منتدى العمق

كتاب الدكتور الجيلالي العدناني.. نحو إعادة كتابة التاريخ الوطني المعاصر والراهن بطابع أكاديمي رصين

مازال البحث العلمي في مجال الدراسات التاريخية بالمغرب غير مكتمل خصوصا اذا ما تعلق الأمر بالغوص ببعض القضايا الدقيقة فيه، ولا نستغرب اذا ما تم المقارنة بين المختبرات العلمية بالعلوم الإنسانية عموما وبالتاريخ خصوصا ببلاد ما وراء الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط وكيف تم الاهتمام بالكيف ومدى ارتباط القيمة الفكرية بالإنتاج العلمي الأكاديمي ولكن أمام كل ما سبق هناك من المفكرين والباحثين الذين استطاعوا بحسهم ومسؤوليتهم وأدوارهم كل من موقعه أن يساهم في ملء الفراغات وإعادة انتاج مادة معرفية ترتقي مع ما تتطلب بلادنا من تطورات في أصعدة عدة خصوصا وأن مخلفات ما قبل 1956م، ما زالت ترخى بظلالها علينا.

نحو إعادة إنتاج كتابات حول التاريخ الوطني المعاصر والراهن بطابع أكاديمي رصين، عنوان المؤلف الذي بين أيدينا. هذا ما نستشفه من خلال كتاب الدكتور الجيلالي العدناني المعنون: ” Le Sahara à l’épreuve de la colonisation: un nouveau regard sur les questions territoriales” الصحراء في المحك الاستعماري: نظرة جديدة إلى القضايا الترابية.

يشمل الكتاب على 415 صفحة، ويتكون من تقديم الباحث المرموق” Grigori Lazarev “، الى جانب مقدمة الكتاب وثمانية فصول وخاتمة وملحق هام للوثائق التي ميزت وحددت قيمة المؤلف الأكاديمي داخل الأبحاث التاريخية الراهنة. وتسليط الضوء على أهم المحطات التاريخية في مسار الوحدة الترابية من منزلقات تاريخية ومنعطفات مفصلية ودقيقة تستدعى تملك ناصية المقومات الفكرية والمنهجية وهذا ما كان حاضرا بشهادة المفكر الذي أشاد بالعمل لضخامة المحتوى وقيمته العلمية حيث استند على ربائد ووثائق وملفات متنوعة من حيث المصدر سواء من مراكز الأرشيف الفرنسي الموريتاني السينغالي والمالي أيضا وذلك حرصا على تقديم مساءلة تاريخية حول قضية الصحراء خصوصا في الفترة المرتبطة من 1948-1975 فترة تميزت بحمولة على بلادنا وعلاقاتها بالقوى الاستعمارية أنداك خصوصا الجانب الفرنسي ، في الحقيقة لا يسعفني القول في هذا المقال الذي هدفه تسليط الضوء على النتاج الفكري ليس في حقل التاريخ بل حتى في العلوم السياسية باعتبار العمل مرافعة موضوعية استحضر بها الجانب التوثيقي واضعا من صاغه خصوصا الجانب الفرنسي في وضعية يستحضر عليها تحمل مسؤولياته التاريخية حول النزاع المفتعل بالصحراء أولا، وكيف وضفت الجانب الجزائري في لعبة القوى الإمبريالية وتغلغلها في الجانب الأطلسي ثانيا.

حيث أصبح فصلا جديدا من فصول الصراع بين الغرب والشرق وبتالي فتح الباب أمام طرح إشكالية الاستعمار الجديد ببلادنا.

في هذا الجانب، لا يمكن إغفال بعض الكتابات التي حاولت ربط الصحراء بمغربتيه كما فعل المؤرخ ابن عزوز حكيم، حيث اعتمدت عليها الدبلوماسية الوطنية لسنوات عدة في المحافل الدولية ولكن من الجانب الأكاديمي لم يعزز المؤرخ السالف الذكر الكتابة التاريخية بمصادر وملفات دقيقة وحاسمة (الأرشيف الفرنسي المالي نموذجا…) اضافة الى غياب الجانب الأكاديمي المتمثل في إعادة انتاج كتابة تاريخية نقدية – حاسمة. دون العودة بقضية الصحراء الى حقب تاريخية بعيدة التي لا تطرح في الحقيقة أي مجال للشك ولكن العمل الذي بين أيدينا عمل ضخم وشاق ومركب استغرق صاحبه سنوات من التنقيب من اجل إعادة ومساءلة الحدث التاريخي وذلك من خلال دور البعد الجغرافي الأطلسي في أطماع القوى الكلاسيكية الاستعمارية. توظيف بلدان الجوار كأطراف داخل اللعبة الاستعمارية خصوصا فرنسا التي وظفت الجزائر في قضية الحدود طيلة عقود، دور المقاومة الصحراوية ككل في الدفاع عن القضية الوطنية مع بداية التسرب الاستعماري، ازدواجية الخطاب الاستعماري الذي يفتقد إلى مصداقية علمية في الموضوع وغيرها.

