https://al3omk.com/87344.html

جيل الحصير والهارمونيكا

جيل حب بلا حرج … نحن جيل افترش الحصير في المسجد ليحفظ القرآن في البادية و تحلق حول الجدة لسماع الحكايات..

و استظهرنا على والدينا ما حفظناه من آيات..

جيل كان الوالدان يوقظاننا لصلاة الفجر قبل أن نكبر قليلا فنتداول ذلك بيننا، ثم في الصباح بعد الصلاة و التسبيح و الذكر نراجع بعض الدروس..و نستمتع بالموسيقى، بنفس الشغف للذكر و الصلاة، في أسطوانات مقدسة لقيمة الأغاني التي تحملها لفيروز و أم كلثوم و رابح درياسة و ميمونت نسلوان و الشيخ إمام و محمد عبد الوهاب و عبد الله المغاري و خديجة البيضاوية و أغاني دوستي الهندية دون أن نرى في ذلك عبثا أو غزوا أو خطرا على إيماننا الطاهر البريء .. و لعبنا الهارمونيكا بحنين دفين.. و حفظنا الشعارات الثورية ما نردده سرا و ما نحفظه و لا نردده أبدا..و حفظنا أهازيج الأمازيغية و العربية بنفس الطيبة و الفرح..

جيل كان الوالدان يذهبان للسينما بلا حرج.. و يرددان أغاني الحب بحب مع الخالدين و أغاني الثورة بثورة و أناشيد الطفولة بطفولة معنا.

جيل كانت المشكاة و أنوال و العلم و العربي و المزمار و غيرها تصطف معا في جراب ساعي البريد يحضرها للبيت و ننتظر انتهاء الكبار منها لنتلقف ما فيها و نقرأ دون بحث عن بطولة أو انتصار أو عداء لأحد …

جيل كانت المكتبة و الكتاب جزءا من العائلة و كانت الأسر الأغنى هي من يقيم العدد الكبير من الكتب بين أهلها..

جيل كان فيه نجيب محفوظ و إحسان عبد القدوس و محمد شكري و فاضل السباعي و عائشة بنت الشاطئ و لال نهرو و ماو تسيتونغ و سيد قطب و نيتشه و الحلاج و ابن سينا و المنفلوطي و الجاحظ و آرثر رامبو و بودلير و هيكل و مختار السوسي و علال الفاسي و غيرهم يسكنون في نفس مكتبة البيت و مد يدك حيث شئت و اقرأ.. المهم ان تقرأ و أن تقرأ لكل هؤلاء..

نحن جيل كنا لا نسأل عن انتماءات الأهل أو الجيران أو المعارف لنحبهم بل كنا نحب الجميع و نحترمهم بنفس القدر..

نحن جيل لعبنا بلا لعب بل ألعابا تتطلب مهارات البدن و التخطيط.. لعبنا حابة و دينيفري أما الكرة فكانت ترفا نادرا..لعبنا معا، البنات و البنون.. ألعابا فيها الخصومة و فيها الفريق..و فيها شرف اللعبة و شرف الانتصار و الهزيمة بنفس القدر.. ألعابنا كنا نمقت فيها صفة الغش و لا يرضى بها أحد و يصرخ الكل “تفو على الغشاش”..

نحن جيل لم يمنعنا ركوب السيارات على ندرتها و سكن العمارات على وجاهتها أن نشتغل مع أهلنا في الحقول في العطل و نركب الحمير و نحلب الشاة و المعزة و نبعد العصافير بالحجارة و الصراخ عن المحاصيل..

نحن جيل لم نرم الطعام و إن وجدنا الخبز الجاف في الطريق حملناه و قبلناه قبل أن نضعه بعيدا عن خطو الأرجل…
جيل اقتسمنا طعامنا مع الجيران حتى لا تتألم شهيتهم بروائح مطبخنا…

جيل اقتسمنا طعامنا مع الكلاب و القطط و الدجاج و الحمام بحب على قلته..

نحن جيل تعلمنا في البيادر أن المحاصيل يجب وزنها ليس للأهل و لكن لإخراج العشور و الزكاة للسائل و المحروم حتى لا يدخل لمخزون البيت و نحمله ليلا إليهم و هم نيام حتى لا نحرجهم…

نحن جيل المنشفة و المداد و المحبرة و ريشة العربية و الفرنسية و العصا في البيت و القسم و الحي بلا ضغينة أو تمسح بمسوح الحقوق .. نحن جيل تساوينا في اللباس في المدارس لأننا غطيناه بالمأزر..

نحن جيل، و إن سكن العواصم و جاب العالم، لا زال لا يدخل الغرف بالأحذية و لا يحملق في البيوت حين دخولها و لا يحكي عن موائدها بعد الخروج منها..

ما أبسط الأمس و ما أعقد اليوم..

نحن جيل لا زلنا نبحث عن المعرفة و إذا وجدنا من له علم نافع نخلع الأحذية و نفترش الحصير و نسمع له، لعلنا ننقذ روحنا من التلف!

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك