وجهة نظر

طاحت “صمْعة” الأسود .. علّْقوا الحجام

لقد ظل المنتحب الوطني المغربي لكرة القدم ومنذ تاريخ التتويج باللقب الإفريقي الوحيد سنة 1976، ظل وفيا كل الوفاء لطقوس التواضع والإخفاق والإقصاء، سواء تعلق الأمر بالمونديال الإفريقي أو في مشاركات كأس العالم على قلتها، ويبقى الاستثناء أو الإنجاز الوحيد، هو الوصول إلى نهائي كأس إفريقيا للأمم سنة 2004 تحت إشراف الناخب الوطني بادو الزاكي، وقبل ذلك، المرور إلى الدور الثاني في منافسات كأس العالم مكسيكو 86، بفضل جيل كبير من النجوم بقيمة الحارس الدولي بادو الزاكي والساحر محمد التيمومي والمبدع الراحل عبدالمجيد الظلمي والمحارب عزيز بودربالة وآخرين، دون إغفال إنجاز المنتخب الوطني المحلي الذي تمكن من الظفر باللقب الإفريقي في مناسبتين، تحت قيادة الإطارين الوطنيين جمال السلامي والحسين عموتة.

وتعودنا كجمهور مغربي، بعد كل كبوة أو هزيمة أو إخفاق، أن تحضر عواصف الاحتجاج والغضب والجدل بكل ثقلها على المسرح الكروي الوطني، يتم الانحناء أمامها حتى تزول وترحل، تارة بالتضحية بالمدرب ككبش فداء تعلق عليه كل الخطايا والزلات، وتارة ثانية يتم الاستنجاد بخدمات مدرب جديد، يقدم كشيخ زاوية، الكل ينتظر منه البركات وإبطال “سحر” لعنة الكبوات، وبين كل هزيمة وهزيمة، يعود طير الغضب إلى وكر الهدوء والسكينة، وتعود معه حليمة التواضع إلى عادتها القديمة، في انتظار كبوة أخرى وسقوط آخر وانتكاسة أخرى تفتح شهية الجدل والاحتجاج وتسيل مداد النقد والحجاج.

واليوم وبعد السقوط المدوي في امتحان المونديال الإفريقي بالكاميرون، ها نحن مجددا، نخوض في نفس النقاشات التي باتت نمطية، ونتبارى كما ألفنا منذ عقود، في محاولة لفهم ما جرى، تارة بتحميل مسؤولية السقوط للناخب الوطني، وتارة ثانية في الطعن في القرارات التي أبعدت لاعبين موهوبين من أمثال حكيم زياش ونصير مزواري عن عرين الأسود، وراهنت على لاعبين “لا علاقة” على غرار ما تغنى به المطرب ” حسن المغربي”، وتارة ثالثة، بتصويب المدفعية الثقيلة نحو مساعد المدرب واللاعب الدولي السابق “مصطفى حجي”، وتارة رابعة بقصف رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وتحميله مسؤولية تواضع أداء الكرة المغربية، التي استعصى عليها ما يزيد عن الأربعة عقود، انتزاع كأس إفريقية ثانية، على الرغم من حجم الإمكانيات المالية المرصودة للمنتخب الوطني، باحثين كالعادة، عن كبش أو أكباش فــداء تقدم كقرابين لجماهير غاضبة ولأقلام إعلامية متمردة، في مشهد كــروي مغربي بات كالمسرحية الدرامية التي تعاد في زمن الهزيمة بنفس السيناريو والديكور والأضواء، مع اختلافات طفيفة في الممثلين/ اللاعبين والمخرجين/المدربين …

محاولة “تعليق” مصطفى حجي مساعد المدرب، بعد سقوط “صومعة المنتخب” في ملاعب الكاميرون، قد يرى فيها البعض جبرا للخواطر، وقد يعتبرها البعض الآخر مجرد عملية مكشوفة لتقديم “كبش فداء” تعلق عليه كل الخطايا والزلات، لكن، ومهما اتفقنا أو اختلفنا مع الرجل، ومهما اقتنعنا أو رفضنا ما يروج حوله من ادعاءات واتهامات، نــرى أن الهزيمة المدوية للأسود أمام فراعنة مصر، لابد أن تتحملها بدرجات متفاوتة جميع الأطراف المعنية بإدارة المنتخب الوطني بشكل خاص وشؤون كرة القدم المغربية بشكل عام، وإذا كانت المرحلة تقتضي إشهار سلاح الإقالة، فنرى أن هذا السيف يفترض أن يطال الجميع، من باب “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، أما الإقدام على إشهاره في حق شخص بذاته أو عينه، فهذا الخيار، لن يكـون، إلا انحناء أمام العاصفة وإرضاء للخواطر ليس إلا، وممارسة نمطية لن تغير أبدا معالم الوجه الشاحب للكرة المغربية.

