لنا ذاكرة

الشاي.. قصة مشروب ملكيّ دخل المغرب قبل ثلاثة قرون عبر أبواب قصور السلاطين

رغم أنه لم يبق حبيس قصور السلاطين كما كان أول مرة دخل فيها المغرب قبل قرون، إلا أن مشروب الشاي المغربي ظل محافظا على بعض طقوس البلاط، حيث تلتئم حوله تجمعات الأصحاب والأحباب في الأفراح والأتراح والحضر والسفر، ويعد ويقدم في أوان خاصة أهمها “البراد” والصينية والكؤوس.

ففي المغرب، أو على الأقل في عدد كبير من مدنه وبواديه، لا يمكن أن تذكر الشاي إلا ويحضر إلى ذهن المستمع “براد” يعلو بشموخ وكبرياء فوق فوهات الكؤوس، قبل أن يملأها بمشروب سحري تطفو عليه رغوة كأنها عمامة بيضاء، فالشاي بالمغرب ضابط للأمزجة ومكرم للضيوف وملح للجلسات.

الشاي بديل للخمر

أورد عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي في كتابهما من “الشاي إلى الأتاي العادة والتاريخ” مجموعة من النصوص والوثائق التاريخية التي تؤكد أن هذه العشبة شاعت في المغرب خلال القرن الثامن عشر ميلادي، في عهد السلطان العلوي محمد الثالث بن عبد الله.

وفي هذا الصدد يقول المؤرخ والرحالة عبد الكبير الفاسي في “تذكرة المحسنين في وفاة الأعيان وحوادث السنين”، إن في عهد السلطان محمد الثالث ” أظهر الله بالمغرب عشبة الأتاي المشروب بسائر أقطاره”.

بل إن الشاي أصبح من خصائص وآثار السلطان محمد بن عبد الله، كما يحكي الفاسي، “ولم يزل يبدل المجهود في إشاعته وتكثيره وإذاعته، وإطفاء لما عمت به البلوى من شرب الخمور، التي هي أم الخبائث وأقبح الأمور، حتى نسخ الله تلك الظلمة بهذا الضياء، وأبدل ذلك الحرام الذي شربه العلماء والأولياء”.

ويروي صاحب “التذكرة” أن عم السلطان محمد الثالث وابن المولى إسماعيل، زيدان، الذي كان خليفة لوالده بثغر آسفي، كان أول من شرب الشاي بالمغرب، وذلك بعد أن اقترح عليه “حكيم نصراني” هذا المشروب كبديل للخمر الذي سلبه صحته.

وكان زيدان “شريبا حتى أكسبه الشرب ألما عجز الأطباء عن معالجته، فجيئ بحكيم نصراني، فأمعن النظر فيه فقال: لا بد من تخليه عن الشرب. فلم يجد إليه سبيلا، فأتاه بشرب الأتاي. ولم يزل يحسنه إياه حتى استغنى به عن الشرب فعوفي بقدرة الله. فلما لقي والده المذكور قص عليه الخبر وأراه إياه فشربه ثم جيء به لوالده مولانا عبد الله”.

وفي أيام السلطان محمد بن عبد الله شاع الشاي وذاع “وعم جميع المجالس والبقاع. ولم يزل في زيادة الظهور، والولع به في البوادي والحواضر على ترادف الأيام والشهور. وقد مدحه الشعراء بكثير من الغزليات الأدبية، وذكروا فيه كثيرا من الفوائد الطبية”، حسب ما أفاد صاحب “التذكرة”.

بعد سنوات قليلة من شيوعه في المغرب سيكتسي الشاي داخل البلاط أهمية بالغة من الناحية الأمنية، إذ مات ابن عم السلطان محمد الثالث ووزيره الأعظم، ادريس بن المنتصر، بعدما شرب كأس شاي به سم، حسبما جاء في “تاريخ الضعيف”.

وكان الوزير يسعى إلى قتل السلطان، حيث أغرى أحد فتيان القصر المكلفين بالشاي بأن يجعل للسلطان فيه سما، فتصنع الخادم الموافقة على ذلك لكنه أعلم السلطان، فأمره الأخير أن يضع السم في كأس ويسقيه لوزيره الأعظم.

