محامي وخبير قانوني وجهة نظر

العلاقات المغربية الإسبانية.. حرب ناعمة وديبلوماسية الإرباك لإعدام تدخل إسبانيا في نزاع الصحراء

20 مايو 2021 - 13:34

إن مناقشة طبيعة ومسار العلاقات بين المغرب و إسبانيا يعكس حجم المنعطفات الكثيرة التي مرت منها خلال السنوات الأخيرة . فاسبانيا بتاريخها الاستعماري لم تستطع التخلص من عقدة النظر الى المغرب كند وقرين وحافظت على أسلوبها التقليدي في تدبير الملفات المطروحة ، و لذلك ، و أمام التحولات الكبرى التي أضحت تميز السياسة الخارجية للمغرب مع مختلف القوى الكبرى دوليا ، أصبح الغريم الإسباني غير قادر على استيعاب كون المغرب أصبح فاعلا اقليميا و قطبا متميزا و رياديا في ضبط العلاقات ما بين ضفة شمال البحر المتوسط و منطقة جنوب الصحراء عموما و منطقة الشرق الأوسط تحديدا .

وهو ما يفسر الإنزياحات الكبرى التي تلازم مواقف اسبانيا نتيجة الصدمة السيكولوجية التي أصابتها- قوة كولونيالية تقليدية -من المغرب الذي نجح في ارباك حسابات الأصدقاء الكلاسيكيين للصحراء بفضل انتقال الدبلوماسية المغربية من مرحلة الدفاع نحو مرحلة الهجوم المحكم من أجل الحسك و بأدوات إجرائية جديد تتجاوز منطق التفاعل القديم الذي يطبعه البطء نحو التأثير على النقاش العمومي الداخلي بإسبانيا ؛ رغم دقة المرحلة و خطورة ما قد يترتب عن ذلك من نتائج لصالح فرقاء سياسيين قد يكونون أكثر عداوة للمغرب في معترك الإستحقاقات الإسبانية المقبلة.

و إن تعامل المغرب مع اسبانيا في اطار مبدأ المعاملة بالمثل المعروف كأسلوب متجدر في تدبير التعامل والتعاون الدوليين وكسلوك أصيل وثابت في العلاقات الدولية لم يعد ذا اتجاه واحد بل بالأحرى أصبح يستعمل أوراق جديدة في تدبير المطروح من المشاكل في علاقة المغرب مع جاره الشمالي .

و تمكن المغرب ميدانيا ، من حيث يدري أو من حيث لا يدري ، من فرض حضوره كرقم مهم في معادلة التوازن الماكرو – سياسي لإسبانيا وتأثيره في سياستها الداخلية من مداخل متعددة منها الهجرة و تجاوز الدور الدركي للمغرب في تطويق كل ما يتهدد القارة العجوز من مخاطر المخدرات و الإرهاب و الهجرة .

ولا شك أن المغرب أربك حسابات القوى السياسية الفاعلة في إنتاج القرار الإسباني وهدد بشكل ما استقرار الائتلاف الحاكم برئاسة الحزب الاشتراكي الاسباني الذي بات يتحسس قدرة المغرب على تنميط الرأي العام الداخلي بإسبانيا بعد أن تعالت اصوات تطالب باستقالة الحكومة ، هذا علاوة على مليون مغربي مقيم بإسبانيا، و لعله معطى قابل للإستثمار مستقبلا في توجيه ضربات ما أسميه ب ” المطرقة الدبلوماسية ” .

بيد أن المغرب ومن منظور آخر مخالف قد يمنح لخصومه الحقيقيين في اليمين المتطرف فرصة ثمينة لتعزيز مركزهم الإنتخابي بالعزف على أوتار النعرات الشوفينية ضد المهاجرين ، حيث أن الخطاب السياسي لحزب فوكس مؤسس على المغريبوفوبيا بشكل باطولوجي واضح في معاداته للمغرب وللمهاجرين المغاربة تحديدا .

ويضم حزب فوكس بين صفوفه جنودا متقاعدين من عهد فرانكو الاستعماري الذي يحتكم إلى نزعات امبريالية بئيسة و محرضة لأطروحة الفهم الفرانكاوي للجوار ، وآخر تصريحاته هو تشبيهه لما يقع في ثغر سبتة بمسيرة خضراء ثانية لتحريرها ، و هو في نظري ما يفضح عقدة التاريخ و علة الجغرافيا لدى هذا الفاعل السياسي .

و يبدو أن رهان الأحزاب المغربية بمنطق الخلف مطالب أن يستثمر اللحظة الحاصلة اسبانيا قصد تنويع مداخل الصراع من لدن المغرب لمزيد من خلخلة المسلمات والبديهيات لدى اسبانيا . فالحزب الشعبي وبعد سبر التاريخ أكثر تشددا وتطرفا وبراكماتية في اطار تدبير علاقة اسبانيا مع المغرب من الحزب الاشتراكي الحاكم حاليا الذي لا يكشر عن أنيابه علنا ضد مصالح المغرب عموما .

إذ في عهدة حكومة الحزب الشعبي الإسباني برئاسة خوسي ازنار تم اجتياح جزيرة ليلى واعتقال افراد القوات المغربية وتسليمهم للمغرب عبر نفس بوابة سبتة، وتزامن ذلك مع الاحتفال بزواج الملك في سياق كشف بوضوح عن احساس اسباني بالعجرفة التي انتجت قرارات فاقدة للشرعية باستعمال القوة، و غياب الحس الدبلوماسي السليم كما تضمنه قواعد القانون الدولي و مقتضيات النظام الأساسي للأمم المتحدة .

