أدب وفنون

التدافع على رواية “المسلم” بمعرض الكتاب الدولي بالرباط.. أزمة كتابة أم أزمة قراءة؟

أثارت واقعة التدافع والازدحام باليوم الثالث من أيام المعرض الدولي للكتاب بالرباط، لنيل عدد من الشباب والمراهقين “شرف” توقيع روايات من طرف كاتبها السعودي، أسامة المسلم، ردود فعل متباينة بين من عارض وانتقد الفوضى التي خلفها الحفل وبين من رأى فيها أملا في تجاوز أزمة القراءة التي يعيشها العالم العربي والمغاربي.

فئة أخرى، عابت على السعودي أسامة المسلم، واعتبرته مجرد “مؤثر” على مواقع التواصل الاجتماعي، كما انتقدت  اعتماده على التسويق لروايته على منصات التواصل الاجتماعي، فيما مارس آخرون “وصاية أبوية” على جمهوره و”وصاية أدبية” على إنتاجاته ومدى عمقها الفني وقوة متنها الحكائي. مما قادنا للتساؤل: هل نحن بصدد أزمة كتابة أم أزمة قراءة؟

ضد تهكم المثقفين

الشاعر والروائي المغربي، عبد الرحيم الخصار، في حديث له مع جريدة “العمق”، اعتبر ما وقع من ازدحام في معرض الكتاب وحالة تدافع الشباب والمراهقين من أجل توقيع روايات الكاتب السعودي أسامة المسلم، “لا يشكل أية أزمة”.

وذهب الخصار، إلى أكثر من ذلك، بعد وصفه ما وقع “بالطبيعي والعادي”، مبرزا أنه “ضد تهكم المثقفين الكبار على هذا النوع من الأدب وعلى هذا الكتاب وعلى هذه الظاهرة”.

وأشار المتحدث إلى ضرورة فهم طبيعة هؤلاء القراء الشباب، وأنهم مراهقون بين 12 و16 سنة، أو 20 سنة على أقصى تقدير. متسائلا بالقول: ماذا نريد منهم أن يقرءوا، هل بالضرورة روايات ماركيز مثلا أو الروبيات الفكرية؟

وأضاف أن هذه الفئة من الشباب والمراهقين يحبون هذا النوع من الأدب، وهذا موجود في كل بلدان العالم، مشيرا في هذا الصدد لعدم انتقاد روايات هاري بوتر مثلا، وهي رواية تباع بالملايين.

المصالحة لا التنفير من الكتاب

وقال الشاعر المغربي، الخصار، إن المطلوب في هذه الحالة، هو توجيه الشباب، كآباء أولا وكمثقفين ثانيا، بشكل تدريجي على حب الأدب، وأن لا نعنّفهم لغويا والمساهمة في تنفيرهم من الكتاب.

وأضاف أن الروائي السعودي، أسامة المسلم، “له الفضل في القيام بمصالحة للشباب مع الكتاب والأدب”، مستدركا كلامه بالقول: “بغض النظر عن القيمة الأدبية والفنية لهذا الكتاب، لذلك أقول إنها ظاهرة عادية وطبيعية، حتى لا أقول ظاهرة إيجابية وأُحاكم”.

وزاد الخصار القول، إنه من المفروض ترك هؤلاء الشباب يقرأون أدب الرعب والفانتازيا وقصص الجن وغيره ذو الأسلوب البسيط الذي يشبه الأدب الشعبي المقروء، وبعد مرور السنوات؛ بفضل الدراسة الجامعية والمعرفة المتراكمة والخبرة والقراءة، قد يصبحون قراء لأدب آخر أكثر عمقا وفيه اشتغال أكبر.

الكُتاب الكِتاب و”الماركوتينغ”

الشاعر والروائي المغربي، لم يبدي اقتناعه بالطريقة التي روج لها الكاتب السعودي لرواياته بالمعرض الدولي للكتاب، وقال في تصريح لجريدة “العمق”، إنه ضد أساليب الافتعال وضد بعض الأمور المرتبطة بالتسويق والترويج، مردفا أن الكاتب يجب عليه الاهتمام بالكتاب أكثر من الجوانب التجارية.

واسترسل الخصار القول: إننا نعيش اليوم في زمن التسويق بامتياز، الشباب يروجون المحتويات على نطاق واسع، على غض الطرف على قيمتها، ويجنون وراء ذلك أرباحا مهمة. والروائي السعودي يؤمن في نظري بهذه الفلسفة، وهذه طريقته، أنا اختلف معه لكنها تبقى طريقته الخاصة.

وزاد المتحدث في التصريح ذاته، قائلا: لا يمكنني شخصيا القيام بتسويق الأدب عن طريق “تيك توك” أو منصات غير أدبية وثقافية، لأنني أرى أن قارئ الأدب سيبحث عنه في القنوات الخاصة به.

