نوابغ مغربية مجتمع

نوابغ مغربية: بن زَيْدَان.. عالِمٌ من بيتِ المُلك حَما الذّاكرة التاريخية وسَما بالشخصية الثقافية المغربية

14 يوليو 2021 - 20:00

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة 38: عبد الرحمن بن زَيْـدَان.. عالِمٌ من بيتِ الـمُلك حَما الذّاكرة التاريخية وسَما بالشخصية الثقافية المغربية

بسم الله الرحمن الرحيم

يَرجِع بِأصُوله مِن جهة والده إلى السلطان القوي إسماعيل العلوي، ومن جهة أمه إلى السلطان محمد بن عبد الرحمن العلوي، فوالده حَفيدٌ للابن الأكبر للسلطان إسماعيل، أيْ زيدان، وأمه حفيدة السلطان محمد الرابع، فهو ابن الأسرة العلوية، المولود بمكناسة الزيتون سنة 1878، والناشئ بين أحضان الأميرات والأمراء، والمتلقّي لأصول التربية الأميرية في قصور سلاطينها، والناهل من تراث المغرب الأقصى، تعليماً وتثقيفاً ومُشافهةً. 

بَعد مرحلة التعليم والتَّـزوُّد بالمعارف الأساس في مكناس؛ انتقل عبد الرحمن إلى فاس، للدراسة بالقرويين، وفي بِضع سنين؛ أجازه كبار علماء الوقت آنذاك، الشيخ محمد بن جعفر الكتاني، والأديب أحمد البلغيثي، والفقيه أحمد الزكاري وغيرهم. 

سنةً واحد قبل عَزل السلطان عبد العزيز بن الحسن؛ سيغادِر الطالب النجيب ابن زيدان فاس عائداً إلى مكناس، مشحوناً بأجواء مَطالِب الإصلاح ومشاريع الدساتير وخطاب المثقّـفين الوطنيين الأوائل، جنباً إلى جنب، مع التكوين الشرعي والعلمي المتين من القرويين. 

ورغم قربه مِن دار الـمُلك، نَسباً ومولدا واستقراراً؛ إلا أنّ المكانة الأميرية والصِّلةَ بِدوائر الحكم في المغرب العلوي لم تُغْره، فآثَـر الاهتمام بالعلم، جَمْعاً للكنانيش، وتكويناً للمكتبة الشخصية، وتراسُلاً مع العلماء والسّادة الأدباء والفقهاء، وبَحْثا عن نوادِر المخطوطات، وعنايةً بالوثائق السلطانية وما حَوَتْه دار المخزن مِن مراجع ومصادر وعهود ومواثيق. وكلما توطّدت علاقته بعالم المعرفة ابتعد عن عالم السياسة أشباراً، وضاعَف من الاهتمام بكل ما له صِلة بحقل التّاريخ، وأساساً تاريخ المغرب الأقصى. 

ولما عزَم على خوض تجربة الرحلة إلى الحج؛ رافَقَتْه هواية جَمْع المصنّفات والسِّجِلات والكتب في رحلته التي قام بها إلى الحجاز، فكانَ حاجّاً وطالبَ علم في آنٍ، وفي عودته عن طريق إلى مصر، لبث مَلِيًا للتّتلمذ على بعض المشايخ ومُحاورتهم في قضايا علمية وشرعية، ثم عَرجَ على القيروان العالمة وتونس العاصمة، وعاد إلى البلاد.

وما إنْ ناهز ابن زيدان الأربعين حتى امتلأ عِلما، وخبَّر الحياة الثقافية ووعَى مسارات الفكر والمجتمع والعلوم في الشّمال الإفريقي والمغرب، مع نصيبٍ من السياسة والثقافة السلطانية، حتى أسَّس مكتبةً ضخمة ضمَّت نفائس ما اقتناه واستعاره وجَمعه وحرّره. ووضع لها فِهرساً قال عنه المؤرِّخون إنّه حوى أربعة آلاف عنوان. 

ونظرا لتقديره الكبير لمكتبته الأثيرة، اختار لها حيّزاً في قصر عريق بَناه السلطان إسماعيل العلوي بمدينة مكناس، وجَعَلها “رهْن إشارة الباحثين، سواء من داخل المغرب أو من خارجه، مغاربة كانوا أو أجانب، مسلمين أو غيرهم، بحيث تَظَلّ طول النهار مُدّة إقامة صاحِبها في مكناس مفتوحة في وجه الزّائرين”، حسب تعبير الباحث محمد العرائشي في مقالٍ له منشور بمجلة دعوة الحق سنة 1996. ومِن لطيف ما يَذكُره الباحثون والتراجمة أنّ الأمير ابن زيدان خصَّص دِفتراً للارتسامات، والاقتراحات، يُدوِّن فيه الزوار والباحثون انطباعاتهم بعد زيارة المكتبة والاستفادة من محتوياتها. وكان ممن وضعوا إمضاءهم وارتسامهم في الدفتر؛ السلطان محمد الخامس رحمه الله، وكثير من العلماء والفقهاء من مصر وتونس وفلسطين والحجاز والمغرب، من بينهم شيخُ الإسلام محمد بالعربي العلوي الذي خطَّ بخط يده ارتسامه في الدفتر الذهبي واصفا خزانة المولى ابن زيدان: “..مما يلفْتُ النّظر (..) أنّها دائما تتَرَقّى في أوْجِ الكمال، فكأنّها الكعبة تأوي إليها أفئدة مهمات التآليف، وتَحُجُّها فَطاحل العلماء، رِجالاً ورُكبانا”، فيما عَبَّرَ الشّيخ الحسن بن عمر مزور، أحد رؤساء المجلس العلمي لجامعة القرويين، المتوفى سنة 1901 واصفاً خزانة الأمير بعد زيارته لها “وجَدْتها عَديمة النّظير، ذات نِظام بديع”. وأطْراها الشّاعر الطّاهر التّـنمزرتي السُّوسي بأبياتٍ شعرية، منها قوله: 

ومكتبةٍ يَحارُ الفِكر فيها * حـوَت ما ليسَ يَخطُرُ على فؤادِ

غرائبُ فِكْرٍ في خُطوطٍ * مُعَنَّقةٍ بِـتِبْرٍ أو مِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدادِ

وعنها أيْضا كَتَب الأديب والسِّياسي والوزير محمد باحنيني (المتوفى سنة 1989): “رأيتُ في هذه المكتبة العامرة من النّفائس والتُّحَفِ ما بَهَرَني، وزادني يقيناً بما لأمّتِنا في مَظْهَرَيْها الشَّرقي والغربي من العَظَمة والرِّقة والأناقة..”

وبعد أعوام؛ قَرَّر الحسن الثاني (1929-1999) شِراء المكتبة مِن ورثة المؤرِّخ عبد الرحمن بن زيدان، وأَلْحَقها بالخزانة الحسنية في القصر الملكي بالرِّباط، مُفْرَدةً بجناحٍ خاص.

لقد كان ابن زيدان على قدْرٍ عالٍ من الموسوعية في العلم، والدِّراية بتاريخ المغرب الأقصى ودُوَلِهِ وملوكه وأحداثه العِظام وتفاصيل مُشكلاته الداخلية والخارجية، كما كان ذا إمكانات عظيمة في الحِفظ والتّقييد والمعرفة بتراجم الرجال. فالناظر في أجزاءِ كتابه الشهير “إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضِرةِ مكناس”، سيقِف على تَرجماتٍ وافية وغير مسبوقة أنجزَها عن علماء ومشايخ ومتصوّفة وفقهاء ورجال الأدب والسياسة في العصر العلوي، إلى جانِب كتابته عن سِيَر سلاطين الدولة العلوية وُصولاً إلى محمد الخامس رحمه الله، وإطلاع الأجيال على تاريخ مكناس منذ القديم إلى القرن العشرين باعتبارها “عاصمة فَخر الأجداد الكرام، وواسطة عِقد الملوك العظام”، وفصولا طِوالاً وصَفها الجنرال ليوطي في رسالة خاصة إلى المؤلِّف بـأنها “العديمة النظير”، وجاء في أجزائه الخمسة بــ”فوائد هي أعَزّ ما يُطلَب، ووثائق تَكشِف عن كثيرٍ من الأسرار الـمَـكتومة، وتَراجم هي لُبّ التاريخ وحِلْيَته (..) فأحيا به الله مَواتاً ونَشَر بإبرازِهِ رُفاةً” بتعبير الدكتور عبد الكريم بن الحسني. وقد ذاعت مكانةُ الأميرِ العلمية وشهرة مكتبته العامِرة بين الخاصة والعامة، وتَسامع عنه وعنها الـجِلَّة مِن العلماء وأقطاب المعرفة في العالمين العربي والإسلامي، ووصفوه بــ”عالِم الشُّرفاء وشريف العلماء”، و”الشّريف العلّامة الدَّرَّاكة الفهّامة، حامل لواء الأدب” على حدّ تعبير الشيخ الطائع بن الحاج السُّلَمي.

في مرحلة الاستعمار الأجنبي للمغرب؛ حافظ عبد الرحمن بن زَيْدان على مكانته كسليل الأسرة الحاكمة، ورُقِّيَ في مناصب علمية وسياسية، أهمّها؛ تعيينه مُديراً علميا للأكاديمية العسكرية في مكناس المعروفة بمدرسة الدار البيضاء، من قِبل الإقامة العامة الفرنسية. وبقيَ منزله مفتوحا عامراً بجلسات السَّمر العِلمي والفكري مع عِلية القوم وعلماء فاس ومكناس، والمستشرقين والباحثين الأجانب إلى أنْ قبضه الله إليه.  

