وجهة نظر

مشروع القانون المالي بين حكومتين

هل يعيد التاريخ نفسه؟ في سنة 2012 وبعد الربيع الديمقراطي، انتظرنا المصادقة على قانون مالية 2016 الذي تأخر كثيرا رغم الأجواء الديمقراطية التي كانت سائدة. لأن هناك أناسا للأسف الشديد لا يريدون للمغرب أن يبني ربيعه بطريقته الخاصة. وبعد خمس سنوات تقريبا عرف المغرب فيها تطورا نوعيا رغم الاكراهات. وضعت حكومة 2012 التي ترأسها رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران مشروع قانون مالية 2017 بمجلس النواب ابتداء من أكتوبر 2016.

وبعد انتخابات أكتوبر 2016 التشريعية وتصدر النتائج حزب العدالة والتنمية عين جلالة الملك السيد عبدالإله بن كيران رئيسا للحكومة انطلاقا من المقتضيات الدستورية. وبعد المشاورات الأولى لرئيس الحكومة مع أحزاب سياسية مازالت الأمور تعرف إشكالات عاقت استكمال تأسيس وتشكيل مشروع حكومة.وهذه الوضعية المتعلقة بتأخير التشكيل سيؤخر طبعا المصادقة على مشروع قانون مالية 2017. مما يتولد عنه انعكاسات نحن في غنى عنها إذا تعاملنا مع الأحداث بالحكمة والتعقل واستحضار المصلحة العامة ورفع الحجر والقسر على المشهد السياسي.

ونحن نعرف أن المصادقة على مشروع القانون المالي يخضع لمراحل خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار القانون التنظيمي للمالية الجديد الذي أضاف إضافات نوعية في التحضير والمراقبة والحكامة وحسن التدبير … مع استحضار أن هيكلة مجلس النواب وتشكيل أجهزته مرتبط بالانتهاء من التوافقات المفضية لتقديم النسخة المقترحة للحكومة المقبلة.

إن أي مشروع قانون مالية يجب ألا يتجاوز أواخر شهر 12 ليدخل حيز التنفيذ ابتداء من يناير في الحالة العادية لكن ألفنا الحالات الاستثنائية. خاصة في بداية تشكيل الحكومة. وقد يبدو الأمر طبيعيا ولكن هناك أمورا تصاحب هذا التفاوض والتشاور غير طبيعية في الأنظمة الديمقراطية. مما يؤشر على أن مشهدنا السياسي أصيب بالشيخوخة الفكرية وبالعقلية القبلية وبالقسر والحجر. وللإشارة فإن جلالة الملك يعين الحكومة والبرلمان ينصبها بعد التصويت على برنامجها التي ستحاسب من خلاله خلال سنوات التدبير والتسيير. ناهيك عن قوانين التصفية التي تحدد حسن تدبير وإنفاق الميزانية السنوية أو المعدلة.

إذن من خلا ما يقع هل نعيش أزمة سياسية أم دستورية أم الأمر متعلق بعقليات تحتاج إلى تحرر سياسي وانعتاق فكري وبصمات أخلاقية؟ أظن أن الأمر معقد لكن أرجح المعطيات الأخيرة. ثم هناك سؤال جوهري ما علاقة النظام السياسي بما يقع؟ ثم ما حظ هذا الشعب الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل هذا المغرب الجميل؟

لقد نظمنا كوب 22 واحتفلنا بدلالات عيدي المسيرة والاستقلال، وعشنا تساقطات ردت البسمة للمغاربة فهل كل هذا لم يؤثر في العقول المتفاوضة حول تشكيل الحكومة. ومما زاد الطين بلة أن بلاغات الأحزاب في جلها مصاغة بأسلوب غير واضح ويخضع لتأويلات متعددة. لأن أمورا كثيرة غير مفهومة.وكأنك تشعر بأن هناك فراغا على مستوى سيادة القرارات. إذا هل نحن في عطب؟ إذا كان عطبا عاديا فالحل موجود. وإذا كان مصطنعا فتلك أزمة فكرية وأخلاقية. أنذاك تصبح السياسة عائقا للتنمية الاقتصادية والمالية وليست محفزة لها.

وأخيرا نناشد الضمائر الحية ممن يهمهم الأمر ان يبادروا إلى التوافق على تشكيل الحكومة لأننا نساهم يوميا في تراجعات على مستوى مناخ الأعمال ونسبة النمو والاستثمار والسياسة المالية والاجتماعية والمقاولات وغيرها من المصالح والأنشطة.

والأهم من كل هذا هو فقدان ثقة الشعب التي لم تتجاوز نسبة مشاركته 43 في المئة. وفي تقديري المتواضع أن كل سيناريوهات ستكون مغامرة باستثناء السير العادي للتشاور وتشكيل الحكومة في أقرب وقت وكل المؤشرات دالة على ذلك إذا تمثلنا روح الدستور التي تركز على الديمقراطية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة والتعاون والتوازن. فهل نحن فاعلون؟