءة واقعية لهذا المستقبل المحفوف بالتحديات و الاكراهات و في نفس الوقت ضرورة ضخ جرعة من الأمل وتخصيص مساحات إيجابية في رقعة القراءة ، رغم كل ما نعيشه ونقرؤه عن مآسي هنا وهناك…لأنه لا يمكننا الحديث عن المستقبل بدون إشراقات أمل..

فالقراءة الواقعية لما عليه العالم اليوم، يطغى عليها مصطلح “الأزمة”، فهناك أزمة قيم أخلاقية، وأزمة أيديولوجيات تحتاج لمراجعات قوية، وأزمة تحالفات سياسية واقتصادية صِيغَت في سياقات مغايرة، وأزمة تدبير ملفات شائكة مثل الهجرة والإرهاب الدولي والاسلاموفوبيا… ورغم ذلك فان العالم يحاول الانبعاث من جديد، رغم كل أزماته…

لكن ونحن نحاول القيام بتلك القراءة تستوقنا محطتين هامتين ، أولها جائحة كورونا و ثانيها نهاية التروبيزم، لما لهما من تداعيات عالمية جعلت أغلب الدول تعيد تريتب بيتها الداخلي و أولوياتها ، و من بين تلك الدول طبعا وطننا المغرب..

فمن السهل جدا، الانخراط في حفل “البكاء الجماعي” عندما يتعلق الامر بالتفكير في مستقبل المغرب بكل رهاناته وتحدياته وإكراهاته..لكننا في الوقت الراهن نحتاج الى الموضوعية وأيضا للكثير من الأمل و الرفع من معنويات كل الفاعلين وكل الفرقاء في هذا البلد..اننا نعتقد انه لا جدوى من الإفراط في النقد لدرجة جلد الذات، لكن النقد البناء هو مُرحب به لانه ينقلنا الى فُسحة التصحيح والتعديل و الأمل..

نعم فالواقعية تُلزمنا بالقول ان هناك خصاص في العديد من القطاعات ببلادنا وأن هناك أزمات في تدبير العديد من الملفات و الإعتراف بوجود الكثير من الانزلاقات والإخفاقات…لكن نفس الواقعية تلزمنا بالقول بان المغرب كانت له الجرأة بالاعتراف بضرورة تغيير العجلة وأن طرح تصور جديد للنموذج التنموي بمقاربة تشاركية هو ضرورة حتمية، كما استطاع تجاوز امتحان جائحة كورونا بأقل الخسائر مقارنة مع دول قريبة جغرافيا أو متقاربة في الوضعية الاقتصادية…

لذلك فإن أي قراءة اليوم ، لواقع و مستقبل المغرب مثلا تغيب عنها تداعيات كورونا تبقى قراءة هشة و صورة تنقصها العديد من الأجزاء و المكونات..و هذا ما يعلل تأخير تقديم تصور للنموذج التنموي الجديد مثلا..حتى تُتَاح الفرصة للنموذج التنموي الجديد لإستيعاب ما عرت عنه الجائحة من أعطاب اقتصادية و إجتماعية و ثقافية ..

ونفس الشيء يقال عن أي قراءة لا تستحضر الاستحقاقات القادمة، و ما حمله القانون التنظيمي الجديد من بشائر التخليق و المساهمة في صناعة جيل جديد من الفاعلين السياسيين و الحزبيين ، و الانتصار للنوع من خلال التمييز الإيجابي بالرفع من تواجد نون النسوة في كل المجالس المحلية و الجهوية و البرلمان…لان المشهد الحزبي بالمغرب و تجديده و تدعيمه بمراكز التفكير و قنوات التواصل و ضخ دماء جديدة و وجوه جديدة..هو أحد الرهانات المستقبلية للمغرب…

وكل قراءة تُهْمِل هندسة الثورة الاجتماعية في الأفق القريب و المتوسط سواء على مستوى توسيع التغطية الصحية او التغطية الاجتماعية…تجعل منها قراءة مجانبة للواقعية و لا تقف على أرضية صلبة..
كما انه لا يمكننا قراءة مستقبل المغرب بدون استحضار مستجدات ملف الوحدة الترابية و الوطنية..أي الصحراء المغربية ، سواء من خلال قراءة لكل قرارات مجلس الامن الدولي خاصة في السنوات الأخيرة التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي و سياسي توافقي و سلمي.. أو من خلال افتتاح القنصليات بمدينتيْ الداخلة و العيون بالصحراء المغربية ، أو أخيرا من خلال اعتراف الولايات المتحدة الامريكية بمغربية الصحراء الى الحدود الموريتانية.. و ضم هذا أوراق هذا الاعتراف بالاوراق الرسمية للقضية داخل مجلس الامن الدولي المكلف بشكا حصري بملف الصحراء المغربية..

