وجهة نظر

 الصحراء مثل الحقيقة لا تقبل التفاوض حولها

09 نوفمبر 2021 - 00:14

خطاب ملكي بمناسبة الذكرى 46 للمسيرة الخضراء، كان قويا و عميقا رغم قصره.

الخطاب الملكي ان حاسما معلنا ان الصحراء مغربية و ان الحقيقة لا يمكن تزويرها ، مؤكدا ان تخليد هذه المناسبة المجيدة، في سياق مطبوع بالعديد من المكاسب والتحديات.

وان  الدينامية الإيجابية، التي تعرفها قضيتنا الوطنية، لا يمكن توقيفها.

كما اكد جلالة الملك إن مغربية الصحراء حقيقة ثابتة، لا نقاش فيها، بحكم التاريخ والشرعية، وبإرادة قوية لأبنائها، واعتراف دولي واسع ، لاسيما بعد الإنجاز الباهر التي حققته القوات المسلحة في 13 نونبر 2020، بتأمين حرية تنقل الأشخاص والبضائع، بمعبر الكركرات،بين المغرب وموريتانيا الشقيقة.

كما تطرق الملك الى الموقف الادارة الامريكية ، التي اعترفت بالسيادة الكاملة للمغرب على صحرائه ، اضافة الى ان افتتاح أكثر من 24 دولة، قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، يؤكد الدعم الواسع، الذي يحظى به الموقف المغربي، لا سيما في محيطنا العربي والإفريقي.

إن المغرب لا يتفاوض على صحرائه. ومغربية الصحراء لم تكن يوما ، ولن تكون أبدا مطروحة فوق طاولة المفاوضات و انما التفاوض من أجل إيجاد حل سلمي ، لهذا النزاع الإقليمي المفتعل.

الخطاب الملكي كشف عن مسارات التنمية التي تشهدها أقاليمنا الجنوبية.فهي تعرف نهضة تنموية شاملة ، من بنيات تحتية ، ومشاريع اقتصادية واجتماعية. و انه وبفضل هذه المشاريع ، أصبحت جهات الصحراء ، فضاء مفتوحا للتنمية والاستثمار ، الوطني والأجنبي.

إن قضية الصحراء هي جوهر الوحدة الوطنية للمملكة حسي الخطاب الملكي . و انها قضية كل المغاربة.

الاحتفال بالمسيرة الخضراء ليس احتفالا بحدث عادي ، وإنما بحدث اذهل العالم ، تحرير الارض و استرجاعها ون قطر دم واحدة .

الخطاب الملكي كان خطاب استمرارية ان مسلسل المسيرة الخضراء مازال مستمرا ، لان تحرير الأرض لا يعني شيئا اذا لم يكن هناك رعاية واهتمام بالإنسان و توفير شروط الحياة الامنة والكريمة ، خطاب الذكرى 46 كشف ان قضية الصحراء مثل الحقيقة لا تحمل الا وجها واحدا ، و ان الصحراء مغربية و لا تفاوض حولها وإنما التفاوض حول حل سلمي لهذه الأزمة المفتعلة .

و ان اهم مداخل الحل يكون عبر التنمية و الديموقراطية ، وهو ما نلمسه بوضوح من خلال  البنيات التحتية ، حيث أصبح الصحراء منخرطة في الزمن المغربي بكل تفاصيله ، و بكل بساطة قد تتناول فطورك في الرباط و ووجبة الغذاء بالصحراء .

و لان المناسبة شرط ، و الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء يكون باستعادة الحدث و استعادة دلالاته ، سيكون من المفيد اعادة قراءة في حدث المسيرة الخضراء كحدث ملهم .

حسب المفكر المغربي عبد الله العروي “المسيرة الخضراء لم تكن فقط حدثا سياسيا، كانت شيئا آخر. ماذا إذن؟ ليس سهلا إيجاد الوصف المناسب…» .بلاشك العروي على حق حين أصيب بحالة من عدم القدرة على الإمساك بطبيعة المفهوم / الحدث الاستثنائي في طبيعته ونتائجه .

التوقف عند دلالة موقف المفكر المغربي عبدالله العروي لا يعني تبرير عدم التفكير في الموضوع ، ورفع اليد استنادا ان مفكرا من قيمة العروي اعلن صعوبة الاحاطة والامساك بالمفهوم ، نظرا لكثافة دلالات الحدث و تعقيداته، لدرجة ان ممثل اسبانيا بمجلس الأمن -والذي انعقد خصيصا للحدث بدعوة من الاتحاد السوفياتي للبحث في آليات لإيقاف الحدث او على الأقل تأخيره – صرح ان ما يقوم به المغرب نوع من الجنون .