وروى الضعيف الرباطي أن السلطان أمر بإحضار “مولاي ادريس، وقال له بعد مناداته إياه (اشرب هذا الكأس) ففهم مولاي ادريس، فقال (إني صائم) واعتذر بالصوم فكلف عليه السلطان شرب ذلك الكأس وأقسم عليه أن لا يحنته، فشربه فكان ذلك سبب موته، حتى كان يرمي الدم من جوفه”.

طقوس سلطانية

وكان للشاي في البلاط خلال القرن 18 عشر طقوس وتقاليد خاصة، كما كان إعداده وتقديمه والاعتناء بأوانيه من اختصاص خدم خاص أطلق عليهم “أصحاب الأتاي” أو “موالين أتاي”، حسب ما وصف عبد الرحمان بن زيدان وهو من أفراد العائلة الملكية، في كتابه “العز والصولة في معالم نظم الدولة”.

ويصف بن زيدان مهمة خدم الشاي قائلا، “أما شغل أصحاب الأتاي فوضع أوانيه بالمحال المعدة لها وحفظها سفرا وحضرا، وتنظيفها وصقل ما يحتاج للصقل وتهيئتها وتسخين الماء ليكون معدا للغليان في سائر الأوقات، إذا شاء الأمير شرب الأتاي أمر أحد الطواشيين بواسطة إحدى الإماء بإحضارها، فيخرج الطواشي وينادي بأعلى صوته قائلا: (مواعين سيدي قال سيدي أمول أتاي)، فيجيب القائد وأصحابه (نعم سيدي)، ثم يتقدم رئيسهم حاملا على كفه الأيمن طبلة الكؤوس والأباريق”.

وأسهب ابن زيدان في وصف طقوس تقديم الشاي على طريقة السلاطين حيث توزع الأدوار بشكل سلس ومتناسق بين من يحمل صينية بها كؤوس وإبريقان ومن يحمل أخرى بها أواني السكر والشاي وتوابعهما، ومن يحمل المجمر و”البقرج” (الإبريق). فتنتهي مهمة كل هؤلاء أمام باب القصر فيسلمون ما بأيديهم لـ”الطواشيين” الذين يضعونه أما السلطان.

فيؤذن لصاحبة النوبة من الإماء صواحب الأتاي بإقامته، يضيف ابن زيدان، فتأتي بأدب ووقار حاسرة عن ذراعيها وجلس جاثية على ركبتيها، وتأتي أخرى تقف حذو المجمر لمناولة البقرج، وأخرى بإزائها لمناولة الكأس للسلطان جاعلة بكفها الأيمن خرقة أنيقة تضع عليها الكأس المولوي، إذ لا يسوغ تناوله بيدها مباشرة مبالغة في النظافة، وكل واحدة منهما حاسرة أثوابها على ساقيها متزّرة فوقها فوطة رباطية فتبقى القيمة جالسة أمام الأواني إلى أن تؤذن في الشروع، فإذا فرغ السلطان من شرب الأتاي ردت أوانيه للمكلفين بها”.

جاسوس أزعجه السكر

ونقل كاتبا “من الشاي إلى الأتاي” عن جاسوس إسباني، قدم إلى المغرب في بداية القرن 19 متنكرا في اسم “علي باي العباسي”، قوله في وصف مجلس للسلطان: “سحب أحد الخدام لوازم الشاي التي تتكون من علبة سكر ذهبية، وبراد، وإناء خاص بالحليب، وثلاثة فناجين من الخزف الأبيض، وكل هذه الأواني موضوعة فوق صحن كبير مذهب”.

وانتبه الجاسوس الإسباني إلى أن الطريقة التي وضه بها السكر للشاي غير مناسبة ولا تأخذ بعين الاعتبار ذوق الضيف، إذ “حسب العرف المعمول به في البلد، فقد وضع السلطان السكر داخل البراد قبل أن يصب في الفناجين”.

رغم أن الشاي انتشر في المغرب منذ آلاف السنين إلا أنه ظل لسنوات حبيس القصور ودور الأغنياء، ولم يدخل معظم البيوت بالمغرب إلا في بداية القرن التاسع عشر، لكنه ظل مع ذلك في الكثير من البوادي من علامات الغنى والترف، بحيث لا تتوفر كل البيوت على أواني إعداده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.