وجهة نظر

كيف نجعل من هجرة الأدمغة عامل قوة لتحقيق التنمية؟

26 أبريل 2021 - 17:53

يعتقد الكثير من الناس أن ظاهرة هجرة الأدمغة هي خسارة للبلد الذي يفقد عقوله الذكية ويسلمها في طابق من ذهب لدول أخرى تستفيد منها وتُنمي من خلالها مجتمعاتها. ظاهريا تبدو المسألة منطقية، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما بذلته الدولة من مال وجهد في تكوين تلك العقول فإننا لا نملك سوى اعتبار تلك الهجرة خسارة كبيرة. لكن واقع الحال هو غير ذلك إذا نظرنا للمسألة بمنظار دقيق ومنهاج فصيح. فتلك العقول في غالب الأحيان تكون قدراتها المعرفية وطموحاتها المهنية تفوق ما هو متاح في بلدها الأصلي. هذا الطموح يجعل تلك العقول تبحث عن استكمال دراستها في إحدى الدول المتقدمة إما مباشرة بعد نيلها شهادة الباكالوريا، أو عبر تدعيم دراستها بماستر تكميلي بعد إنهاء دراستها الجامعية أو العليا كخطوة لفتح باب الهجرة، أو قضاء السنة الدراسية الأخيرة من التكوين العالي في إحدى الدول التي تربطها اتفاقية شراكة مع المؤسسة التعليمية وهي شراكات تهدف إلى استقطاب الكفاءات لأنها تكون مقتصرة على المتفوقين الأوائل فحسب. وبطبيعة الحال، تستقر تلك العقول في أحد البلدان المتقدمة التي توفر لها شروط تنمية كفاءتها وتُحقق لها طموحاتها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تلك العقول المهاجرة لا تستقر بالضرورة في البلد الذي استقبلها لاستكمال دراستها العليا، بل هي تستقر في البلد الذي يحقق طموحها في تطوير كفاءتها وتحقيق ذاتها، لأننا لسنا أمام أشخاص عاديين ينقضون على أول فرصة عمل تُتاح لهم، بل الأمر يتعلق بعقول ذكية تُفتح أمامها الكثير من الفرص بحكم كثرة الطلب عليها مما يُوفر لها حرية الاختيار حسب إرادتها هي وليس إرادة المؤسسات أو الشركات التي تعمل على استقطابها. ولا أدل على ذلك العقل المهاجر الذي لمع اسمه في العالم بأسره في ظل جائحة كورونا العالم المغربي منصف السلاوي الذي حصل على الباكالوريا في المغرب وأكمل دراسته الجامعية في بلجيكا واستفادت أمريكا من خبرته دون المساهمة في مساره التعليمي.

انطلاقا من هذه المعطيات نقول إن هجرة الأدمغة مسألة طبيعية وهي في كثير من الحالات تكون مصدر إثراء وليس عامل استنزاف للطاقات. فالعقول المهاجرة من بلدها الأصلي تتمتع بتكوين عال وتجربة كبيرة وخبرة معتبرة تجعلها ثروة وكنزا تتوفر عليه هذه البلدان وبإمكانها أن تنهال منه حسب حاجياتها في التنمية مثله مثل الموارد الطبيعية من غاز وبترول ومعادن. فإذا كانت هذه الموارد الطبيعية في حاجة إلى برامج اقتصادية وسياسة صناعية ليستفيد منها البلد، فإن العقول المهاجرة هي كذلك في حاجة إلى برامج تستجيب لمتطلباتها وتُوفر الشروط الضرورية لتحقيق مطالبها. ولعل أبرز مثال للدول التي أحسنت الاستفادة من عقولها المهاجرة البلد الأسيوي الهند. فمعروف عن الهند توفرها على مدارس المهندسين تخصص إعلاميات والتكنولوجيا الحديثة من أجود المدارس وهي تضاهي كبريات مدارس المهندسين في العالم المتقدم. هذه السمعة التي تحظى بها تلك المدارس جعل المهندس الهندي مطلوبا في البلدان المتقدمة ليس الأوروبية فحسب بل حتى في أمريكا لدرجة أن المدينة الذكية سيليكون فالي (Silicon Valley) لعب فيها هذا المهندس الهندي دورا رئيسيا. ولَمَّا عقدت الهند العزم على تنمية بلادها لجأت إلى تلك العقول المهاجرة لتجعل منها قاطرة التنمية في البلد. ومن أجل بلوغ هذا الهدف، حددت الهند استراتيجية من ثلاث نقاط:

-1- دعوة الكفاءات الهندية في بلاد المهجر التي لها مناصب في مراكز القرار في كبريات الشركات العالمية إلى التعامل مع الشركات الهندية في صفقات المناولة، بدعوة تلك الكفاءات وإطلاعها على ما يتوفر في بلدهم الأصلي من إمكانات ومعارف.

-2- تحفيز تلك الأدمغة المهاجرة للاستثمار في بلدها الأصلي عبر برامج تحفيزية وتسهيلات لا تتوفر في بلدان الإقامة.

-3- دعوة تلك العقول للعودة إلى بلدهم الأصلي الهند والاستقرار فيه لتمكين النسيج الاقتصادي من الاستفادة من خبرتها وفق شروط تكون واضحة ومُتفق عليها.

لكن الهند لم تكتف بهذه الاستراتيجية، بل حرصت على توفير النجاح لها بالمتابعة الدقيقة لكل التفاصيل. فقامت الهند بإحداث مؤسسة تابعة مباشرة لرئيس الحكومة، لها من السلطة ما يجعلها تعالج الإجراءات التي تتطلب شهورا في أيام معدودة. فمشاريع هؤلاء الأدمغة المهاجرة التي ألفت إدارة ونجاعة إدارية من نوع خاص، لا تسلك المسطرة العادية التي تتحكم فيها الإدارة البيروقراطية، وإنما تسلك مسلكا خاصا تابعا لرئاسة الحكومة مباشرة وهو ما جعل هؤلاء يجدون في بلدهم الأصلي نجاعة إدارية تفوق ما ألفوه في بلد المهجر وجعلهم يشجعون معارفهم للعودة لبلدهم والاستثمار فيه. وبذلك ربحت الهند رهان التنمية.

لذلك نقول إن هجرة الأدمغة ليست من السوء الذي نعتقد، بل هي ظاهرة تحمل فرصا كبيرة لتحقيق التنمية في بلدها الأصلي إن أحسن هذا الأخير في إعداد برامج عودتها وتوفق في حسن استقبالها كما فعلت الهند.

* سعيد الغماز
باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

باسو منذ 3 أسابيع

تحليل يصيب قارئه بالصدمة. يا أستاذ التخلف ليس هو نقص الإ مكانيات فهو هدر الموارد بسبب جهل و فساد الحكام. لن تحصل التنمية ما دمنا نصرف نحن الشعب المال و الوقت وحرق الأعصاب لتربية و تكوين أطر ثم يطردهم حكام يصدرون خيرات البلد نحو الأبناك الأجنبية و يحرصون على تكريم الزنادقة عوض العلماء. بهذا التفكيرسنحقق التنمية بعد قرون

مقالات ذات صلة

الممثل الرسمي لإسرائيل بالمغرب دافيد جوفرين وجهة نظر

محمد الشرقاوي يكتب.. برقية عاجلة إلى مدير مكتب الاتصال الإسرائيلي بالمغرب

وجهة نظر

بطاقات العيد

وجهة نظر

الغربة والاغتراب والزمان والمكان

تابعنا على