أخبار الساعة، لنا ذاكرة

الأصول التاريخية لمعمار القصور بواحات درعة الوسطى

مقدمة

تزخر واحات درعة الوسطى (مزكيطة، تينزولين، ترناتة، فزواطة، لكتاوة، محاميد الغزلان) بتراث معماري غني ومتنوع (قصور، قصبات، أبراج) يعكس خبرة السكان ويعطي فكرة عن التنظيم الاجتماعي ونمط عيش الساكنة، وبالتالي فهو بمثابة ذاكرة جماعية وسجلا حيا لتاريخ المنطقة وجب المحافظة علية وصيانته. فالعمق التاريخي للمنطقة وقدم الاستقرار الذي تعود جذوره إلى ما قبل التاريخ  وتلاقح ثقافات مختلف البنيات البشرية الوافدة على الواحات (أمازيغ، عرب، يهود، أفارقة) جعل المنطقة مهدا لتراث معماري فريد؛ يتميز بالإضافة إلى خصائصه التقنية؛ كمواد البناء وطرق استعمالها، وكيفية تموقع المنشآت العمرانية طبقا لقواعد متعارف عليها، بكونه ينصهر في محيطه البيئي انصهارا عز وجوده اليوم في المعمار الحديث، و بارتباطه الحيوي في الأنشطة الفلاحية والصناعة التقليدية ونمط توزيع الماء، نهيك عن تعبيره عن التاريخ القريب والبعيد، للنسيج الاجتماعي المميز لهذه الواحات الغنية بأدوارها التاريخية.

مفهوم القصر وخصائصه المرفولوجية

اختلف الباحثون حول تعريف القصر وتعددت مقاربتهم كل حسب الزاوية التي ينظر منها إليه، و قد تأثرت التعاريف أساسا بمجموعة من المحددات التي يراها كل باحث أساسية وضرورية لتعريف القصر. وحتى نلم بالخصائص العامة لهذا النوع من العمارة، نرى أنه من المفيد إدراج بعض هذه التعاريف المتشابهة والمتباينة أحيانا، والتي ستسعفنا ولاشك في استنتاج الملامح العامة للقصر بواحات درعة بشكل عام.

يعرف محمد أيت حمزة القصر بأنه »عبارة بنايات متماسكة يحيط بها سور لا يمكن النفاذ منه إلا عبر باب واحد محروس«[1]، أما عبد العزيز بن عبد الله فيعرف القصر بأنه عبارة عن »قرى محصنة في السهول الصحراوية أو ما قبل الصحراوية تتسم ببنية منتظمة على وثيرة واحدة تندرج ضمن حصن له أبواب ضخمة واستحكامات ركينة أي قائمة في زوايا القصر«[2]، في حين نجد “جولي فرناند” (JOLY FERNAND)  يعتبر القصور »عبارة عن قرية مجمعة ومحصنة، يمكن أن يقيم فيها مائة إلى الألف من السكان، يحيط بها سور من التراب المدكوك المخلوط بالحصى، به باب بسيط الزخرفة تحيط به أبراج ذات “تيفراشين” -(تيفراشين أو الشرافة: زخرفة بالطوب تكون في أعلى المنازل أو الأبراج تضفي بشكلها المثلث غالبا طابع الحراسة على المكان، إذ تشبه ظلال رجال جالسين)-، توجد في الداخل أزقة ضيقة مغطاة جزئيا، مظلمة وملتوية بعضها يشمل ملاحا، كسكنى لليهود، وكثيرا ما تقع بعيدة عن المياه المستعملة«[3].

إجمالا يمكن تعريف القصر بأنه: عبارة عن تجمع لمساكن يحيط بها سور من كل الجوانب، تتخلل زواياه الأربعة أبراج عالية معدة للعملية الأمنية، ولا يمكن النفاذ إليه إلا عبر الباب الرئيسي، وتوجد في داخله أزقة ضيقة مغطاة جزئيا، مظلمة وملتوية أحيانا. وهو أيضا مرآة تعكس علاقة الإنسان بمجاله الجغرافي ومعالم حياته في يسره وعسره وفي استقراره وترحاله. والقصر صنف من السكن الذي تشتهر به الواحات الجنوبية الممتدة بين الأطلس وتخوم الصحراء بدءا بوادي درعة الأسفل والأوسط مرورا بتافيلالت حتى فيكيك، بل إن معالم هذا النمط من السكن تجد استمرارا لها بهوامش الصحراء الكبرى في كل من الجزائر وتونس وليبيا[4].

