وجهة نظر

العلاقات المغربية الأمريكية العميقة والمتجددة عبر “قرون”

23 أبريل 2021 - 20:32

لقد غرست العلاقة المغربية الأمريكية جذورها العميقة منذ أن كان المغرب أول بلد يعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية في دجنبر سنة 1777 قبل فرنسا نفسها التي لعبت دورا مهما في دعم الثورات داخل المستعمرات البريطانية، وتوطدت هذه العلاقة أكثر سنة 1788 عندما وقع المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية صداقة التي كانت أمريكا تهدف من ورائها حماية أسطولها من الهجمات المغربية.

ومما لا شك فيه فإن الدبلوماسية الملكية لعبت دورا هاما في العلاقات الدولية، ومن أبرز هذه العلاقات تمتين العلاقات من الولايات المتحدة الأمريكية كقوة كبرى.

وأن الدور المحوري لجلالة الملك لا تمليه فقط الاعتبارات الدستورية بل إن طبيعة العلاقات الدولية تزكي هذا الموقع، بحيث يقوم الملك بالتفاوض وقد يطلع بالوساطة في خلاف أو نزاع ثنائي أو دولي، وهو ما يسمى بدبلوماسية القمة التي أصبحت آلية شاسعة في الممارسة الدولية، وغالبا ما يتم اللجوء إلى هذه الأساليب سواء تعلق الأمر بمنظمات دولية أو معالجة قضايا تتطلب الحسم والتزام الدولة بمقتضياتها، ولا ريب فيه أن جلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره يراقب باهتمام بالغ مجال السياسة الخارجية، ويتخذ القرارات الأساسية والمناسبة في شأنها وإن كان جلالة الملك محمد السادس يفضل ضرورة العمل لتنفيذ السياسة الخارجية في إطار جماعي، وهو ما كان في السنوات الماضية الأخيرة، وخير مثال على ذلك تدبير ملف الصحراء المغربية، ونلمس هذا في الاتصال الهاتفي الذي أجراه جلالة الملك نصره الله مع السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية، حيث جاء في بلاغ للديوان الملكي في الرباط يوم الأحد 16 سبتمبر 2012 أن جلالته بحث مع كلينتون خلال مكالمة هاتفية الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبالتحديد مصر، ليبيا وتونس، حيث نوهت السيد كلينتون “بالدور الاستراتيجي الذي يطلع به المغرب كعامل استقرار في المنطقة” ومن جانب جلالته أن ندد “بالاستفزازات المريبة وغير المقبولة التي تستهدف القيم المقدسة للدين الإسلامي”، من جهة أخرى أعرب الجانبان عن ارتياحهما للجودة الاستثنائية التي تطبع العلاقات بين البلدين الصديقين وآفاق تطويرها في المستقبل لاسيما في ضوء الحوار الاستراتيجي الذي قرره الطرفان، ونسب إلى السيدة كلينتون قولها أن هذه المرحلة الجديدة النوعية في العلاقات بين البلدين تندرج في إطار الرؤية التي بلورها جلالة الملك محمد السادس منذ زيارة الدولة المهمة التي قام بها جلالته إلى واشنطن عام 2000 بدعوة من الرئيس بيل كلينتون، وأن هذه الرؤية تعززت في عهد إدارة الرئيس جورش بوش، من خلال إنجازات مهمة من بينها التوقيع على اتفاقية التبادل الحر سنة 2004، ومنح المغرب خلال نفس السنة وضع الحليف الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية، خارج حلف الشمال الأطلسي فضلا عن استفادة المملكة منذ سنة 2007 من مبادرة “حساب تحدي الألفية”.

وأشارت السيدة كلينتون أن هذه الرؤية الملكية التي يواصل تبنيها ودعمها الرئيس باراك أوباما منذ 2009، قادت إلى إطلاق أول دورة للحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية “وهي تعد تعبيرا جديدا عن الإرادة الثابتة للولايات المتحدة الأمريكية لتعزيز علاقاتها مع المملكة المغربية في جميع المجالات لاعتبارات عدة”.

كما نوهت السيدة كلينتون بشدة بوجهات وعمق الإصلاحات المهمة التي يقودها جلالة الملك محمد السادس منذ توليه الحكم على كل الصعد السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، مظهرة في نفس الآن الدور النشيط والانخراط البناء لجلالته أعز الله أمره على الساحتين الإقليمية والدولية.

ولكن في رأيي الخاص، على الرغم من أن العلاقات المغربية الأمريكية ضاربة جذورها في التاريخ حيث بودلت رسائل في الموضوع مع ملوك المغرب، ومن بين هذه المراسلات تلك التي بودلت بين جلالة المولى الحسن بن محمد ورئيس جمهورية أمريكا هارسوس وذلك في القرن الثالث عشر.