ولم تدرك اسبانيا أن المغرب لم يعد قادرا على البقاء أسير وسجين السياسة التقليدية في تدبير ملفات من صميم أمنه القومي ، لذلك انتقل إلى اعتماد سياسة ندية تعتمد التنافس الاقتصادي و تفكيك جمود التبعية المتجاوزة و نظيمة الستاتيكو والجمود، عبر خطة تنموية تعتمد المشاريع الاستراتيجية العملاقة بجوار اسبانيا على الشريط المتوسطي.

ومن هذه المشاريع التي تشتكي منها اسبانيا وتعتبرها تخنق مدينتي مليلية وسبتة؛ منها ميناء بني انصار بالناظور المحادي لمليلية ومطار زغنغان بالناضور ، وميناء طنجة المتوسطي ومطار طنجة و القطار السريع وطرق السيار ، والاعتماد على السياحة الداخلية في مدن الشمال.ويندوج كل ذلك ضمن أدوات الهجوم الدبلوماسي الذي حسم مع منطق ردود الفعل التقليدية التي استنزفت طاقة المغرب طيلة عقود من الصمود .

و بالتعنت الممنهج ستخسر سبانيا المغرب كحليف استراتيجي لها بعدما ظهر له جليا وتأكد له بالدليل أنها تناور ضد وحدته الترابية علنا برفض الاعلان الأمريكي بمغربية كل الصحراء و بنهج سياسة المكاييل، وسرا بايوائها ابراهيم غالي بهوية مزورة في فضح علني ، حتى يفلت من العقاب ومن العدالة الاسبانية التي تلاحقه و هو ما أوقع الدولة الاسبانية في خطإ جسيم .

و بمنطق القانون و العرف الدوليين من حق المغرب اظهار ما يملكه من أوراق عديدة وملفات متنوعة في إطار سياسة الجوار مع اسبانيا دفاعا عن مصالحه العليا ، و منها الهجرة كمدخل لتدبير التنافس إن لم نقل الصراع .

ذلك أن المغرب منخرط مع اسبانيا في اطار نظام تعاقدي تعاوني برضاه واختياره لتدبير المشكلات في اطار ثنائي وفي اطار متعدد الأطراف مع الاتحاد الأوروبي ككثلة تفاوضية قوية ، وكان حري به اعلان تحلله من هذه الاتفاقيات ومن التزاماته بمقتضاها احتجاجا على الأسباب التي يستعملها الآن او حتى بالأسباب التي يقدرها غير بريئة فذلك من صميم قراره السيادي غير القابل للمساومة .

و قد يبدو أن مبدأ المعاملة بالمثل لا يفرض على المغرب أي طريقة للتصرف مع اسبانيا ، وليس محتاجا أن يعلن صراحة فسخه لتلك الاتفاقيات الخاضعة بمنطق مفراسي متجاوز ، ومع ذلك فإن ما وقع يضع كل مجهودات المغرب في ميدان الهجرة في مرمى الشك والريبة رغم أن الواقع يصحح قاعدة نمطية لدى جيرانه غير المقدرين لدور المغرب في حماية الخوض المتوسطي من كل الإنفلاتات التي تأتي من الإرهاب و المخدرات و الهجرة .

وقد ظهر أن المغرب حريص ومتشدد وحازم ، ولا يبالي ولا يكترث لصورة ما يجري، فاهتمامه منصب أكثر على الخلفية الأسمى المتحكمة في ردة فعله دفاعا عن حقوقه المشروعة في وحدته الترابية ، عبر تفنيد واعدام أي زعم أو ادعاء لشرعية اسبانيا للتدخل في ملف نزاع الصحراء باعتبارها قوة استعمارية قديمة للاقليم ، ولازالت وثائق الأمم المتحدة تعتبرها كذلك رغم اتفاقية مدريد عام 1975 ، وقضاؤها مازال يعتبر الإقليم عمالة اسبانية يسري فيها قانونها الجنائي .

ان الصورة – ورغم حقوق الاستعمال غير الأخلاقي المسموح به في الساسة- تخدش الشعور الانساني، وتعطي الانطباع أن الأمر مقصود ومخطط له، وتسيء لصورة المغرب كبلد افريقي استضاف مؤتمرا أمميا بمراكش ، و أسفر عن توقيع اتفاق دولي يعطي الأولوية لحقوق المهاجر في اطار هجرة نظامية وفي اطار تدبير العلاقة بين الأطراف المتدخلة بين دول الاستقبال والعبور والمصدر .

و أول درس يستنتج مما يحصل بالفنديق و غيره أن المغرب أظهر جزء من ما يملك من مداخل كثيرة لتدبير التنافس و الصراع ضد كل من يمس بمصالحه القومية، وهو لن يتوان في استعمال ما لديه دفاعا عن وحدته الترابية، التي تبقى أولوية الأولويات وفوق كل اعتبار .

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

اسماعيل هنية بين فلسطين والصحراء المغربية

وجهة نظر

شكرا جلالة الملك.. المغرب يعتني أكثر بقضايا الهجرة والمهاجرين

وجهة نظر

رجاء الشرقاوي المورسلي: اعتراف عالمي و طموح لبحث علمي دون كوابح

تابعنا على