لأن من شأن هذه الإعترافات و تدشين القنصليات أن يُساهم في جعل المناطق الجنوبية المغربية أكثر ” جذبا ” للاستثمارات الأجنبية و بالتالي تساهم في التنمية الاجتماعية و الاقتصادية و تربط المغرب بعمقه الإفريقي…

وهي قراءات في مُجملها شِئنا أم أبينا تغلب عليها كفة الأمل في مغرب يجتهد من أجل التصحيح و التعديل و البناء…مغرب مراكز التفكير و الطاقات الشابة سواء بالمغرب ، أو من مغاربة العالم الذين يشكلون خزانا كبيرا من الكفاءات و الخبرات الواعدة و يساهمون في دعم عناصر التنمية الاجتماعية و المجالية بالمغرب..إذ لا يمكن قراءة مستقبل المغرب بدون إشراك مغاربة العالم…

وبطبيعة الحال، فان قراءة المستقبل بتحدياته و رهاناته ، تعني أيضا ما يقع خارج المغرب سواء في البيت الافريقي او بالمتوسط أو بالدول الاوربية و كذلك بالولايات الأمريكية.. و هنا أيضا اثرت أولا ، جائحة كورونا في تغيير الكثير من الميكانيزمات التي كانت تحكم العلاقات الدولية ، و تصدرت آليات جديدة في مجالات التحالف أو التفاوض كديبلوماسية الكمامات مثلا او الديبلوماسية الصحية كنوع جديد من القوة الناعمة، وسباق المختبرات العالمية من أجل التوصل الى لقاح فعال للكوفيد 19..

كما عرت كورونــا عن ازمة غير مسبوقة للعلمانية في الدول الغربية ، عندما تم إغلاق الفضاءات العمومية للعبادة بأوامر السلطات الحكومية و ليس لرجال الدين ، و هو ما أثار حفيضة بعض رجال الكنيسة ، و خففت من حدته وتداعياته فقط بعض قرارات و تصريحات الفاتيكان…

كما أثرت ثانيا، نهاية “الترومبيزم” بإعلان تغييرات في معالم العالم بعد زمن كورونا و في تكتلاته و أحلافه.. وتغيير بوصلة العالم و الايدولوجيات من ترويج لفكرة ” الحروب التجارية ” الى تبني فكرة جديدة أي ” الحروب الثقافية “…

وهكذا فان أغلب المحللين ينحازون لفكرة إحياء نقاشات التاريخ و الإرث التاريخي للدول الاستعمارية ، و التاريخ المشترك بين للدول المُستعمَرة و الاستعمارية بين الجاليات في الدول الغربية ، بالإضافة الى مواضيع الإسلام و العلمانية و الانعزالية الإسلامية و المسلمون في البدان الغربية و إشكالية الرموز الدينية و طرح إشكاليات معرفية و تاريخية تتعلق بشكالية المقابر مثلا في الديانات المختلفة و كذا الدعوة الى إعادة قراءة الثرات..

هذا دون إغفال الإشارة الى ما يُعرف الآن ب cancel culture أو ” ثقافة الإلغاء ” بالدول الغربية ، و التي انتشرت بقوة خاصة بعذ مقتل الافروامريكي جورج فلويد في ماي 2020 و ما تبعه من موجه استنكار و مسيرات عارمة و تدمير تماثيل شخصيات عالمية اشتهرت في مجالات الاكتشافات الجغرافية و كذا الفلسفة و الفكر و الفن …اتهمها انصار هذا التيار بالعنصرية و التمييز الجنسي..
لذلك فان الاعتقاد السائد الان ، هو ان المرحلة القادمة بعد نهاية فترة ترامب او ” الترومبيزم ” سيغلب عليه العنصر الثقافي و الحقوقي و التاريخي..وهو ما يعني الاتجاه من ساحة الحروب التجارية الى ساحة الحروب الثقافية…

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

إنه وقت الحكمة السياسية

وزير الشغل السابق وجهة نظر

هل المغاربة يفتقدون للسعادة إلى هذا الحد؟

وجهة نظر

من الديمقراطية التشاركية إلى الديمقراطية التعاقدية

تابعنا على