دور السلاطين العلويين في افتكاك أسرى الجزائر لدى أوروبا

دور السلاطين العلويين في افتكاك أسرى الجزائر لدى أوروبا

16 ديسمبر 2016 - 01:11

لقد بلغت التجاذبات التاريخية والحضارية بين أوروبا المسيحية وشمال إفريقيا المسلم أوجها عقب سقوط آخر إمارة إسلامية بالأندلس سنة1492، ما جعل من حوض البحر الأبيض المتوسط رقعة صدام وتنافس محتدم بين المسلمين الحالمين بأمجاد الفردوس المفقود، والمسيحيين الراغبين في محو العار الذي لحق ليس فقط بإسبانيا والبرتغال، بل بأوروبا جمعاء لفترة قاربت الثمان قرون (711ــ 1492). ولهذا نادرا ما أعتبر البحر المتوسط مكانا للتعاون بين هاتين الحضارتين المختلفتين ثقافيا ودينيا اختلافا جعل من نفورهما و تباعدهما أمرا حتميا ولو أُجل لبعض حين.

أخد هذا الصراع الأوروبي ـــ الإسلامي بحوض المتوسط أشكالا عدة، و غالبا ما كان يتجسد في مواجهات عسكرية عنيفة أو في ممارسة نشاط السبي والقرصنة. فبعد طرد المورسكيين من الأندلس ونجاح حروب الاسترداد، انغمس الأوروبيين، جيوشا نظامية وقراصنة، في أسر عشرات الألوف من ساكنة إيالات الجزائر، تونس و ليبيا بالإضافة إلى المغرب، ما أسهم في خلق جاليات مسلمة بأوروبا، هذه المرة ليست مستوطنة وإنما فرض عليها العيش ضمن المسيحيين كعبيد مَحْكُومِينْ لا كأسياد حَاكِمِينْ.

فرغم أن المصادر التاريخية الأوروبية تحاول ربط القرصنة البحرية بمسلمي شمال إفريقيا في إطار ما اصطلح عليه بالجهاد البحري، إلا أن أرشيفات بعض الحواضر الاوروبية العريقة كلشبونة، برشلونة، فالنسيا، إشبيلية، صقلية، نابولي، مالطا و غيرها تزخر بوثائق تؤرخ لما أسماه امتياز حبيب ” أثار و بصمات المغيب المنسي”. ناهيك عن هذه المصادر تشير البحوث التاريخية و الأكاديمية التي تناولت موضوع الأسرى المسلمين في أوروبا إلى أن جل المدن الاوروبية المطلة على المتوسط كانت تضم أسواقا وأماكن عمومية معلومة مخصصة للمتاجرة في العبيد، سواء المُسْتَقْدَمِينَ من السواحل الغربية لإفريقيا أو من بلاد المسلمين. وإن دل تواجد هذا الكم الهائل من الأسواق على شيء، فإنما يدل على أن المتاجرة في الرقيق كانت مسألة متجاوزة ومقبولة لدى الكنيسة و رجال السلطة على حد سواء.

فرجال الدين كانوا يعتبرون أسر المسلمين شئناً دينيا مقدسا سيحقق لا محالة تفوقا رمزيا على الغريم التقليدي الإسلام، وسيمكنهم أيضا من تنصير بعض الأسرى خاصة الصبية منهم. أما رجال السلطة فكانوا يعتبرونه مصدر دخل، والأهم من ذلك مصدرا لليد العاملة التي كانت غالبا ما تستغل في الحقول أو للتجديف في السفن التجارية والحربية.

في ظل هذه المعطيات أُسِرَ الالاف من المسلمين على فترات مختلفة، وتم شحنهم إلى الأسواق الأوروبية كبضائع مزجاة، ما غَيَّرَ مجرى حياتهم من أناس ينعمون بالحرية والإرادة إلى ‘مخلوقات ‘ أو ‘أشياء’ أخرى تعامل على أساس أنها أنصاف بشر، ناصيتهم ومصيرهم بيد أسيادهم الأوروبيين. فبمجرد ما أن تطأ أقدامهم أرض أوروبا يجتازون ما أسماه إيكوركوپيتوف ” عملية التبضيع ” والتي بموجبها ينتقلون من حالة ‘إنسان’ إلى حالة ‘بضاعة’ قابلة للتداول في الأسواق.

في هذا السياق لم يكن للمسلمين بصفة عامة وللحكام بصفة خاصة من بد سوى بدل الغالي والنفيس لتخليص أسراهم من أيادي المسيحيين، فبتحرير رقابهم كان يروم السلاطين نيل مرضاة الله، وكذا الاستجابة لدعوات العلماء وأقارب الأسرى. وتجدر الإشارة إلى أن السلاطين المغاربة مثلا كانوا لا يميزون ولا يستثنون أي أسير من عملية الافتكاك، كيفما كانت جنسيته، فما كان يهمهم هو تحرير المسلمين من أيادي المسيحيين. وعلاقة بهذا الموضوع تؤكد بعض الرسائل الملكية المغربية أن السلطان مولاي إسماعيل وحفيده سيدي محمد بن عبد الله لم يدخرا جهدا لتحرير أسرى المسلمين المحتجزين لذى أوروبا و من ضمنهم رعايا إيالة الجزائر.