فإن علاقات الصداقة وموقع الحليف الاستراتيجي الرئيسي خارج الحلف الأطلسي لم يبق كافيا نظرا لما يربط المغرب والولايات المتحدة من علاقات خصبة وعميقة منذ قرون خلت “1777-2021” أي 244 سنة فأكثر، وأعتقد أن موقع الصديق في العهد الجديد أصبح متجاوزا نظرا لتطور وتنامي هذه العلاقات المغربية الأمريكية، وتزداد عمقا وتطورا منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين في يوليوز 1999، حيث عرفت هذه العلاقات تحولا متسارعا، وأساسا فيما يتعلق بالمصالح المشتركة والتشاور حول القضايا الإقليمية والدولية في سياق معقد ومتحول، لذا فإن موقع الحليف الاستراتيجي أو الصديق حان وقته لينتقل إلى موقع “الشريك الأساسي”.

والقاعدة، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فالمغرب ظل وفيا لمبادئه والتزاماته وتعاونه المشروع مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن كان أول من اعترف باستقلالها كما سبقت الإشارة إليه سنة 1777.

وإذا كان المغرب قد قبل بالاستفتاء التأكيدي في الصحراء المغربية، فإنه يأتي في هذا السياق، فإنه فعل ذلك إرضاءا للأشقاء والأصدقاء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، غير أن موافقة المغرب على الاستفتاء التأكيدي أفشله الطرف الآخر، “الجزائر وربيبها البوليساريو، لأنهم كانوا يعلمون جيدا أن هذا الاستفتاء لن يكون إلا في صالح المغرب وبالتالي الإقرار الصحيح بمغربية الصحراء.

وإكراما للأشقاء والأصدقاء أيضا قبل المغرب بالتفاوض الغير المباشر مع البوليساريو وهو يدري بأن هذه المفاوضات لن يكتب لها النجاح ما دامت جبهة ما يسمى بالبوليساريو لا تتحرك إلا بأوامر وتوجيهات الجزائر التي لها مصلحة في أن يبقى الوضع كما هو عليه في المنطقة، وها هو المجتمع الدولي أصبح يطلع وبكل جلاء بالأخطار التي تحيط بالمنطقة لتحول هذا المخيم إلى وكر للإجرام والأنشطة الممنوعة، وارتباط البوليساريو بعصابات التهريب وبالشبكات الإرهابية التي تهدد الاستقرار في المنطقة والأمن والسلم الدوليين، وأكثر الدول المهددة هي دول الساحل والصحراء.

وفي هذا السياق وتفاديا لأي مواجهة عسكرية وحفاظا على الأمن والسلم الدوليين، طرح المغرب حلا واقعيا وقابل للتنزيل وهو المقترح الشجاع المتمثل في التفاوض من أجل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو المقترح الذي أيدته جل الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأمريكية.

وإذا كان المغرب قد أبدى الكثير من الاحترام للأشقاء والأصدقاء ولقرارات الأمم المتحدة فإنه من باب المعروف والاعتراف بالجميل، المطلوب من الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من أي وقت مضى وهي الدولة الأقوى في العالم أن تقف إلى جانب المغرب من أجل الإقرار بمغربية الصحراء، من خلال موقعها الدولي المتميز باستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي ينهي مسار ملف الصحراء المغربية الذي عمر طويلا وذلك في إطار حلين لا ثالث لهما:

الأول: القبول بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهذا هو الحل الواقعي والسلس التنزيل والذي أيدته جل دول العالم خصوصا الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن.

الثاني: إذا ما رفض الطرف الآخر حل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لن يكون أمام مجلس الأمن الدولي إلى الحل الذي قضت به محكمة العدل الدولية، أي استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يقر بمغربية الصحراء، وإن كان هذا هم الأصل وعلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن لا تنسى أن المملكة المغربية دولة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ وأنها ساعدت في استقرار الأمن والسلم الدوليين عبر قرون من الزمن، كما ساهمت بكل أريحية في مد يد العون لكل من هو في حاجة إلى العون، سواء في الحروب أو الكوارث الطبيعية وكل ما يتعلق بالإنسانية لذا على المجتمع الدولي أن يرفض مطالب الانفصاليين الخارجة عن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لأن هذه المطالب غير واقعية وغير قابلة للمناقشة والتنفيذ.

أما فيما يخص العلاقات المغربية الأمريكية فهي تحتاج إلى دفعة قوية في كل المجالات وهذا لن يتأتى إلا بزيارة دولة يقوم بها الرئيس الأمريكي للمغرب، نظرا لما يحظى به من ود واحترام وتقدير من جل المغاربة ملكا وحكومة وشعبا، وهي الزيارة التي ستؤكد مدى حسن العلاقات والتعاون الثنائي المغربي الأمريكي الذي لا شية فيه.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

السفياني بوريطة وجهة نظر

السفياني يكتب: إلى المدعو بوريطة .. هل تعرف ماذا تكون القدس بالنسبة للمغاربة؟

وجهة نظر

ليلة القدر.. فضلها وميقات رجائها وكيف نحييها في الظرفية الاستثنائية زمن كورونا؟

وجهة نظر

كيف يسوِّق كتاب آسفي علاقة مدينتهم بالبحر روائيا (ج2)

تابعنا على