تأصيلا للموضوع ألقى الأستاذ الجيلالي العدناني، الضوء على دور الاتفاقيات غير المتكافئة منذ 1844 خصوصا حيث تعمدت فرنسا تجنب رسم الحدود الشرقية انطلاقا من فكيك نحو الجنوب، وصنفوا الأراضي والأقاليم المغربية الشاسعة في إطار الصحراء الجرداء، استطاع المؤلف في هذا الصدد الوقوف حول تضارب المواقف في الكتابات الفرنسية التي أكدت عن طريق المستكشفين بكون أرض الصحراء أرض مغربية، ليتنكروا بعد ذلك بكونها أراضي جرداء غير تابعة للإيالة الشريفة. وللعودة للمراكز والأرشيف يتضح أن الكتابات الفرنسية بعيدة عن الواقعية العلمية خصوصا إغفالها بيعة القبائل الصحراوية ككل، للسلطان طيلة عقود إلى حدود فترة الحماية. ولكن فرنسا كان لها رأيا أخر اتجاه القضية، حيث نهجت سياسة الالتباس والغموض والازدواجية لتجعل من المناطق الصحراوية ورشا مفتوحا على جميع التطورات. خصوصا الجانب الأطلسي منه باعتباره نقطة إلتقاء المصالح الاستعمارية حوله. وهذا ما حدث سنة 1957 عندما قامت السلطات الاستعمارية بتحويل التخوم الجزائرية الموريتانية المغربية إلى منطقة مشتركة للأقاليم الصحراوية.

أما بخصوص الجزائر فلم تنفع سياسة حسن الجوار والاطمئنان المستمر للجانب المغربي لها، حيث كانت سياستها حريصة جدا منذ استقلالها على الجاهزية والقابلية للتطوير وتوسيع الإرث الاستعماري الفرنسي بالمنطقة، حيث عملت فرنسا منذ الثورة الجزائرية على رسم المعالم المستقبلية للمنطقة حيث انخرطت بعض القبائل الصحراوية التابعة للنفوذ الجزائري في تحقيق مشروع تندوف بخلق تنظيم وكيان يدبر شؤون بعض القبائل أطلقت عليهم لفظ الحركيين ( وهم قرويين جزائريين جندتهم القوات الاستعمارية الفرنسية ضد المغاربة عموما والوحدة الترابية خصوصا.

مجموعة من القضايا التي استطاع الأستاذ العدناني الإجابة عنها وفي هذا الصدد لا يمكن الختم دون الملاحظة القيمة التي أدلى بها الكاتب والباحث المرموق ” Grigori Lazarev ” في صفحات الكتاب ، ” بكون المؤرخ الجيلالي العدناني استطاع بحرفية إعادة التفكير انطلاقا من التاريخ. في مواقف متباعدة ومحاولة قبول الحقائق بموضوعية رغم مساراتها الصعبة ومحاولة تجديد الحوار حول القضية بشكل جيد وبأنبل معنى لمهنة المؤرخ”.

أخيرا يمكن القول بكون الدراسات التاريخية الرصينة التي تساهم في ملء الفراغات حول بعض القضايا الدقيقة في تاريخ المغرب المعاصر أو الراهن على حد سواء، شحيحة جدا من حيث الكيف، خصوصا إذا ما تعلق الأمر ببعض الفترات الهامة التي مازالت ترخى بظلالها على الجانب السياسي والاقتصادي بل النفسي -الاجتماعي أيضا. ومن بينها قضية الصحراء الوطنية التي مازالت تثير جدلا واسعا سواء داخل الأوساط السياسية الوطنية، والإقليمية والعالمية. وهي القضية التي عمرت لأزيد من عقود فكان الغوص وإعادة تركيب وتفكيك جزئياتها عملا استطاع الدكتور الجيلالي العدناني التطرق له والإجابة عن بعض محاوره الشائكة من خلال كتابه الذي يعد إضافة نوعية للكتابة التاريخية بالمكتبة الوطنية والعربية على حد سواء.

* بقلم: مهدي الخمال، أستاذ التعليم الثانوي الثاهيلي مادة التاريخ والجغرافيا / طالب باحث بسلك الدكتوراة كلية الآداب بجامعة محمد الخامس الرباط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *