وجهة نظر

حزب العدالة والتنمية بين سعد الدين العثماني وعبد الإله بنكيران

قد يبدو للبعض أن عنوان المقال يختزل حزب العدالة والتنمية في شخصيتين لهما مكانة خاصة في تاريخ الحزب، أو أنه يُشخصن الآراء المختلفة التي تسود بين أعضائه. وواقع الحال أن الأمر لا يتعلق بشخصنة الحزب، وإنما يتعلق بتوجهين طبعا فترة تحمُّل الحزب لتسيير الشأن الحكومي. فبعد الربيع العربي، ووصول الحزب لمسؤولية ترؤس الحكومة وتسيير أغلب الجماعات الكبرى، ظهر في حزب العدالة والتنمية توجهان جعلا منه حزبا يسير بتيارين لا ثالث لهما. وليس من الصدفة في شيء أن يتجسد كل تيار في مسؤول حزبي لا يخرج عن دائرة المؤسسين لتجربة البيجيدي ونقصد سعد الدين العثماني وعبد الإله بنكيران. ويأتي اهتمامنا بهذا الموضوع انطلاقا من كونه يتعلق بحزب طبع الساحة السياسية المغربية واحتل مكانة كبيرة فيها منذ تأسيسه إلى يومنا هذا. والأكثر من ذلك، استطاع الحزب أن يوسع، بشكل غير مسبوق في التاريخ السياسي المغربي، قاعدة المهتمين بالشأن السياسي التي لم تستثن حتى المواطن في القرية وفي رأس الجبل.

بعد تولي عبد الإله بنكيران الأمانة العامة للحزب ورئاسة أول حكومة في ظل دستور 2011، كان أمام الحزب تحديين اثنين: من جهة التقرب أكثر من دواليب الدولة لتيسير مهمته الحكومية، والبحث عن موقع له بالقرب من المؤسسة الملكية. فالحزب يعلم جيدا أنه سيشتغل داخل مؤسسة حكومية لا يعرف خباياها ويصعب عليه التعامل معها دون مساعدة من الدولة. ومن جهة أخرى البقاء بجانب صوت الشارع الذي يطالب بمحاربة الفساد ومواجهة الاستبداد ومكافحة الزبونية لفتح المجال أمام تكافئ الفرص والقطع مع ممارسات الماضي، خاصة وأن الانتخابات أتت مباشرة بعد تظاهرات حركة 20 فبراير. هاذان التحديان كانا وراء ظهور مقاربتين خلقتا تيارين داخل الحزب. فكيف تعاملت كل مقاربة مع هذه التحديات؟

المقاربة الأولى تزعمها عبد الإله بنكيران حين كان رئيسا للحكومة. ويمكن إجمال أهم عناصرها في النقاط التالية:

– الحفاظ على علاقات متميزة مع المؤسسة الملكية، مع الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يؤثر سلبا على هذه العلاقات. وهو ما يعكسه قول بنكيران في إحدى خرجاته “إلى بغيتو رئيس الحكومة يتخاصم مع جلالة الملك قلبوا على رئيس آخر”.

– البحث عن نقطة التوازن بين الحفاظ على علاقات متميزة مع الدولة والاستمرار في برنامج محاربة الفساد والاستبداد الذي وعد به الحزب ناخبيه في حملته الانتخابية. فالتقرب أكثر من الدولة قد يجعله يبتعد عن خطابه الانتخابي ويصير “حزب الدولة” كباقي الأحزاب التي توصف بالإدارية. والانغماس مع الشارع في شعارات محاربة الفساد وهو حزب مسؤول في الحكومة، سيبعده عن الدولة ويجعل من استمراره في الحكومة أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا. لذلك كان على الحزب التفكير مليا في موضع نقطة التوازن بين الخيارين.

– التمييز بين الاحترام الواجب للمؤسسة الملكية، والتعامل مع الدولة التي كانت لا تَسلَمُ من انتقادات رئيس الحكومة حين يكون هناك توجه للانتقاص من الحزب والنيل منه ومن رئاسة الحكومة. ويكفي أن نشير إلى حادث منع رئيس الحكومة من تنظيم تجمع حزبي، من قبل عامل الإقليم.

– الحفاظ على بقاء الحزب قريبا من المواطنين لكي لا تتآكل شعبيته جراء القرارات الحكومية. وهو ما جعل الكثير من المنابر الاعلامية تتحدث عن رئيس للحكومة يمارس مهامه من الاثنين إلى الجمعة، ويتحول إلى معارض نهاية الأسبوع.

استطاع بنكيران أن يفلح في مهمة خلق التوازن بين مطالب الشارع وإكراهات التدبير الحكومي. كما أنه استطاع أن يضع الحزب في موقع المرغوب فيه لدى المؤسسة الملكية ويحظى باحترام الدولة من جهة، والمدافع المستميث على الطبقات الشعبية وعلى مطالب المواطنين والمحارب للفساد من جهة أخرى. النجاح في خلق هذا التوازن، جعل الحزب يحافظ على شعبيته وتعاطف مناصريه وهو ما أكدته انتخابات 2015 و2016، رغم بعض القرارات التي تأثرت بها سلبا فئة عريضة من المواطنين.