السياق التاريخي لظهور معمار القصور بدرعة

تشير الدراسات التاريخية إلى أن منطقة درعة عرفت استيطانا بشريا منذ القدم[5]، لكن قليلة هي المصادر التي تتحدث عن نوعية وأشكال المنازل أو الدور التي استقرت بها المجموعات البشرية الأولى التي عمرت الواحات على مر العصور، وسنحاول في هذا الجزء من الدراسة تتبع الإرهاصات الأولى التي ساهمت في ظهور معمار القصور كنموذج للبناية المحصنة بدرعة، والظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية التي ساهمت في تشييد هذا النوع من العمارة الطينية.

يشير الإدريسي الذي زار واحات درعة الوسطى في بحر القرن 12م أن »درعة ليست بمدينة يحوطها سور ولا حفير وإنما هي قرى متصلة وعمارات متقاربة ومزارع كثيرة«[6]، إشارة الإدريسي هذه تفيد على أن منطقة درعة أنداك كانت عبارة عن قرى متقاربة ومنازل متفرقة غير محصنة، ويعضد هذا القول أن العديد من حقول المنطقة تحتوي على بقايا أسوار قديمة، تذكر الرواية الشفوية أنها كانت منازل للسكان قبل أن ينتقلوا إلى السكن بالقصر جراء الاضطرابات الأمنية واجتياح القبائل العربية. عموما تبقى هذه الإشارة مهمة ومفصلية في تاريخ العمارة بالمنطقة، وإن لم يبين الإدريسي شكل هذه القرى والمواد التي شيدت منها، فالأكيد أن سكان المنطقة وبالاستناد إلى الرواية الشفوية كانوا يقطنون بالقرب من حقولهم بشكل متفرق في مساكن مفتوحة على الخارج، ويرجع سبب الاستقرار المبكر للقبائل والمجموعات البشرية بدرعة، إلى توفر ظروف العيش من جهة واستثبات الظروف الأمنية من جهة ثانية، خاصة أن معظم الدول التي تعاقبت على حكم المغرب راهنت على منطقة درعة في الجانب الاقتصادي، نظرا لموقعها الاستراتيجي على مشارف الطرق التجارية وهو ما مكنها من تزعم حركة التجارة الصحراوية إلى جانب كل من سجلماسة وتامدولت.

وفي القرن 16م سيورد حسن الوزان إشارة مهمة هي الأخرى عن طبيعة المعمار بالمنطقة حيث ذكر أن درعة الوسطى »تعج بالسكان وتشتمل على خمسين قصرا مبنية بالصلصال والآجور النيئ«[7]، فبخلاف الإدريسي الذي ذكر أن الواحات كانت عبارة عن قرى متقاربة، نجد أن الوزان أكد على وجود عدد كبير من القصور بالمنطقة. هذا التباين بين هذين الإشارتين جعل العديد من الباحثين والمؤرخين  يرجحون أن ظهور القصور بدرعة الوسطى هو نهاية القرن 13م وبداية القرن 14م، فما هي إذن الظروف التاريخية التي ساهمت في ظهور هذا النوع من البناية المحصنة؟.

إجمالا لما ذكر نقترح أن الفترة المفترضة لبداية ظهور معمار القصر بدرعة هي نهاية القرن 13م وبداية القرن 14م، وهي الفترة نفسها التي بدأت فيها أولى طلائع قبائل بني معقل العربية تصل إلى واحات درعة الوسطى على شكل موجات رعوية صغيرة في إطار البحث عن مواطن العشب والكلأ لقطعانها، ومع ازدياد أعداد هذه القبائل الوافدة أصبحت تتطلع للاستيلاء على المراعي الشاسعة والخصبة بالمنطقة كهضبة الفيجة وكدية أولاد يحيى… ينضاف إلى هذا أن قبائل بني معقل لم تكن تتورع في نهب المزروعات بالحقول والممتلكات بالدور والمنازل، مما سيؤدي إلى صدام عنيف بين القبائل المستقرة بالواحة أنداك خاصة بقايا القبائل الزناتية والصنهاجية وقبائل دراوة التي تضررت بشكل كبير من هذه الهجمات.

وقد زاد من حدة تأزم الأوضاع الأمنية عدم قدرة القبائل المستقرة على الدفاع عن نفسها وتأمين ممتلكاتها من جهة، ومن جهة ثانية عدم قدرة السلطة المركزية في القيام بواجبها في حفظ الأمن وردع القبائل المشاغبة. وأمام هذه الوضعية المتسمة بالاضطراب الأمني بدأت القبائل المستقرة تفكر في وسائل وحِيل للحد من هجمات القبائل العربية وتأمين مزروعاتها وممتلكاتها، خاصة بعد أن تأكد لها استحالة مواجهة هذه القبائل البدوية التي لا تتقن إلا النهب والسطو.

