لنا ذاكرة

معاهدة “الوحدة المغربية الليبية”.. يوم حرم المغرب البوليساريو من سلاح القذافي

بعد إعلانها عن الجمهورية الوهمية بالصحراء المغربية سنة 1976، لقيت جبهة البوليساريو الانفصالية دعما غير محدود من نظام الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، قبل أن يتوقف هذا الدعم بتوقيع الملك الحسن الثاني وعقيد ليبيا على “معاهدة الوحدة المغربية الليبية”، يوم 13 غشت 1984 بمدينة وجدة، وهي المعاهدة التي أثارت غضب واشطن، بحسب ما كشفت وثائق أفرجت عنها الاستخبارات الأمريكية قبل سنوات قليلة.

مباشرة بعد إبرام الاتفاقية جرت محادثة بين الملك الراحل والسناتور الأمريكي كاستن، عبر فيها الأخير عن انزعاج واشنطن ومخاوفها من تأثير اتفاقية وجدة على مصالحها، وهو ما أثار انزعاج الحسن الثاني الذي انتقد ازدواجية مواقف الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي كتاب “ذاكرة ملك”، قال الحسن الثاني، “كان أبنائي يتعرضون آنذاك لقصف مدفعين، أحدهما جزائري والثاني ليبي، وكان من أوجب واجباتي إسكاتهما، فبتوقيع هذه المعاهدة تمكنت من جعل القذافي محايدا، وحصلت على التزامه لي بعدم الاستمرار في تقديم أدنى مساعدة لأعدائي والبوليساريو”.

زيارة القذافي

قبل إبرام المعاهدة التي وصفت بـ”الاتحاد العربي الإفريقي” بحوالي ستة أشهر، جاء القذافي في زيارة عمل إلى المغرب، وأثناء مباحثاته مع الحسن الثاني خاطبه الأخير: “حللت أهلا، يمكنكم اعتبار أنفسكم بين ذويكم، لذلك سأبوح لكم بحقيقة، لقد حاولتم عدة مرات الإطاحة بنظامي وحاولت لمرات عديدة الإطاحة بنظامكم”، حسبما روى الملك الراحل.

بدا القذافي متفقا مع كلام الحسن الثاني، فتابع الأخير كلامه متوجها بالسؤال إلى العقيد: “ولكن في نظركم لماذا كان مسعانا يفشل في كل مرة؟”، فأجابه الزعيم الليبي بأنه لا يعرف سببا لذلك.

فواصل الملك كلامه: “لأن هناك ثلاثة آلاف كيلومتر تفصل بين بلدينا، ومهما حصل فإن هذه المسافة ستظل قائمة لأن الجغرافيا لا تتغير، لقد حاولنا إذن ولمدة طويلة ربما، أن نخلق الصعوبات لبعضنا، وبدلا من الاستمرار في محاولة زعزعة الاستقرار ببلدينا، فإنه باستطاعتنا أن نقيم صرح التعاون بيننا”.

يحكي الحسن الثاني أن العقيد انفجر ضاحكا بعدما سمع وجهة نظره، ثم أبدى اتفاقه معه مجددا، فتابع الملك القول “كل من حاول الاقتراب منكم لحد الآن فإنه فعل ذلك إما خوفا من مؤامراتكم أو طمعا في بيترو دولاراتكم، فعليكم إذن أن تعلموا شيئين: لن أطلب منكم ولو دولارا واحدا وشبكة إرهابكم لا تزعجني”.

وقدم القذافي حينها إلى المغرب من أجل زيارة لمدة 24 ساعة، لكنه مكث ثلاثة أيام، وسجل خلالها شريطا “كاسيط”، خاطب فيه البوليساريو قائلا: “أبنائي الأعزاء لقد كنت أول من أمدكم بالمساعدة، ولكني أعتقد أنكم ترتكبون خطأ، فارجعوا إلى وطنكم الأب، ولدي ضمانة بأنكم لن تتعرضوا لأي سوء”، لكن الحسن الثاني رفض بثه.

قبل هذه الزيارة وقبل إبرام المعاهدة بين الرباط وطرابلس، عاش المغرب وليبيا على وقع علاقات متشنجة بين الملك الحسن الثاني وعقيد ليبيا، وصلت حد محاولة كل واحد منهما الإطاحة بنظام الآخر.

وكانت وثائق للاستخبارات الأمريكية قد كشفت أنه عندما أعلنت البوليساريو عن جمهوريتها الوهمية، يوم 27 فبراير 1976، عبر القذافي عن معارضته للحسن الثاني في رسالة شديدة اللهجة قال فيها: “لو كنت (الحسن الثاني) تحارب انفصاليين بمملكتك لكنا معك. لو كنت تحارب المستعمرين بالصحراء لكنا معك. لكن أن تحارب أناسا قالوا لا، هنا لا يمكننا أن نكون معك”.

وأضاف العقيد “أعلن أمام التاريخ أنني لم أكن لأقف ضد المغرب لو لم أكن على يقين أن الشعب الصحراوي الذي تقوده الجبهة (البوليساريو) لا يعارض الانضمام إلى المغرب”.