بلا شك هو جنون مغربي بمثابة ابداع ، ان تحرر أرضا بدون قطرة دم فتلك معادلة استثنائية ، تحقيقها امر في غاية التعقيد وعنوان الصعوبة ان تحافظ على الأرض والإنسان معا ، وتكلفة تحرير أرض دون ان تضحي بمواطن واحد ا وان تسيل قطرة دم واحدة فالمسيرة الخضراء كانت دفاعا عن الأرض والإنسان معا .

وان كان 350 ألف مغربي ومغربية قد تطوعوا و اختاروا الموت حبا وطواعية لتمنح لهم الحياة والاستقلال .

التوقف عن الحدث دون ادعاء الإحاطة به هو تأمل الشخصي في موضوع كان حدثا ومايزال خارطة طريق لترسيخ ثقافة اللاعنف كقوة و كأسلوب لتدبير النزاعات في زمن ملئ بالدماء ، او لنقل اصبحت السياسة تكتب بالدماء ، فالحاجة الى استعادة رمزية المسيرة الخضراء ليس كحدث وطني فقط ولكن كحدث عالمي يذكرنا بسلمية غاندي من حرر الهند ان تطلق رصاصة واحدة ، والرصاصة التي اطلقت قتلته من هندوسي متعصب ؟

المسيرة الخضراء رسخت درسا ورؤية لطريقة ادارة الصراعات والتعامل مع الأزمات الدولية من حيث اعتماد سلاح اللاعنف، / أي تغليب الحلول السلمية لاسترجاع الحقوق وصيانتها، وهو ما يذكرنا بفلسفة غاندي كفلسفة تؤسس لمنطق الحوار والسلم ونبذ العنف، يمكن استحضار في هذا السياق مسيرة الملح التي قطع فيها غاندي مئات الكيلومترات مشيًا على الأقدام مئات ، مستنفرًا الفلاحين للعصيان المدني، فيما عُرِفَ بـ”مسيرة الملح”؛ وهو ما أدى لاحقًا إلى اعتقال غاندي، واعتُقِلَ معه الآلاف من أبناء الشعب الهندي، حتى فاضت السجون، ثم أُطلِقَ سراحُهم جميعًا.

غاندي كان يردد دائما ‘ أنا مستعد ان أقتل ‘أي يموت ‘في سبيل قضيتي ولكن لن اقتل احدا من أجل قضيتي ، معتبرا ان الانتصار و الفوز بالمعركة لا يكون بقتل الخصم ولكن بقتل الرغبة في القتل لدى النفس ، وهو ما يؤكد ان الحرب الكبيرة والمهمة هي حرب لبناء الانسان، وان السلم طاقة للتحرير وليس للهدم والفناء ، فالحروب هي لغة العاجز والحاقد والخائف على مصالحه ، وهي المناسبة الوحيدة التي يسمح فيها المستبدون والطغاة للشعوب بالمشاركة فيها حسب قولة الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون .

إنها فلسفة السلم واللاعنف باعتبارها الحل الانجح في التخلص من العنف والشر الإنساني. فالهدف من سياسة اللاعنف في رأي غاندي هي إبراز ظلم المحتل من جهة وتأليب الرأي العام على هذا الظلم من جهة ثانية ، تمهيدا للقضاء عليه كلية أو على الأقل حصره والحيلولة دون تفشيه، لان المعتدي لا يستطيع ان يحافظ على ما سلبه بالقوة إلا باستعمال القوة ، مما يبين ان المحتل لا يكون ابدا مسالما لانه غير قادر على فعل ذلك .

هذا هو الدرس المستوحى من حدث المسيرة الخضراء ، الطرف الإسباني المحتل اعتبر المسيرة الخضراء جنونا واعلان حرب حرب رغم أنها مسيرة سلمية حيت رجال ونساء لا يحملون بنادق ولا قنابل, و انما يحملون  قرآنا علما وطنيا.

السلم قوة ,  ان المجد لا تصنعه فقط المدافع ، وإنما قد يصنع المجد دون تدمير، انها فلسفة المسيرة الخضراء حين كان السلم قوة وبناء ومنهجا سياسيا لتدبير أزمة سياسية وتحرير ارض بالحفاض على الانسان والذي أريد له ان ينخرط في معركة اكبر واهم انها معركة التنمية و بناء المغرب الديمقراطي والحداثي   .

