وجهة نظر

المرأة رمز التضحية والعطاء، أيها الأغبياء

05 ديسمبر 2016 - 12:12

شيء مفهوم أن نجد من حين لآخر أشخاصا أجانب، غربيين وعرب، يكنون حقدا دفينا لبلدنا ويتحينون الفرصة المواتية، لتسخير أقلامهم الوقحة وألسنتهم السليطة صوب المس بصورته عبر النيل من سمعة المرأة المغربية، التي تتعرض لأبشع مظاهر الاستغلال في بحثها عن لقمة العيش، ونعتها بأقدح النعوت أو العبث بشرفها وعرضها، كما فعل مؤخرا أحد دعاة “العفن” من الشباب السعودي، الذي يقتات من فضلات النوادي الليلية والكباريهات، في عرض له عن السياحة الجنسية، إذ لم ير في نساء المغرب الرائدات في شتى المجالات، سوى فئة من العاهرات !

بيد أن ما ليس واضحا ولا منتظرا، أن يأتي ما يدمع العيون ويدمي القلوب، ويثير عواصف هوجاء من السخط في مواقع التواصل الاجتماعي، من رجل محسوب على الصحافة المغربية، مفروض فيه تسخير قلمه لتنوير الرأي العام والانتصار لقضايا المستضعفين والمظلومين، والسهر على حماية إنسانية الإنسان والدود عن الأعراض، عوض التطاول على شريحة من نساء وطنه والإساءة إليهن.
ذلك أن مدير نشر يومية “أخبار الثوم”، الذي رغم أن روائح فضائحه المتواترة بلغت مداها وأزكمت الأنوف، مازال متماديا في غيه مسترسلا في زلاته، حيث أبى إلا أن يهين تلك الفئة من النساء اللائي أجبرتهن ظروفهن المادية القاسية في غياب السند وأمام ضيق ذات اليد، إلى حمل سلع مهربة على ظهورهن بباب سبتة المحتلة، لتأمين لقمة عيش نظيفة وحبة دواء شريفة، مادام دعم الفقراء حلما بعيد المنال وبطاقة الرميد غير ذات جدوى. إذ شبههن ب”البغلات” في مقال بجريدته الصادرة يوم فاتح دجنبر 2016، تحت عنوان صادم: (اسبانيا تجني 400 مليار من مآسي 9000 “بغلة مغربية”).

والبغلة كما لا يخفى على كل ذي نية سليمة، هي حيوان هجين يتولد عن تزاوج فرس وأتان، وهي عقيمة لا يمكنها التناسل ولا تصلح إلا للركوب وحمل الأثقال… فأين وجه التشابه بين المرأة والبغلة، يا من أعمت بصره وبصيرته الصفقات الإشهارية؟ أليس من الظلم والإجحاف تجريدها من إنسانيتها، لا لشيء سوى أنها آثرت العيش الكريم بعريق جبينها عبر امتهان حرف بسيطة، عوض مد يدها أو بيع جسدها؟ وهل تعتبر عاقرا من أنجبت الكثير من الأطفال إناثا وذكورا، وضحت بالغالي والنفيس من أجل أن تصنع منهم مواطنين صالحين، قد نجد منهم شخصيات ذات مراكز اجتماعية هامة، تتحمل مسؤوليات كبرى باقتدار في التعليم والصحة والأمن والعدالة والجيش…؟ ألم يكن حريا ب”الصحافي” المتحذلق الانبراء للأقلام والألسنة الأجنبية الوقحة، التي تمرغ كرامتهن في التراب، والدفاع عن همومهن ومآسيهن، وينتقد السياسات العامة الفاشلة التي أو صلتهن إلى مثل هذه الأوضاع المزرية، بدل أن يتحول إلى بوق لرئيس الحكومة المنتهية صلاحيتها، يلمع صورته ويشيد بقراراته اللاشعبية؟ وهل تساءل عن الأسباب الكامنة خلف معاناتهن، وتلك التي تؤدي ببعضهن إلى الانتحار كحالة المرحومة “مي فتيحة” بالقنيطرة؟ ألا يعلم أن غالبيتهن من الأرامل، اللواتي حرمتهن شروط/قيود “زعيمه” بنكيران من الاستفادة من تلك المنحة البئيسة، لوجود أبنائهن خارج مقاعد الدراسة رغم حداثة سنهم بسبب الهدر المدرسي؟ ثم ألم يخطر بباله أن نعت المرأة بالبغلة يعتبر عنفا نفسيا مؤلما، لاسيما في ظرف يتزامن مع احتفاء العالم باليوم الدولي للقضاء على العنف ضد النساء، الذي يصادف 25 نونبر من كل عام، ضاربا عرض الحائط بكل الجهود المبذولة، قصد تكريس ثقافة احترام حقوق الإنسان في المجتمع؟

وليس غريبا على من احترف تقديم الهدايا المسمومة في أدق المناسبات، واستطاب العوم في المياه الآسنة، أن يأتي طعم اعتذاراته مرا وأقبح من الزلات ذاتها، فكما سبق له أن وصف إلياس العمري الغريم السياسي اللدود ل”سيده” بابن مربية الدجاج، مباشرة بعد انتخابه أمينا عاما لحزب “الأصالة والمعاصرة”، من خلال عنوان إحدى افتتاحيات جريدته الصادرة يوم الثلاثاء 26 يناير 2016: “ماذا بعد وصول ابن مربية الدجاج إلى قيادة البام؟”، ثم عاد في عدد آخر ليعتذر بدعوى أنه لم يقصد الإساءة إلى شخص العمري، طالما أنه هو نفسه استعمل الوصف ذاته في مجموعة من الحوارات الصحفية. نراه اليوم كذلك يبني اعتذاره بلا خجل ولا وجل على كون بعض الصحف والمنابر الإعلامية الأجنبية، استعملت نفس التشبيه في وصف المرأة المغربية، أي “بغلة” !

فالمرأة كيفما كان وضعها الاقتصادي والاجتماعي، تعتبر رمزا للتضحية ونكران الذات، لا تبالي بآلامها وأحزانها مقابل تكريس كل أوقاتها وجهودها في البيت وخارجه، لتسعد أفراد أسرتها وتمنحهم الدفء والحنان حد الذوبان الوجداني في أدق تفاصيل حياتهم. وقد وقفت دوما إلى جانب شقيقها الرجل حتى في أحلك ظروف البلاد، إذ اضطلعت بدور محوري في حركة المقاومة، ببث الحماس في النفوس وتهريب السلاح لرجال المقاومة…

مؤسف حقا أن يبلغ الجشع ب”الصحافي” حد الإفلاس الأخلاقي، ويحشر نفسه في زاوية الدفاع المستميت عن رئيس حكومة، يعلم قبل غيره أنه إلى زوال مهما طال الزمان، وملء صفحات جريدته بالكذب والتلفيق والإهانات والاعتذارات الصورية، فضلا عن الهجوم على قادة المعارضة والتشهير بهم، مستخدما أساليب دنيئة وبعيدة عن أخلاقيات المهنة، نظير الاستفادة من امتيازات مادية ومعنوية، بدل الانكباب الجاد على فضح الفساد والرشوة والمحسوبية، والكشف عن معاناة المواطنين مع الغلاء الفاحش وانعدام فرص الشغل، ومختلف مظاهر الظلم والقهر…

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

حلم العدالة الاجتماعية والتعطش إلى عودة زمن الخلافة

وجهة نظر

بعد عقد من الثورة… لم نشعر أن تونس تغيّرت نحو الأفضل

وجهة نظر

سرقة البيوت المشمعة وسؤال الحماية

تابعنا على