إنّ ما يميز سيرة هذا النابغة _ زيادةً على عنايته الكبيرة بالتراث والتاريخ والمخطوطات، ومجالسته للعلماء والأدباء _؛ انخراطه الفردي الجادّ في التّدوين والكتابة عن تاريخ المغرب، وتحصين الذاكرة الجماعية للمغاربة والدفاع عن الشّخصية الثقافية للكيان المغربي في وقتٍ كانت تَعيش فيه الدّولة والأسرة الحاكمة مرحلة حاسمة من عمرها وتاريخها، فأتى بأجْمل وأهَمّ ما أضْحى اليوم مَصدرا ومرجعا لا غنى للمؤرخين والباحثين عنه:

* موسوعته الأثيرة “إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس”؛
* كتابه الثَـرّ في التاريخ السياسي للمغرب “العِـزّ والصّولة في معالِم نُظُم الدولة” في جُزئين، وهو من مَطبوعات القصر الملكي؛
* وكذا كتابه “الدُّرَر الفاخرة بمآثِر الملوك العلويين بفاس الزّاهرة” الذي أهداه للسلطان محمد الخامس عند صدور أوّل طبعة منه سنة 1937.

إلى جانب تفرُّغه للكتابة في مجال تاريخ الأفكار والمعارف، فجاء بكتابه المفيد “النّهضة العلمية في عهد الّدولة العلوية”، وشغفه بالشّعر ورُوَّادِه، حيث ترك لنا مُصنَّفَه الشّعري “قُوتُ الأرواح في مَديح زَين الـمِلاح” الذي ما يزال _حسْبَما ذَكر المختصّون_ مخطوطاً بالخزانة الحسنية في الرباط تحت رقم 12386، إضافةً إلى تأليفٍ شِعْرِيٍّ آخر خصّصه للمديح النّبوي. وكان دائمَ المشاركة بقصائد شعرية في جريدة السّعادة المشهورة. 

لم تقتصر هذه الحيوية التأليفية على مجالات التاريخ والشِّعر والسِّيَر؛ وإنما تعدّاها الأميرُ إلى الاهتمام والكتابة في أدب الرّحلة، فكتبَ تُحفته الـمُسَمّاة “الـعُقود الزُّبرجدية في الرحلة السلطانية المحمدية”، ويَقصد بها رحلة السلطان محمد بن يوسف إلى الجنوب المغربي سنة 1941.

واهتم أيضاً بالمجال الدّبلوماسي للمغرب، وعلاقاته الدولية، وتَفَرَّغَ للكتابة في ذلك زَمنا طويلا، فتَوَّجَ جهده بإصداره الموسوم بعنوان “العلائق السياسية بين الدولة المغربية والدول الأجنبية” في ثلاثة أجزاء، وقد أحصى له التراجمة والمؤرّخون سبعة وعشرين مؤلَّفا كَــتَبَه طيلة حياته العامرة. 

إنّنا بإزاء هذا الإرث الجليل من الأعمال المصدرية الثّرة، أمام شخصية نَشِطَت هِـمَّـتُـها لأداء مهمة حماية الذاكرة التاريخية كوسيلة للدفاع عن الشّخصية الثقافية من خلال ملوك الدولة التي ينتمي إليها، والشّعب الذي هو منه وإليه، والوطن الذي أحَبّه وتَعلَّق بأمجاده وأكْبَــرَ تاريــخَهُ الحضاري. وسَمَا غَرَضُها في إبراز تاريخ الدّولة العلوية، مسكوناً في سبيل ذلك بهاجِس صَدّ مساعي الطّمس الاستعماري لأدوارها وتاريخها، ووفاءً لنَسبه الأميري وعائلته، وتعبيراً عن شَغفه بالعلم وفنّ التاريخ ومجال التراجِم وإعادة إحياء سيرة كبار العلماء والسادة الأعيان والسلاطين والشعراء، ناشِداً “إظهار الأمجاد والـمَفاخر” على حد تعبير المؤرخ أحمد التوفيق في كتابه الصادر سنة 2019 “في تاريخ المغرب”. 

وبَعد عْمر عامر بالنفع والعلم والتواضع وخدمة البلاد؛ وافتِ الـمنية الأميرَ العالِمَ عبدَ الرحمن بن زَيدان يوم 16 نونبر 1946، وشُيِّع إلى مثواه الأخير، فجزاه الله خيرا. 

* إعداد: عـدنان بـن صالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مجتمع

رغم الحرارة المفرطة.. مواطنون يفضلون التنزه بالغابة عوض الشواطئ (فيديو)

مجتمع

سياسي إيطالي يصفّي مغربيا بالرصاص .. وأفراد الجالية يحتجون للمطالبة بالقصاص

منع التنقل مجتمع

مواطنون ملقّحون يشتكون تأدية غرامة حظر التنقل .. ومنظمة حقوقية توضح

تابعنا على