ففي رسالة بتاريخ 22 يوليوز1684، عبر السلطان مولاي إسماعيل عن خيبة أمله لعدم تعاون نظيره الفرنسي لويس الرابع عشر في تحرير أسرى المسلمين ومن ضمنهم الجزائريين طبعا. يقول السلطان “فنحن معشر العرب لا نعرف إلا الصحيح ولا يسرنا إلا ما فيه مصلحة المسلمين كلهم، ومع ذلك أعطينا لصاحبك عشرين نصرانيا أرسلناه بها وظننا أنك ولا بد تراعي القيم وتبعث لنا ولو عشرين مسلما تجبر بها خواطرنا، وتكون هي الطريق للكلام الذي تريده منا، فإذا بك ما عملت شيئا من هذا ولا جازيت بإحسان.”

وفي رسالة أخرى موجهة هذه المرة إلى الدون كارلوس ملك إسبانيا كتب السلطان موضحا لشروط صفقة بين المغرب وإسبانيا: “تعطونا خمسمائة أسير من المسلمين في الخمسين الأخرى، عشرة أسارى لكل نصراني، وان لم توجد الكتب التي هي مرادنا، فاجعلوا عوضها من أسارى المسلمين… وقبلنا منكم في العدد المذكور الرجل والمرأة و الصبي و الصغير أو الكبير و الشيخ المسن من إيالتنا و غيرها، إذ ما لنا قصد إلا في الأجر و الثواب في فكاك أسرى المسلمين كيفما كانوا و من أي بلد كانوا…إنما نقصد بفكاكهم وجه الله تعالى .”

وهذا سفيره عبد الله ابن عائشة يطمئن الأسرى المغاربة بفرنسا كاتبا يومه العشرين من أبريل سنة 1699 “إنني بعثني مولانا أمير المؤمنين نصره الله باشدورا على شأن فدائكم و فداء غيركم من المسلمين…سواء يكونوا من بلاد المغرب أو من بلاد الشرق أو من بلاد الصحراء أو غيرها .”

و كان هذا ديدن حفيده السلطان محمد بن عبد الله مند أن تولى العرش عام 1757 حيث أعطى لتحرير المسلمين و المسيحيين معا أولوية خاصة، و بذل مبالغ مالية هامة من أجل ذلك. ففي سنة 1768 توسط لذى إسبانيا لمبادلة أزيد من 1600 أسير جزائري بغيرهم من الإسبان، و لقد تم تسليم الأسرى من الطرفين على يديه و بحضور رئيس بعثته الكاتب أبو العباس الغزال الذي شهد وصول المركب الإسباني مشحونا بالأسرى الجزائريين حيث أرسى بظاهر مرفأ العاصمة و سلم لأهلها ألف و ستمائة أسير و نيف، و كان ذلك في مقابلة العدد نفسه من الأسرى النصارى و بقيت بقية منهم علاوة على العدد المذكور ففداها الإسبان بالمال ثم خلص كل إلى مأمنه.
و في رسالة شكر إلى عظيم ‘الاصبنيول’ كارلوس الثالث، كتب سيدي محمد موضحا أنه قد بعث المائة أسير جزائري التي كان قد أرسلها له إلى حاكم الجزائر و أنه قد طلب منه في المقابل تحرير أسرى الإسبان لديه. و بناء عليه قام هذا الأخير بإرسال خمسين أسيرا إسبانيا تولى السلطان المغربي إيفادها مع مبعوثه الخاص رفقة ستة من عتاق الخيل العربي إلى البلاط الإسباني.

إن هذه الوثائق التاريخية لتؤكد بحق أن الروابط التاريخية و الدينية و الاجتماعية بين مسلمي شمال إفريقيا لم تكن محل شك أَوْ أَخْدٍ وَ رَدْ، فلقد كان المغاربة شعوبا و حاكمين حريصين على استتباب أمن جيرانهم، و على دفع كل ضرر عن بني جلدتهم، و لم يجدوا غضاضة في تفريج كربهم و همهم. لقد كان هذا ديدن المسلمين قبل أن يرزحوا تحت نير الاستعمار الأوروبي، و الذي برحيله سيخلق صراعات مفتعلة بين شعوب لا يكل التاريخ أو يمل من وصفهم بالإخوة الجيران.

——————————————————————————

[1] ImtiazHabib,Black Lives in the English Archives, 1500-1677. Hampshire :AshgatePublshing Limited,
[1] Igor Kopytoff , “The Cultural Biography of Things: Commoditization as a Process” The Social Life of Things. University of Pennsylvania, p, 64.
الوثائق، مجموعات وثائقية دورية تصدرها مديرية الوثائق الملكية، المجموعة الأولى(الرباط،المطبعة الملكية)، ص.389 [1]
الوثائق، مجموعات وثائقية دورية تصدرها مديرية الوثائق الملكية، المجموعة الأولى(الرباط،المطبعة الملكية)، ص.418 [1]
المصادر الغميسة لتاريخ المغرب، العلاقات المغربية الفرنسية، ج 3. ص.170
عبد الرحمان الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 3، ص. 235 [1]
المديرية الوطنية للوثائق الملكية، المحفظة الخاصة بعهد سيدي محمد بن عبد الله

ـــــــــــــــــ

طالب دكتوراه باحث، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

منطق فئة من المغاربة ومنطق القانون

ستبقى ذكراك يا عدنان في قلوب جميع المغاربة

المجرم الذاتي

تابعنا على