وجهة نظر

المعذبون في الأرض.. في أفق إنشاء “صندوق الكرامة”

تجدهم في كل الأماكن، يفترشون الأرض ويلتحفون العراء، يقتاتون من القمامة إذا لم تجد عليهم أيادي المارة بدراهم تضمن لهم وجبات بئيسة، يرتدون ملابس رثة متسخة لا تحفظ بعضا من كرامتهم الآدمية، أما أن تقيهم من قسوة البرد فذلك من المحال. كل واحد منهم يختزل قصة مأساوية تهتز لآلامها الجبال، جلهم من أبناء الوطن، وقلة منهم شاءت الأقدار أن تنتهي بهم رحلات البحث عن الخلاص انطلاقا من دول الجنوب، إلى المجهول. منهم من قادتهم الصدمات الاجتماعية والأزمات الإقتصادية إلى دوامة الإدمان، و من تعمقت أمراضهم النفسية مع تراكم اليأس والفشل.

بعضهم أو الكثير منهم، كان له دور ما في وقت ما في تنمية الوطن، وعدد منهم كان يشتغل في مؤسسات ومقاولات تنتج ثروات تذهب إلى جيوب أقلية سادية، ومنهم من رأى العالم لأول مرة بين أرجل مارة تبتلعهم باللامبالاة، خانتهم الظروف فصاروا فريسة تلتهمها أنياب التهميش و السخرية و التجاهل، بقساوة نادرة، ولا شك أن رياح الرأسمالية المتوحشة لعبت دورها بإتقان وبدون رحمة.

منهم نازحون اضطروا لمغادرة مناطقهم بسبب الجفاف والتغيرات المناخية و البطالة وقصر ذات اليد، وبعضهم من ضحايا بطش ذوي النفوذ، ومن هم من ذوي الاحتياجات الخاصة ممن خانتهم الطبيعة، وأطفال من مخلفات الطلاق وفشل التعليم وتوسع الفوارق الطبقية وتدني القيم.

التضامن… قيمة على المحك

إن اندثار الحس الإنساني وقيم التضامن بفعل العولمة و التوجهات النيوليبرالية للحكومات المتعاقبة، وفشل التعليم والإعلام في ترسيخ القيم النبيلة، وغياب العدالة الاجتماعية، أنتجت لنا أجيالا جديدة بعقلية نرجسية، كل واحد يعمل من أجل ذاته، مستعد للمرور فوق جثت الآخرين بلا ضمير، ليمضي إلى مجد ميكيافيلي مزيف. ربما لا تكفي الحروف والكلمات لوصف واقع في منتهى القساوة، كي تحس بمعاناتهم، اختلي بنفسك وتأمل، وانظر إن كنت قادرا على العيش لأسبوع واحد دون مكان تجلس فيه نهارا و تنام فيه ليلا، أو خزانة تحتفظ فيها بملابسك و متعلقاتك، هل يمكنك أن تتصور نفسك وأنت تقتات من القمامة، تجوب الشوارع والأزقة بدون أحذية، تقصفك نظرات الاحتقار، وحينما يرخي الليل سدوله تجد نفسك تحت رحمة سقف إسمنتي، ويأبى البرد القارس إلا أن يتحالف ضدك مع قطرات مطر أليمة تتسلل إلى جسدك المنهك. مهما كان إحساسك وعمق تأملك، فمحاكاة هذا الواقع يظل غير ممكن، ولكن بالنسبة للأشخاص الذين لا مأوى لهم، فإن الأمر يتعلق بوقائع معتادة صارت جزءا من حياتهم اليومية.

الكثيرون منا يصرخون ملأ حناجرهم كل يوم، مطالبين بتحسين أجورهم وظروف عملهم وسبل عيشهم، من يحصل على مليون يطالب بمليونين، ومن يحصل على نصف المبلغ يطالب بضعفه، ومن يربح مليارا يسعى إلى ربح الملايير، على حساب ظروف الأجراء، أو عبر اختلاس المال العام، على حساب الحس الوطني و الإنساني والتضامني، كل هذه القصص لا تهم بالنسبة للكثيرين، وما تلك الطوابير من المقصيين بالنسبة لهم سوى أوباشا لا يستحقون حتى الشفقة، أنا ومن بعدي الطوفان، قليل من قلوب الرحمة فقط تلتفت إليهم من حين لآخر، تحاول ترقيع مآسي كائنات من لحم وشحم وروح، لكن اليد الواحدة لا تصفق.

التشرد المٌقنع…

مازلنا نتحدث هنا عن مقاربة ضيقة لمفهوم التشرد، وهو بمعناه العام يشمل كل من يعيش في مسكن دون المستوى الأدنى للكرامة أو من دون ملكية آمنة، أ من هم بدون مسكن. و المشردون ثلاث فئات، من يعيش في الشوارع (حالة التشرد الرئيسة)، من يتنقل بين ملاجئ ومآوي مؤقتة كمنازل الأصدقاء والعائلة وأماكن الإقامة الطارئة (الحالة الثانية)، أو من يعيش في منازل أشبه بأكواخ غير آمنة، و بدون حمام (الحالة الثالثة ) حسب (هانسن إيزي، إيفري دانييل، ريتشاردسن جون وآخرون).