فقبائل دراوة إذن هي التي كانت تعاني من ويلات النهب والسطو بشكل أساس بحكم أنها فقدت كل ما يربطها بالحرب وتحولت إلى الاستقرار منذ فجر التاريخ، بالإضافة كذلك إلى بقايا القبائل الصنهاجية والزناتية اللتين عانتا من هذا الاضطراب الأمني. فمن أين استوحت إذا هذه القبائل هذا النمط المعماري؟ وكيف وصل إلى واحات درعة؟.

ويشير بعض الباحثين أن بقايا القبائل الزناتية والصنهاجية كانتا مستقرتين بشمال المغرب قبل أن تصلا إلى واحات درعة الوسطى، جراء الحملة العسكرية التي شنها الرومان في القرن الأول الميلادي ضدها بسبب تهديدها للطرق التجارية عبر هضاب ملوية[8]. وبناء عليه نرجح أن تكون هاتين القبيلتين هي من نقلت معها هذا النمط من العمارة من مناطق استقرارها الأول، فوقع امتزاج بين الأسلوب الفني الذي اكتسبته هذه القبائل (الزناتية والصنهاجية) في رحلتها الطويلة بنظيره المحلي، وأعطانا في الأخير هذا النموذج من القصور التي تتميز بخصوصيات محلية.

ويتقاطع هذا الطرح مع ما ذكر ابن خلدون من »أن القبائل الزناتية تركت قصورها جنوب جبال درن لعرب معقل بعد أن تكونت لها دول في بلاد المغرب، بني مرين بفاس وبني زيان بتلمسان«[9]، فابن خلدون يشير أن هذه القبائل كانت لها قصور بمناطق استقرارها الأول، لذلك من المرجح أن تكون هي من أدخلت نمط معمار القصور بدرعة خاصة أن »المنزل الزناتي يتكون من عدة طوابق بينما المنزل الصنهاجي القبايلي يتكون من سكن أرضي فقط«[10].

خاتمة

تأسيسا على ما سبق فإن ظهور القصر كمعمار محصن في منطقة درعة الوسطى يرجع الفضل فيه إلى القبائل الزناتية التي نقلت أهم معالم هذا النمط من المعمار من مناطق استقرارها الأول، على اعتبار أن هذه القبائل ما إن وصلت إلى الواحات حتى تحولت إلى حياة الاستقرار؛ فامتلكت المزروعات والحقول التي تعد أهم مصدر قوتها، بالإضافة إلى المنازل والدور التي تخزن فيها ماشيتها ومحاصيلها الزراعية، هذه الممتلكات أصبحت معرضة للنهب مع اجتياح القبائل العربية للواحات. فالرغبة إذن في حماية ممتلكاتها هي التي دفعتها إلى جانب القبائل المستقرة الأخرى إلى التفكير في وسيلة للاحتماء والتحصين، فظهر بذلك القصر كمعمار محصن والذي جمع بين نمط وأسلوب القبائل الزناتية في البناء وعبقرية القبائل الصنهاجية وخبرة قبائل دراوة.

المراجع

[1] أيت حمزة محمد. شاكر ميلود. تقرير عن رحلة إلى تافيلالت، مجلة جغرافية المغرب، العدد 6 ، السلسلة الجديدة 1982. ص 65.
[2] بن عبد الله عبد العزبز ” القصبات والقلاع الإسماعلية، دعوة الحق، عدد خاص، مارس، 1988. ص 108 ـ 113.
[3] Joly Fernand. «Promenade dans les palmeraies et les Oasis». Confluent. N8. Juin/Juillet.1960. P.408.
[4] محمد أيت حمزة، مادة “القصر”، معلمة المغرب، قاموس يحيط بالأعلام البشرية والحضرية للمغرب الأقصى، منشورات اللجنة المغربية للتأليف والترجمة والنشر مطابع سلا. ج 19 ، ص 6638.
[5] Camps (G), « Les recherches sur les origines des cultivateurs noir du sahara»,  R.O.M.M. T.3., 1970. PP. 35-36. – Meunié (D.J), «Le Maroc saharien des origines au 16éme siècle», Parise, 1982.
[6] الإدريسي، “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”، منشورات مكتبة الثقافة الدينية ، الجزء الأول. 1994م ، ص ص 226 ـ 227.
[7] حسن الوزان، “وصف افريقيا “، ترجمة محمد حجي و محمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي للنشر 1983، ط1. ج 1. ص ص 136 – 137.
[8] D.J MEUNIE ; «Le Maroc saharien des origines au XVI siècle», Paris 1982. Tome I , P P 169-175.
[9] عبد الرحمان ابن خلدون، “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر من تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من دوي السلطان الأكبر”، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. 1981، الجزء7.ص77.
[10] Gautier (EF), « Le Passé de l’Afrique du Nord » , Paris, édition Payot. 1964. pp 228 -229.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.