وأردف أنه ليست وظيفته ككاتب أن يقوم بالتسويق والترويج، بل هذه وظيفة الناشر، و”أنا كسول في هذا الجانب موقفا وليس سلوكا، فأنا كاتب والتسويق ليس وظيفتي بل هناك أشخاص متخصصون في ذلك”.

أزمة كتابة أم أزمة قراءة؟

من الدروس التي يمكن تعلمها من واقعة الازدحام الذي شهده المعرض الدولي للكتاب بالرباط، حسب الدكتور النفسي، محمد سعيد الكرعاني، أن الجمهور المحتمل لشراء الكتب وقراءتها موجود بقدر معقول رغم هيمنة الفضاء الرقمي.

ورجح الكرعاني، أن يكون “الشح في العرض وقلة الأقلام العربية، وغياب التنويع في أنماط الكتابة”، هو ما يفسر بعضا من العزوف عن القراءة الذي يعرفه المجتمع العربي والمغربي على خلاف مجتمعات أخرى أكثر رقمنة منا.

وسجل الكرعاني، في حديثه “للعمق”، “ضعفا لدى المكتبات المغربية في تنويع معروضاتها المقدمة للأطفال باللغة العربية، مقابل تنوعه باللغات الأجنبية الأخرى”.

صناعة أقلام تؤمن بالكلمة

وقال الكرعاني إن الروايات التي يقدمها أسامة المسلم تلبي شغف المراهقين بالإثارة والتشويق الذي توفره روايات الخيال والسحر والجن. لكن يظل الدرس الذي نحتاج تعلمه، هو صناعة أقلام عربية مؤمنة برسالة الكتاب والكلمة وقادرة على تنويع العرض والمواضيع وتقريب القضايا المتعلقة بالقيم في قالب متنوع وقريب من وجدان الطفل والمراهق.

وأشار محمد سعيد، إلى أن ما قام به المفكر المصري، عبد الوهاب المسيري، وأنه لم ينسى الكتابة للطفل والمراهق رغم أن مشروعه الفكري فلسفي واجتماعي بالدرجة الأولى.

دعوة للاهتمام بالأطفال

وزاد المتحدث أن المسيري كتب للكبار وكتب أيضا للأطفال في نفس القضايا والمواضيع ولكن في قالب قصصي يراعي المرحلة العمرية ويساعد الطفل والمراهق على بناء الموقف الأخلاقي من قضايا العدالة والكرامة الإنسانية منذ الصغر، حتى لا ينشأ فارغا من هذه المضامين، وينصهر في بوتقة الاستهلاكية العقيمة من المعنى.

كما نبه الطبيب النفساني، إلى أن المزيد من الإغفال لمكتبة الطفل والمراهق العربي، يهدد بتعميق أزمة القيم عند الأجيال الصاعدة ورسالتها في الحياة.

واعتبر الكرعاني، الكتابة العربية المتنوعة في عرضها ومواضيعها والمتكيفة مع الفئات العمرية الصغيرة، واحدة من مداخل النهوض بالإنسان العربي الصاعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • احمد حميدو
    منذ شهر واحد

    انا مع رأي الروائي المغربي عبد الرحيم الحصار فالظاهرة غير معيبة، ولكل ميولاته فيما يختار للقراءة وما يعشق أو كما يقال لكل راس طناطينه. وحتما ستتطور هذه المقولات وتنضج. فهل سنوجه حتى القراء لنوع معين من الكتب? يكفي التدجين وسياسة القطيع وما لها من سلبيات في أمور أخرى. وحتى السؤال المطروح هل هي أزمة قراءة ام أزمة كتابة لا علاقة لها بالحدث ولا يمكن أن يجيب الحدث عنها فهو سؤال بعيد كل البعد عن هذا الحدث.

  • احمد حميدو
    منذ شهر واحد

    انا مع رأي الروائي المغربي عبد الرحيم الحصار فالظاهرة غير معيبة، ولكل ميولاته وما يعشق أو كما يقال لكل راس طناطينه. فهل سنوجه حتى القراء لنوع معين من الكتب? يكفي التدخين وسياسة القطيع وما لها من سلبيات في أمور أخرى. وحتى السؤال المطروح هل هي أزمة قراءة ام أزمة كتابة لا علاقة لها بالحدث ولا يمكن أن يجيب الحدث عنها فهو سؤال بعيد كل البعد عن هذا الحدث.

  • الرباطية
    منذ شهر واحد

    تحليل في المستوى، القراء موجودون و بكثرة و لكن الأزمة في المحتوى الذي يناسب حسب الفئة العمرية و الثقافية، و فعلا قد يبدأ الشخص في بداية عمره بقراءة كتب الخيال و الفنتازيا ثم ينتقل بالتدريج الى الكتب الأكثر عمقا عندما يتعلم ثقافة القراءة سوف يصبح بالضرورة اكثر انتقاء