وجهة نظر

استراتيجية إلهاء الشعوب.. “المنديل الأحمر للثور الهائج”

يفتح مصارع الثيران الباب للثور الهائج لينطلق غاضبا مسرعا بكل قوة إلى الساحة متجها إلى المصارع مباشرة لينتقم منه، الثور كبير، عظيم البنية، هائج وغاضب، وفي مواجهته مصارع صغير لن يستطيع مواجهة الثور ولو للحظة، ولكنه بدلا عن المواجهة التي سيخسرها حتما، يستخدم المنديل الأحمر ليلهي به الثور، يلوح المصارع بمنديله نحو اليمين ونحو اليسار، يظهر مصارع آخر بمنديل آخر يلوح به أيضا، وهكذا..

يتشتت الثور عن هدفه الرئيسي (المصارع)، إلى مطاردة المناديل الحمراء الملوح بها (الإشاعات المفبركة والأخبار الكاذبة والمواضيع التافهة)، وهكذا يستغل المصارع أو المصارعون حالة التشتت هذه التي حتما تضعف الثور، ويبدؤون في غرس سهامهم واحدا وراء الثاني في رقبة الثور الهائج هو (الشعب المسكين) الذي أدركه الإعياء لطول مطاردته للمناديل، ثم لا يلبث الثور أن يسقط تماما، وهنا يتمكن المصارع الصغير من هدفه عندما يجد الثور الهائج الكبير الذي ليس له به طاقة، يجده أمامه ساقطا بلا حراك، فيجهز عليه.

إنها سياسة الإلهاء، عملية تحويل انتباه الرأي العام عن المشاكل الحقيقية والتغييرات التي تقررها النخب السياسية والاقتصادية إلى مشاكل تافهة وأقل أهمية وأكثر صدى، ويتم ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاء والمعلومات التافهة. فالرأي العام هو قوة الشعوب الضاغطة التي يجهلها الكثيرون، لاكن الدولة تدرك جيدا قيمته واهميته.

تلجأ إليها الحكومة عندما تتعرض لازمات داخلية، وحين تفشل في تحقيق مطالب مواطنيها وحل مشاكلهم ، عندها تلجأ إلى قضايا هامشية بعيدة كل البعد عن المشاكل الحقيقية للمواطنين ، ويتم النفخ فيها عبر وسائل الاعلام أو أي وسيلة أخرى حتى تكبر وتتضخم من اجل ان يتوجه إليها الرأي العام وتصبح شغله الشاغل الهدف من كل ذلك ، إلهاء الناس بأمور و مواضيع ثانوية غير ذات أهمية حتى تستهلك وقتهم وتستحوذ على تفكيرهم ، بحيث لا يبقى لديهم متسع من الوقت للتفكير في القضايا و الإشكاليات المهمة و القضايا المصيرية مثل الصحة و التعليم و التشغيل و البطالة والفقر والعدالة الاجتماعية والمديونية و الفساد إلى غير ذلك، بحيث تغدو كماليات في الحياة لا مكان لها راهنا، فلا وقت للخوض فيها والنضال في سبيلها أمام لقمة الخبز، وتأمين مستلزمات الحياة. فسياسة الإلهاء تقوم على صناعة الأفكار التي تلهي أكثر مما توقظ وتسلب أكثر مما وفيد، من خلال إبقاء المواطن مشغولا بشكل دائم لا وقت لديه للتفكير بالسياسة التي تتبعها حكومته، ولا بحقوقه المستلبة، ويتحول كل همه للبقاء على قيد الحياة، وتأمين قوت يومه.

وذكر تشومسكي في كتابه “أسلحة صامتة لحروب هادئة” ملخصا لتلك الفكرة قائلا: “حافظ على تشتت اهتمامات العامة، بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، واجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقية. وأضاف: “اجعل الشعب منشغلا، منشغلا، منشغلا، دون أن يكون له أي وقت للتفكير”

يساهم في ذلك تواطؤ بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، فبإمكان فيديو مصور بكاميرا هاتف ذكي قام به شخص ما أن يشغل المواطنين و الرأي العام لساعات وأيام وربما أسابيع و شهور، و الأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • samir
    منذ 3 سنوات

    مقال في المستوى الرفيع

  • امل
    منذ 3 سنوات

    الامل في الله كبير

  • jamal
    منذ 3 سنوات

    laka lah ya watanii

  • بوشعيب
    منذ 3 سنوات

    شعب منوم شعب امي شعب متخلف بفعل فاعل

  • الخمار
    منذ 3 سنوات

    الله ياخذ فيهم الحق

  • العوني
    منذ 3 سنوات

    حنا لينا ربي هما عايشين و حنا مالقينا ماناكلو

  • aymane
    منذ 3 سنوات

    bravo bonne continuation

  • سهى
    منذ 3 سنوات

    روعة الكتابة واصلوا

  • ماجدة
    منذ 3 سنوات

    الشعب له الله

  • الشعب
    منذ 3 سنوات

    الشعب غير واع و مغيب و كل همه التفاهة لقد نجحوا في تكليخ الشعب

  • حميد
    منذ 3 سنوات

    الشعب اصبح مثقلا بالديون و المشاكل و المعيقات رحمة يا رب

  • نوح
    منذ 3 سنوات

    ما احوجنا الى مثل هذه المقالات

  • abir
    منذ 3 سنوات

    bravo tres bon article

  • كزاوي
    منذ 3 سنوات

    برافو خويا راك واعر

  • كمال
    منذ 3 سنوات

    للاسف الشعب امي و جاهل و الجعل اكبر عدو للانسان

  • عاش الشعب المفربي
    منذ 3 سنوات

    الشعب المغربي شعب طيب و ليس غبي

  • مايسة
    منذ 3 سنوات

    مقال رائع هنيئا للعمق

  • متفئل
    منذ 3 سنوات

    نحن شعب يمرض و لا يموت

  • شيماع
    منذ 3 سنوات

    احذروا غضب الشعب

  • عائشة
    منذ 3 سنوات

    مقال في المستوى يشخص واقع الحال بدقة

  • مكناسي
    منذ 3 سنوات

    مقال جد رائع من شخص رائع سي عادل بن الحبيب كما عودنا دائما

  • سارة
    منذ 3 سنوات

    لازلنا ابعد ما يكون من الديمقراطية الحقيقية

  • حمزة
    منذ 3 سنوات

    احسن طريقة يتبعها المغرب من اجل التحكم في الشعب هي جوع كلبك يتعك

  • عامر
    منذ 3 سنوات

    لك الله يا وطني

  • jad
    منذ 3 سنوات

    le peuple marocain mahgour bzaffff

  • الشعب
    منذ 3 سنوات

    الشعب اللي عندو 60 في المئة من الاميين و 40 في المئة الباقية اغلبها انتهازية ووصولية كيف سيغير

  • سمير
    منذ 3 سنوات

    نناشد الملك راهنا عام و حنا مكنخدموش و تزيرنا في شهر رمضان اكثر و اش المسكين ميعيش في هذا البلاد

  • marocain
    منذ 3 سنوات

    bien dit

  • سمحمد
    منذ 3 سنوات

    الشعوب اصبحت مقهورة همها الوحيد تامين لقمة العيش

  • جواد
    منذ 3 سنوات

    نعوم تشومسكي ابدع في كتابه. شكرا على المقال الرائع.

  • jamal
    منذ 3 سنوات

    un très bon articles

  • سليم
    منذ 3 سنوات

    ماشاء الله يارك الله لك في علمك

  • ahmed
    منذ 3 سنوات

    bien dit

  • مواطن
    منذ 3 سنوات

    البارح شباب غرقو مساكن في المضيق كانوا باغيين يحركو و الاحزاب في البرلمان مقاتلة على جمعية جود

  • كارسون
    منذ 3 سنوات

    سدو علينا مصدر رزقنا و احنا كنتسناو الدعم والو

  • العطار
    منذ 3 سنوات

    بغينا الدعم راحنا تهلكنا غير الله اللي معانا

  • استاذ
    منذ 3 سنوات

    جل الدول تستخدم هذه الاستراتيجية من اجل التحكم في الشعوب

  • عبد النبي
    منذ 3 سنوات

    الشعب ممصوقش باغي غير ياكل و ينعس و صافي

  • SADIA
    منذ 3 سنوات

    CHA3B DICONNECTER LAH YASTAR

  • مغربي
    منذ 3 سنوات

    شكرا العمق

  • ربيع
    منذ 3 سنوات

    ماكاين غير الشيخة طراكس و النيبا و باطما و ,,,,,,, التفاهة تم التفاهة

  • سلمى
    منذ 3 سنوات

    هذا حقا ما نعيشه

  • حمزة
    منذ 3 سنوات

    مقال في صميم الاحداث

  • سناء
    منذ 3 سنوات

    من اجمل ما قرات

  • SAMAKI
    منذ 3 سنوات

    KALAM WA3AR WO SAHIH

  • kamal
    منذ 3 سنوات

    bravo benlahbib bravo l3OMK

  • ندى
    منذ 3 سنوات

    شخصت الواقع برافو

  • سعيد
    منذ 3 سنوات

    واصل مقالات مهمة و في المستوى

  • عامر
    منذ 3 سنوات

    مقال ممتاز

  • كمال
    منذ 3 سنوات

    مقال رائع جدا جدير بالقراءة