يقدر عدد المواطنين في وضعية الشارع بالمغرب بأكثر من 10 آلاف شخص، من بينهم مئات الأطفال (المعلومات الرسمية كانت تتحدث عن 4000 شخص فقط، لكن ظهر أن عدد المستفيدين من الإيواء المؤقت بسبب جائحة كورونا بلغ 6500 شخصا في حدود 10 ماي من هذه السنة)، ويتوفر المغرب على 1175 مؤسسة للرعاية الاجتماعية، منها 296 مؤسسة تقدم خدمات التكفل لـ34 ألف شخص من المشردين، هي أرقام مخادعة لا تكفي لإيواء جميع من هم في حاجة إلى ذلك، دون الحديث عن الوضعية الكارثية للكثير من هذه المراكز.

أما فئة “التشرد الخفي” ممن يتنقلون بين مساكن مؤقتة و من يعيشون في منازل غير آمنة، فتقدر بعشرات الآلاف، فجميع سكان دور الصفيح يعدون “أشخاصا في حالة تشرد”، وعددهم حسب إحصائيات رسمية لوزارة التعمير والإسكان، يقدر بأكثر من 100 ألف أسرة لا تزال تعيش في أكواخ بأحياء فقيرة في مختلف مدن المملكة (حوالي 400 ألف مواطن)، دون أن ننسى آلاف العائلات في العالم القروي لا تتوفر على سكن لائق يتوفر على أدنى شروط الأمن والنظافة والسلامة، من بينهم المئات من الرحل يقطنون كهوفا وخياما، إننا نتحدث هنا عن أكثر من مليون مغربي، في غياب قاعدة بيانات دقيقة.

إن كل هؤلاء الأشخاص ، يعانون من انعدام مكان آمن وهادئ خاص بالنوم باستمرار، أكواخ لا تضمن لهم الحفاظ على ممتلكاتهم، بدون تجهيزات خاصة بالنظافة الشخصية، و صعوبة في الحصول على الطعام وتحضيره وحفظه، وعدم القدرة على المحافظة على التواصل مع الآخرين بسبب انعدام العنوان الدائم، دون الحديث عن استحالة الولوج للخدمات التربوية والصحية بسبب غياب وثائق الهوية وغيرها، وصولا إلى زيادة فرص التعرض للعنف والاستغلال، و الرفض والتمييز من قبل المجتمع. وفي نفس الوقت يكون بعضهم مرشحا لممارسة العنف وتهديد حياة وحرية الآخرين، والاستغلال من طرف شبكات التسول و الجنس وغيرهما.

تيويزي… أو “صندوق الكرامة”

لا شك أن مؤسسة التعاون الوطني والهلال الأحمر وجمعيات مدنية، تقوم بمجهودات مهمة للتخفيف من وطأة هذه الأزمة الإنسانية ، لكن محدودية اختصاصاتها والفئات التي تستهدفها، بالإضافة إلى ضعف عرضها من البنيات التحتية والموارد البشرية واللوجستيكية، تجعلها غير قادرة على أن تشمل خدماتها كل الأشخاص في وضعية تشرد. أما الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومات كما المعارضة، فهي لا تعطي أهمية كبيرة للموضوع، لأن الأمر يتعلق بفئة لا تدر عليها أصواتا كثيرة، في ظل تحولها إلى مؤسسات انتخابية. أما لوبيات العقار فتركز فقط على مراكمة أرباح خيالية في ظل “اقتصاد سوق” متسم بالتسيب، بعد حصول الكثير منها على امتيازات وتحفيزات متنوعة، يسوقون الشقق والفيلات بأسعار على هواهم دون سقف محدد، في غياب توجيه ومراقبة صارمين من طرف الحكومات.

أول شيء يجب القيام به لوقف هذا النزيف الإنساني، هو إنجاز دراسة وإحصاء دقيقين للأشخاص في وضعية شارع، و قاطني الأكواخ، والذين لا يتوفرون على مسكن قار، مع بيانات تفصيلية تهم حالتهم الاجتماعية والنفسية والعقلية و مداخيلهم وأصولهم الجغرافية، والأسباب التي أدت بكل هؤلاء إلى هذا الوضع اللاإنساني، لتتم بعد ذلك الاستجابة لهم، كل حسب حاجياته، وفي نفس الوقت، وقف النزيف و علاج الإشكالية من جذورها.