وكان الحسن الثاني يدرك تحركات القذافي ودوره الخبيث في ميلاد البوليساريو ودعمه لها، وفي هذا الصدد، قال الملك “كانت هناك مراسلات فيما بيننا كان يردد فيها باستمرار (يجب إلقاء المحتل خارج حدود المغرب، ينبغي خوض حرب ضد الإسبان)، فقد كان غالبا ما يوجه إلي رسائل من هذا القبيل”.

كما أن أحد أبرز مؤسسي الجبهة الانفصالية مصطفى الولي، الذي كان يتابع دراسته بكلية الحقوق بالرباط وكان عضوا بحزب التقدم والاشتراكية، قبل أن يطرده زعيمه علي يعتة، توجه إلى طرابلس واستجدى دعم القذافي، فخاطبه الأخير “إنني على استعداد لمساعدتكم، لكن ينبغي أن يسمح الجزائريون بمرور الأسلحة التي سأبعثها إليك”، حسب ما حكى الحسن الثاني.

سبب حقد القذافي

وفسر الحسن الثاني كل ذاك الحقد الذي كان يكنه له العقيد إلى عدم السماح له بالمشاركة في المسيرة الخضراء سنة 1975، حيث وجه له القذافي قبيل انطلاق المسيرة برقية رسمية يقول فيها: “بصفتي ثوريا فإنني أساندكم ألفا في المائة وأني أريد القدوم إلى المغرب على رأس وفد ليبي للتصدي للاستعمار، عدونا المشترك”، لكنه لم يتوصل من الملك بأي جواب.

بعد مرور تسع سنوات على حدث المسيرة الخضراء، التقى الحسن الثاني بالقذافي في وجدة يوم 13 غشت 1984، “وبالرغم من أنه كان يتحدث معي بلطف وبكثير من اللباقة فإنني كنت أشعر أن عدم الرد على برقيته مازال يحز في نفسه”، يقول الحسن الثاني.

وخاطب القذافي الملك بأنه لم يفهم عدم رده على برقيته، وتوجه إليه الأخير بسؤال “لو كنتم قد شاركتم في المسيرة، فهل كنتم ستتفقون معي عندما أصدرت الأمر إلى الثلاثمائة والخمسين ألف مشارك بالرجوع؟”، فرد القذافي، “لا ما كنت لأتراجع”، فال له الملك، “في هذه الحالة كان من الأحسن ألا تشاركوا في المسيرة الخضراء، لأنني كنت سأضطر إلى اقتيادكم إلى الحدود بواسطة دركيين، وذلك ما كان سيسبب حادثا دبلوماسيا مروعا”.

فرح المبعوث الليبي

في سنة 1984 اقترح القذافي على الملك إبرام معاهدة “الاتحاد العربي الإفريقي”، بواسطة رسالة عبر مبعوث، حيث تطرقت الرسالة إلى “إلى تقاعس الدول العربية عن مناهضة إسرائيل التي قال عنها إنها كانت بصدد الاعداد لمخططات جديد”.

قرأ الحسن الثاني صفحات الرسالة الثلاث قراءة سريعة والتفت إلى مبعوث القذافي وخاطبته قائلا “السيد الوزير لا يمكنن إلزام جميع العرب بأن تكون لهم نفس أفكار العقيد القذافي، ولكن أبلغوه أن ما يمكنني منحه إياه هو التعاون الأكثر عمقا، إذ هو المناضل من أجل الوحدة العربية فلم لا نتحد؟”.

ويحكي الحسن الثاني أن جوابه أثار دهشة المبعوث الليبي، فتوجه له بالسؤال “يخيل لي أنني لم أسمع جيدا” فأومأ له الملك برأسه “أجل لقد استوعبتم ما أعني”، وأضاف المبعوث، “اسمحوا لي بموافاتكم بالرد غدا، ذلك أني أفضل ألا أعود فورا إلى العقيد القذافي لعدم تأكدي من أني أوّلت كلامكم التأويل الصحيح”.

لم يتوقع الليبيون حينها هذه الموافقة السريعة من الملك، وهو ما جعل مبعوث العقيد يكذّب أذنيه، إذ صرح فور خروجه من مجلس الملك لكل الذين حضروا المقابلة “سأحاول أن أرسم لكم مخططا للقاعة حتى أبين لكم بشكل واضح أين كنت أجلس والمكان الذي كنتم تجلسون فيه والمكان الذي كان يوجد فيه الملك”.

بعد ذلك أعد المبعوث تقريرا دون فيه تصريحات الملك وعاد في الغد ليتلوه عليه، ثم سأله “أهذا حقا ما قلتموه لي”، ليجيبه الحسن الثاني “بالضبط”، فاستأذنه في استعمال الهاتف، ولما سمع القذافي مبعوثه وهو يخبره بالمقترح قال مندهشا “ماذا؟ أول من يتجاوب مع شعوري الوحدوي ملك؟ بينما ظل العديد من الرؤساء لا مبالين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.