إذا كنا كمغاربة نتقاسم جميعا الرغبة الجامحة في إصلاح واقع حال الكرة المغربية، فمن العبث أن نصلح بمن يتحمل بدرجات ومستويات مختلفة مسؤولية التواضع والهزيمة والإخفــاق، ومن غير الممكن أن ننام ونصبح على وجوه ذات المخرجين والممثلين الذين يستنزفون إمكانيات مالية هائلة بدون تحقيق النتائج التي تتطلع إليها الجماهير المغربية، وفي هذا الإطار، فإذا كان من الصعب تقديم الحلول الممكنة للخروج من عنق زجاجة الأزمة القائمة، فما هو باد للعيان، أن الكرة السمراء قد تطورت، بدليل أن الكثير من المنتخبات الصغيرة والمغمورة، باتت تحرج المنتخبات الإفريقية، بل وتعمل على إقصائها من حلبة التباري كما حصل لمنتخبات الجزائر وغانا وساحل العاج والكابون …، وما هو واضح أن الظفر بكأس إفريقيا للأمم، بات أصعب مما كنا نتصور، ويبقى السؤال الفلسفي أو الإشكالي على الأصح، أين يكمن الخلل الكروي المغربي ؟

هل الأزمة الكروية القائمة يمكن حصرها في الناخب الوطني ؟ هل في المساعد ؟ هل في اختيارات اللاعبين ؟ هل في عدم قدرة بعض اللاعبين على مسايرة إيقاعات الطقوس الكروية الإفريقية؟ هل في محيط المنتخب؟ هل في بعض الممارسات “غير المسؤولة” داخل المنتخب الوطني؟ هل في انعدام الشفافية والوضوح في اختيار واستدعاء اللاعبين المحترفين؟ هل في عدوى بعض وكلاء اللاعبين؟ هل في سياسة تدبير الشأن الكروي المغربي؟ هل في البطولة الوطنية التي لم تصل بعد إلى مستوى إنجاب أو صناعة لاعبين كبار قادرين على الاحتراف في أكبر البطولات الأوربيـة ؟ هل في ضعف وتواضع المنتخبات الوطنية خاصة في فئة الشباب ؟ هل في شخص رئيس الجامعة الذي يجمع أكثر من منصب، بشكل يصعب معه خدمة الشأن الكروي بالشكل المطلوب ؟ هل في قـوة المنتخبات الإفريقية التي سحبت البساط من تحت أقدامنا ؟ هل في بعض الإعــلام المغربي الذي يميل إلى كفة المحاباة والمهادنة بدل قول الحقيقة كما هي ؟ هل في ضعف آليات الحكامة الجيدة وغياب ربط “المسؤولية بالمحاسبة” ؟

أسئلة من ضمن أخرى، تقتضي فتح نقاش جاد ومسؤول حول أزمة الكرة المغربية عموما وأزمة المنتخبات الوطنية خصوصا، بعيدا عن الأنانية المفرطة أو تصفية الحسابات أو الركوب على الموجة والظهور بمظهر الفارس المغوار، وندعو عبر هذا المقال، نجوم الكرة المغربية السابقين والخبراء والأكاديميين المغاربة في الداخل والخارج والإعلاميين المتخصصين في الشأن الكروي المغربي، من أجل التفكير في عقد لقاء وطني أو مناظرة وطنية، لتشخيص واقع حال الممارسة الكروية المغربية عبر البحث في أسبابها ومسبباتها، والتقدم بتوصيات وحلول عملية من شأنها تصحيح الوضع القائم على مستوى المنتخبات الوطنية، والارتقــاء بمستوى البطولة الاحترافية الوطنية، غير ذلك، فأي قرار تم اتخاذه في ظل الوضع الكروي السائد، لن يكــون إلا انحناء أمام العاصفة القادمة من الكاميرون، ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال، لابد أن نستحضر أن في المنتخب الوطني “أسود” أبانت عن علو كعبها في ملاعب الكاميرون، لابد من احتضانها ودعمها، وأسود أخرى “مغضوب عليها” آن الأوان لتعود إلى العرين، كما لابد أن نستحضر أن لنا كمغاربة “عزاء” واحد، هو الظفر بورقة التأهل إلى مونديال قطـر 2022، وهذا الرهان، يقتضي التعامل مع إخفـاق الكاميرون، بما يلزم من الهدوء والرصانة والتبصـر، بعيدا عن منطق “طاحت الصمعة.. علقو الحجام” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.