بالنسبة للأسر الفقيرة بدون مأوى، وتلك التي تقطن بدور صفيح لا تتوفر فيها أدنى شروط الكرامة، بدون دخل كاف لتوفير حاجياتها الأساسية، بدون معيل، أو في وضعية إعاقة دائمة، فعلى الدولة إقحام الشركات العقارية في حل هذه الأزمة الإنسانية، من خلال وضع شروط أكثر صرامة وعدلا أمام المستفيدين من التحفيزات الاستثمارية، و الشركات التي تحصل على أراضي بأثمان بخسة، لتخصيص نسبة من الشقق في كل مشروع تقوم بإنجازه، لإيواء هذه الأسر الفقيرة بشكل مجاني (دون المطالبة بتسديد مبالغ ولو كانت رمزية)، فليس عدلا أن تمنح لك العقارات بدرهم رمزي أو ببضع دراهم للمتر الواحد، وتعفى من بعض الضرائب، وتراوغ للإفلات من ضرائب أخرى، لتربح الملايير، دون المساهمة في تنمية الوطن والانخراط في حل مشكلاته الاجتماعية والاقتصادية.

أما بالنسبة للأفراد الذين يعيشون متنقلين بين المدن والقرى والأزقة والشوارع، ومن بينهم نسوة وأطفال وشيوخ متخلى عنهم، دون أن يكونوا قادرين على العمل وتوفير دخل قار لهم، فهم يحتاجون إلى دور إيواء تتوفر فيها جميع الخدمات من أكل ومبيت و تثقيف وترفيه، والحل ممكن من خلال توسيع عرض المراكز الاجتماعية و مرافقها، مع توفير ورشات حرفية للتكوين المهني في أفق إعادة إدماج الأطفال والشباب في سوق الشغل، وبرامج لمحو الأمة.

أما المدمنون و المصابون بالأمراض النفسية والعقلية، الذين يعانون و يهددون أمن وأمان الآخرين في نفس الوقت، فهم في حاجة إلى مستشفيات تتوفر فيها جميع الشروط الصحية و الإنسانية، لعلاج من يمكن علاجهم، والتكفل الأبدي بمن يستحيل معهم ذلك، بالإضافة إلى إصلاح وتأهيل بنايات جاهزة مهجورة لإيواء هؤلاء المرضى المشردين، مثل مستشفى ابن صميم الذي أنشأ سنة 1948 على مساحة تقدر ب80 هكتارا، بطاقة استيعابية تتجاوز 400 سرير، يكفي ترميمه وتجهيزه بالمعدات الطبية و إصلاح الطريق المؤدية إليه، مع تشييد مؤسسات مماثلة في كل جهة من جهات المملكة، وتشغيل عدد من الأطباء والممرضين و المرافقين و غيرهم من الموارد البشرية الضرورية للتكفل بهم علاجا وأكلا ومبيتا. مع تخصيص دعم مادي لكل الأسر الفقيرة التي تتكفل بأفراد معاقين جسديا أو ذهنيا.

أما بالنسبة للمنازل الطينية بالعالم القروي، و التي لا تتوفر على أدنى شروط السلامة والصحة، بعضها أقرب إلى الكهوف، فيمكن إطلاق برنامج خاص لإصلاحها و تجهيزها بالمرافق الصحية (حمامات ومراحيض) و تبليطها دون فقدان هندستها المعمارية التي يجب الحفاظ عليها، لما لها من أدوار سياحية و ثقافية وحضارية.

بالنسبة لتمويل هذه المشاريع، أقترح إنشاء صندوق تحت اسم “صندوق تيويزي” لما لهذا الإسم من زخم ثقافي و اجتماعي وحضاري، يؤكد عدالة المجتمع المغربي عبر التاريخ وتحليه بقيم التضامن والتماسك الاجتماعي، ويمكن تسميته أيضا “صندوق الكرامة”، يتم تمويل الصندوق بعائدات الضريبة على الثروة (التي وجب سنها)، والجزء الآخر يمكن تحصيله من خلال تبرعات الشركات والمؤسسات والجمعيات والمواطنين، كل حسب استطاعته، ولاشك أن المبادرة الملكية المتعلقة بإنشاء الصندوق الخاص بتدبير جائحة كورونا، مكنتنا من تخفيف وطأتها وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، و كان سلاحنا في مواجهتها صمود ما تبقى من حس تآزري يشكل قيمة من قيم “تمغربيت”.

إن إطلاق هذا الصندوق من شأنه أن يعيد الاعتبار لقيم التضامن و التماسك المجتمعي، وحل المعضلات المتعلقة بالتشرد و العيش في كنف أكواخ تمس بكرامة الإنسان، وتفاديا لتسلل الفساد المستشري كالسرطان في الكثير من المؤسسات، والذي يعيق تقدم بلدنا على جميع الأصعدة، ويعرقل وصول الثروة لجميع أبناء الوطن، يجب وضع شروط ومعايير صارمة لاختيار من يشرف عليه، ومراقبته بدقة، والحرص على شفافية صرف الأموال في المشاريع الاجتماعية السالفة الذكر، من خلال إنشاء موقع إلكتروني تنشر فيه جميع عملياته و مشاريعه ومصاريفه و مداخيله وطلبات العروض بشكل مستمر، وإجراءات أخرى متنوعة، حتى لا نكون أمام صندوق أسود جديد يعصف بتطلعاتنا لبناء مجتمع متماسك تسود فيه العدالة الاجتماعية والكرامة، و تضيق فيه الفوارق الطبقية والمجالية.

*عمر إسرى، صحافي وفاعل سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.