منتدى العمق

لوعي والفطنة قبل الخروج أو الفتنة

“إن الحوادث والأحداث التي وقعت وتقع في مغربنا والتي سببت موجات من احتجاج من طرف المواطنين.. خلقت ارتباكا واختلافا واضحا في التعاطي معها من لدن شرائح وهيئات المجتمع مابين معتبر لنتائجها وإفرازاتها حركات احتجاجية مشروعة للمطالبة بإحقاق الحق ونبذ الظلم و‘‘الحكرة‘‘ وما بين مدع أنها مقدمات فتن قد تعصف بأمن البلاد والعباد بقصد أو بدونه.

والحقيقة أن كلا الادعائين قد يكون صحيحا.. ففي حين أن كافة الشرائع والقوانين والأعراف تجيز بل تحث الإنسان على المطالبة بحقوقه العادلة والوقوف في وجه الظلم والإستبداد ومدافعة الباطل بالحق، فإنها وفي نفس الوقت تحذر من الخروج عن الحد الفاصل ما بين المشروعية واللامشروعية، وتنذر من مناكفة الفساد والاستبداد خدمة لفساد واستبداد آخر.

ولعل المتأمل في أحوال البلدان العربية ليدرك دونما كبير عناء مدى الأخطار والتهديدات المختلفة التي تحيط بها، ناهيك عن الهشاشة التي تطبع الأوضاع الداخلية لها، وهي وإن كانت بحاجة لإصلاحات عميقة في بنياتها لا يعول على الأنظمة في إجرائها، نظرا لعد اعتبارات، إلا أنه لا يمكن أيضا التعويل على الجماهير لإحداثها باعتبار أن الحشود يسهل قيادتها وانقيادها لخدمة أجندات مختلفة تتنكر بزي المطالب العادلة وتتدثر بغطاء الحقوق المشروعة للوصول لأهدافها، وقد أثبتت التجارب العربية مدى فداحة وتكلفة هذا الإختيار الكبيرة، والتي يتحمل في الأخير مجمل تبعاتها هذا المواطن الذي سعينا بداية لضمان حقوقه.

ليبقى السؤال مطروحا، هل الخروج والمطالبة بالحقوق أم التخلي بداعي الفتنة؟؟

الجواب عن هذا التساؤل أعطت بعضه الأشكال النضالية التي سطرها المواطنون في محطات مختلفة خاصة منها أحداث قضية أمانديس بطنجة وكذا أحداث قضية المواطن المطحون بالحسيمة، حيث أن الحدثين أعقبتهما سلسلة احتجاجات على شكل وقفات ومسيرات، لكن المميز في هذه الإحتجاجات أنها كانت واعية عاقلة.. بحيث أن هذه الأشكال النضالية وعلى غرار غيرها وخاصة حركة 20 فبراير شهدت محاولات للركوب عليها من طرف جهات عدة، احترفت هذا النوع من الإستغلال، لكن يقظة ووعي المتظاهرين فوتا الفرصة على هؤلاء، فسطر المتظاهرون مواقف تحمل دلالات عميقة على وعيهم واستفادتهم من دروس 20 فبراير التي كان من أبرز أسباب فشلها محاولات توجيهها والركوب عليها لتحقيق أجندات وتصريف مواقف، فكان التزام المواطنين بالقوانين والإلتزام بالقضية الجوهرية دون توسع في المطالب الفصفاضة والضبط والإنضباط عوامل حاسمة في تحقيق الأهداف، والوصول لنتائج مرضية مع أقل قدر من التبعات..

وبالتالي فالخلاصة التي يمكننا استنتاجها من هذا تحيلنا إلى عامل مهم حاسم في نجاح أو فشل الأشكال الإحتجاجية الكبرى عند قيامها ألا وهي درجة الوعي، فبوجوده لا خوف من الجماهير وبغيابه فإن هذه الأحداث لا قدر الله قد تحمل في ثناياها نتائج عكسية قد تعمق الأزمات وتفاقم الأوضاع وتعود على المواطن بعكس المراد، وتصير به وبحقوقه نحو المجهول.

ومن غير الخفي أن ارتفاع درجة الوعي لدى المواطنين لهو عامل غير مرغوب فيه سوء من طرف أركان الفساد والإستبداد أو حتى من طرف بعض الهيئات والجماعات التي تزعم في الظاهر الرغبة في التغيير والإصلاح وفي باطنها ما الله به عليم.

وعليه فإن الرسالة الأعظم، والتي على كل الهيئات المخلصة لوطنها تبليغها ألا وهي رسالة الوعي، فالتوعية قبل المطالبة بالحقوق.. والوعي قبل الخروج للشارع”.