المفهوم الجديد للسلطة: أو حينما تعمل الإدارة على نزع المصداقية من توجيهات الملك

المفهوم الجديد للسلطة: أو حينما تعمل الإدارة على نزع المصداقية من توجيهات الملك

25 أكتوبر 2016 - 12:23

كان للخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية صدى واسعا وأثار مرة أخرى الكثير من التحليلات والتأويلات، مما دفع بأم الوزارات إلى التحرك وإصدار التوجيهات للسادة الولاة والعمال لمواجهة أشكال التعسف والظلم الذي يطال المواطن من طرف إدارة تغير فيها كل شيء إلا العقليات وكأن المفهوم الجديد للسلطة وليد اليوم، وليس كمفهوم تزامن ظهوره مع بداية حكم محمد السادس.

فقبل أسابيع من افتتاح الدورة البرلمانية الحالية عاد الملك محمد السادس ليذكر وليجدد التذكير بذلك بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش قائلا: “وكما أكدنا ذلك عدة مرات، فإن القيام بالمسؤولية، يتطلب من الجميع الالتزام بالمفهوم الجديد للسلطة، الذي أطلقناه منذ أن تولينا العرش”. ما يجب أن يفهم أن الأمر هو القيام بالواجب قبل أن يضيف جلالته: “والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة، التي تتم عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القانون”. هنا نجد الخلل حيث إن الذي من واجبه أن يسائل ويحاسب ويضبط ويراقب ويسهر على تطبيق القانون استقال من مهمته هذه. لذا عاد جلالته ليؤكد ذلك قائلا: “هل سيطلب مني المواطنون التدخل لو قامت الإدارة بواجبها” هذا السؤال يطرح أكثر من علامة استفهام أولها أن المواطن فقد الثقة في المؤسسات الإدارية، سواء تعلق الأمر بالإدارة مركزيا ولامركزيا أو بالمجالس المنتخبة.

النبرة التي جاء بها خطاب 14 أكتوبر كانت قوية لكي تمر الرسالة وتصل إلى كل من يعطل مصالح المواطن بل الأكثر من ذلك مصالح الوطن بعدما صُمت آذانهم لسنوات رغم كل النداءات والتوجيهات التي ذكر الملك ببعضها في خطابه وعلى رأسها رسالته للوزير سنة 2002. أن يُذكر الملك بذلك ويتساءل حول جدوى دعوته ومدى فائدة الأوراش التي أطلقها ويخص بالذكر الجهوية واللامركزية واللاتمركز الإداري يستحق بل يستوجب قراءة معمقة لكي يُفهم أنها تسائل هذه الهيئات التي خلقت لتسهر على تنزيل السياسات العمومية والحرص على إنجاح الأوراش التنموية بحكم قربها من المواطن. كل ذلك إيمانا من الملك بأن النجاعة الإدارية تساهم في النهوض بالتنمية، وفي جلب الاستثمار الوطني والأجنبي، وتعزيز الثقة التي يحظى بها المغرب.

بعيدا عن لغة الخشب والتملق الذي أصبح عملة لدى الكثير من المحللين وبعيدا عن  كثرة الكلام بمناسبة الخطاب كما لو أنه لحظة عابرة كما كان الشأن بالخطابات التي سبقته فإن الخطاب الأخير كان واضحا ويلزم أن يُفتح تحقيق في القصور الذي أصاب العديد من المرافق العمومية وما صاحبه من تعطيل لأوراش كبرى تتطلب تقييما دقيقا للوقوف على مكامن الخلل. ولا يُعقل مثلا أن تمر سنتين على سؤال أين الثروة والمبادرة الوطنية ولم يُفتح أي تحقيق للوقوف على الاختلالات التي صاحبت تتنزيلها وما زالت.

الجديد في الخطاب الأخير أنه ربط بين عجز الإدارة وعرقلة الاستثمار والتنمية وكذا تفشي ظاهرة الرشوة ومعضلة استغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة  التي تتجاوز أحيانا كل التوقعات وتضرب بعرض الحائط كل التوجيهات الملكية ومعها مصلحة الوطن وصورته. وقد سبق أن كتبنا في هذا الموضوع بدموع الألم بحكم تجربتنا المريرة مع الإدارة.

الخطاب تطرق أيضا لفئات من المواطنين يعانون الويلات بحكم وضعهم الهش وأخص بالذكر أبناء الجالية ومعاناة الكثير منهم أمام الإدارة قبل أن يجمعوا حقائبهم وأموالهم والعودة إلى حيث أتوا. لقد كانت للملك فرصة لسماع معاناة فئات عريضة من المواطنين سواء داخل أرض الوطن أو خارجه. مشاكلهم تختلف ولكنها كلها مشاكل شخصية وتتعلق بهم وبممتلكاتهم الشخصية. لكن هناك فئات أخرى من الجالية تعاني في صمت وتتعرض للاستنزاف وتعامل معاملة غير لائقة داخل أروقة الإدارات. ذنبها أنها اختارت أن تتجاوب مع التوجيهات الملكية وتستجيب لنداء الملك للمساهمة في إنجاح الأوراش التنموية  كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية والجهوية وذلك رغم عناء السفر وبعد المسافات والإكراهات التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.

هذه الفئة  -وأنا واحد منهم- تحمل مشاريع من أجل الوطن ومع ذلك تعاني الويلات من شطط في استعمال السلطة. هذه حكاية تجربة مريرة دامت لسنوات أعيشها شخصيا مع الإدارة. إذا كان بإمكان أبناء الجالية أن يعودوا إلى حيث جاؤوا فنحن في منتصف الطريق لا نستطيع الاستمرار داخل الوطن ولا العودة خارجه لأننا أمام ورطة كبرى نتساءل معها كل يوم لماذا تصر الإدارة على نزع المصداقية من كلام الملك. حكاية طويلة لا يسع المجال لسردها وسنعود إليها بالتفاصيل.

رغم أنها جاءت في الوقت بدل الضائع من عمر الحكومة لا يفوتنا أن نثمن ما صدر من السيد وزير الداخلية من توجيهات تجاه السادة الولاة والعمال والمنتخبين من أجل العمل وتكثيف الجهود والعمل على تنزيل التعليمات الملكية رغم أن هذه الأخيرة تكاد تكون دورية وتُكرر في كل مناسبة أمام الآذان الصماء للمعنيين بالأمر. لكن هل يعلم السيد الوزير أن بعضا من هؤلاء قد يكون أصل الداء بل يَتَّحِدون في بعض الأحيان ضد المواطن؟ هل يعلم السيد الوزير أن جزءً من الإدارة الترابية يخضع لسلطة المنتخبين من ذوي النفوذ؟ لو كانت سلطة الوصاية، ولا أعمم، تمارس فعلا واجبها لما تعطلت الإدارة ولما كثر أنين المواطن. قد يكون كلام الملك عن العالم الثالث والرابع والخامس صادما بالنسبة للكثيرين، لكن ما قاسيناه ونقاسيه من ظلم يتجاوز العالم الخامس ليعود بنا إلى عصر الجاهلية حينما كان القوي يأكل الضعيف.  يتبع….

الحسن بدري

فاعل جمعوي بالمغرب وبفرنسا ومستشار جماعي.

باحث بسلك الدكتواه في الحكامة والتنمية الترابية

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

سيدي قاسم.. “الدوّار” المسحور و”دوّارتنا” وفيروز

الرئيس الفرنسي يُشْهِرُ الحرب على الإسلام

العرب والمسلمون في عالم متغير

تابعنا على