بعد تولي سعد الدين العثماني الأمانة العامة للحزب ورئاسة الحكومة بعد ما يُعرف إعلاميا بفترة “البلوكاج”، نهج مقاربة أخرى مغايرة لسلفه. ويمكن اختصار هذه المقاربة في النقاط التالية:

– الحفاظ على علاقات جيدة مع المؤسسة الملكية كثابت من ثوابت الحزب مع الرهان على هذه العلاقات الجيدة لضمان موقع محترم للحزب في دوائر الدولة.

– الابتعاد عن الصراعات والصدامات ولغة المعارضة، مع امتصاص الضربات مهما كلف ذلك من ثمن.

– خطاب المهادنة والتبرير مع المواطنين، وهو ما جر عليه انتقادات كثيرة لم تلق إجابات مقنعة.

ظل الحزب تتقاطبه المقاربتان حتى انتخابات 8 شتنير التي عرفت انتكاسة كبيرة كانت وراء تصويت مناضلي البيجيدي لعودة بنكيران وطي صفحة العثماني. وتعتبر نتائج هذه الانتخابات نكسة كبيرة لمقاربة د. سعد الدين العثماني وإخفاقا في المحافظة ولو جزئيا على المكاسب التي تركها له سلفه ذ.عبد الإله بنكيران. فإذا كان هذا الأخير وجد صعوبة في الإيفاء بمشروع الحزب الإصلاحي مع اعترافه بذلك حين قال “الفساد هو من يحاربني وليس بنكيران هو من يحاربه”، فإن الرجل اجتهد كثيرا لجعل شمعة محاربة الفساد مُضيئة لدى نخبة عريضة من المواطنين، وتمكن من جعل روح مقاومة مظاهر الفساد سائدة في المجتمع ولم تتراجع، وكأننا أمام رؤية بعيدة النظر تريد أن تجعل من مقاومة الفساد مشروعا مستمرا، قد يتراجع إلى الخلف خطوة بحكم عوامل موضوعية تتوزع بين ما هو داخلي وإقليمي ودولي، لكنها رؤية يجب أن تحافظ على وَهَجِها وروحها داخل المجتمع. عكس هذا التوجه, نجد مقاربة د. العثماني لم تُفلح في الدفع قدما بخطط محاربة الفساد رغم ما يتمتع به الرجل من صدقية ونزاهة وزهد في المناصب. لكن الأمر الذي جعل الناخب المغربي ينفض من حول الحزب هو كون هذه المقاربة ساهمت في إخماد شعلة مكافحة الفساد داخل المجتمع، وتسببت في تراجع وَهَج الخطاب الإصلاحي حتى أصبح حزب العدالة والتنمية جسدا بلا روح.

حزب العدالة والتنمية في الوقت الراهن، لم يعد يتبنى لا مقاربة بنكيران ولا مقاربة العثماني بعد نتائج الانتخابات الماضية. فمقاربة العثماني أبانت عن فشل ذريع، ومقاربة بنكيران يصعب الترويج لها من جديد لأن الناخب يتحاور مع حزب تَسلَّم رئاسة الحكومة لولايتين ويحاسبه على برامجه الانتخابية. هذه المفارقة جعلت الحزب في الوقت الراهن بدون أطروحة واضحة يخرج بها نحو المواطنين.

لقد مر حزب المرحوم عبد الكريم الخطيب من ثلاثة مراحل: مرحلة أولى امتدت من تاريخ التأسيس في 1967 حتى انصهار إخوان بنكيران في الحزب. مرحلة المعارضة منذ سنة 1996 والتي تميزت بصعوده المستمر في جميع المحطات الانتخابية التي عرفتها بلادنا وتزايد شعبيته في كل استحقاق انتخابي. وكانت أطروحة هذه المرحلة قائمة على أساس محاربة الفساد والاستبداد. ثم مرحلة تسيير الشأن العام باعتماد أطروحة “النضال الديمقراطي” وهي مرحلة انتهت بتراجع مدوي في الانتخابات الأخيرة. ويمكننا القول إن حزب العدالة والتنمية يعيش الآن المرحلة الرابعة في تاريخه السياسي، وهي مرحلة لا يعرف لا المناضلون ولا النخب الحزبية معالمها الرئيسية في ظل غياب أطروحة جديدة ونظرة سياسية واضحة للوضع الراهن. فالحزب لم يعد بإمكانه الظهور للمواطنين بخطاب المعارضة كما كان يمارسها من قبل، لأنه أتيحت له فرصة التدبير الحكومي لولايتين، كما أنه لم يعد بإمكانه تبني خطاب الدولة بعد خروجه من التدبير الحكومي كنتيجة مباشرة لانتخابات 8 شتنبر. فهل سيتمكن الحزب من إبداع أطروحة جديدة للخروج من نفق الانتخابات الأخيرة؟ وهل بإمكانه طرح خطاب سياسي جديد يتلاءم مع طبيعة المرحلة ويُساير التطور التاريخي للحزب؟ إنه رهان الأمانة العامة الجديدة برئاسة  ذ. عبد الإله بنكيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.