فإذا كانت الحروب تصنع اللصوص فإن الإسلام يقتلهم المسيرة الخضراء لهذا السبب مازال جنرالات الدم والخراب بالجزائر يرفضون و يعاندون ، لسبب بسيط انهم تجار ولصوص الأزمات ؟

غير ان تحقيق السلم والسلام ونبذ الحرب يبقى الأقرب الى الحلم منه الى الواقع، فليست درجة القرب من هذه القيم النبيلة هو ما يجلب السلم، بل إن هذه القيم عندما تغادر دائرة المجال الفلسفي إلى دائرة المجال السياسي فإنها هي التي تخلق الحروب، فكم حرباً دمرت الإنسان باسم الديمقراطية؟ وكم حرب شنت دفاعا عن الحرية ؟ وكم حرب دمرت شعوبا باسم نشر الفضيلة والعدالة ؟؟ والمغرب نهبت خيراته باسم الحماية والمساعدة على بناء دولة؟

قد نتفق مع أسس فلسفة ما بعد الحداثة ان فكرة السلام الدائم فكرةً لاهوتية في عمقها، باعتبار أن الأديان هي التي علمت الإنسان كيف يكون مسالماً مع ذاته ومع الآخرين ، وأن الدفاع عن السلم والرحمة والإخاء هو دفاع عن الانحطاط والتخلف وعن الضعف على تعبير فردريك نيتشه حين اعتبر ان الأخلاق لغة وأسلوب حياة العبيد ,وأما السادة فلا يعرفون غير لغة القوة ، وأن الحرب هي أم كل الأشياء الجميلة كما قال يوما حكيم أتينا هرقليطس لكن اجمل ما في القيم هو الإيمان بها وإن كان تحقيقها يبقى حلما وشعارا

فالحرب تبقى جميلة وطيبة فقط بالنسبة لاولئك الذين لا يخوضونها ، وانما يتفرجون على ضحاياها أو من يستثمرون فيها ، للحرب تجار و صناع يربحون منها ، و ايقاف الحرب معناه كساد تجارة ، لهذه الأسباب رفضت قوى الشر المسيرة الخضراء ، واعتبرها البعض جنونا واعتبرها آخرون تهورا ، لكن ماوقع أعاد لفلسفة غاندي حيويتها و قيمتها الانسانية ان السلم اقوى سلاح وان الحرب آفة الدول ومقبرة العدالة. وإن في قرقعة السلاح تصمت الشرائع و تنتهك القيم .

ان خيار المسيرة الخضراء هو خيار العقل والعقلانية ، ولذلك لانها رؤية تتأسس على استبعاد العنف وكل أشكال الخيارات اللاعقلانية وفي تقديم خيار العقل ضد العنف، ولاسيما في عالم يقدم فيه الآخرون خيار العنف على العقل ، فاغلب الكتابات الفلسفية والسوسيولوجية تشكك في امكانية توقف الحرب ، وان هناك من اعتبر ان توقف الحرب مشروط بعودة الموتى لكن درس المسيرة الخضراء حرر الارض لانه حافظ على الإنسان .

في هذا السياق نستحضر موقف حكام الجزائر و ممثلو قيادة البوليزاريو المنغلق و المتشنج الذي لايؤمن بالحوار وقيم الحرية والسلم ، ليس لأنه اختار الحرب كقرار لكنه عجز على ممارسة السلم وتبني ثقافة السلام ، والمسيرة الخضراء ليست اعلان عن عجز عن استعمال السلاح لكنه القدرة على التحكم فيه ، وحكام الجزائر و من ورائهم جنرالاتها يعرفون قوة وبطش الجيش المغربي و حرب الرمال و معركة اغبالا شاهد اثبات .

وان وراء 350 ألف مغربي ومغربي يقف جيش بطاش ان سالت قطرة دم واحدة كان سيكون للمسيرة وجه آخر للبطولة المغربية .
العقيدة الجزائرية مبنية على الانغلاق والقتل بدليل أنهم قتلوا أكثر من 140 جزائري ليس لتحرير الجزائر،ولكن للحفاظ على الكراسي والامتيازات وان قرار الحرب وهو قرار من يخاف على مصالحه .

القرار المغربي سواء في المسيرة الخضراء، وفي أسس الحكم الذاتي المقدم من المملكة المغربية يؤمن بالحوار والتفاهم ، على قاعدة لا غالب ولا مغلوب ، لأن المنتصر في الأخير هو انتصار للإنسان المغربي في اطار يضمن له الكرامة والحرية والتنمية ، لذا كان درس المسيرة الخضراء هو الخيار العقلاني المضاد للعنف والحرب -مع امكانية والقدرة على استعمالها- لكن اختيار السلم مع القدرة على ممارسة العنف هو اختيار الشجعان لأن الفلسفة العقلانية علمت الانسان كيف يكون عاقلا أي متغلبا على عنفه.

درس المسيرة الخضراء منح للجميع شهادة بابداع مغربي ملكا وشعبا وان السلم قوة وأن الحفاظ على الانسان والارض معا معا هي استثناء مغربي يذكرنا بنضالات غاندي وفلسفته وشجاعته ، أما من يعادي السلم فهو يعادي الإنسان .

*الفرفار العياشي نائب برلماني و استاذ علم الاجتماع     

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

جذاذة عن الخطاب الديني بالمغرب في السياق الجديد: تجليات وترشيد وتجديد

وجهة نظر

هل انطلق عداد مكافحة الفساد؟!

وجهة نظر

الصِّنارة الفرنسية تصطاد في السعودية

تابعنا على