الانتقاء المسبق للمنتخبين.. أول الغيث قطرة

لا يختلف اثنان في أن الديمقراطية في أبسط تعريف لها هي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه؛ تبتدئنظريا باختيار المرشحين وتنتهي بتنصيب الحكومة.وفي تفاصيل الاختيار والتنصيب يكمن شيطان الإنس قبل الجن، وتكمن جدلية الرفض والقبول، وثنائية الحق والباطل، وتناقض الواقع والمثالية، وتكمن تفاصيلالجدال السياسي برمته، والعملية الديمقراطية، ضمن هذا الجدال، في أقصى صورها.
في ظل تطور مفهوم الدولة ووظائفها، ومع ازياد وعي المواطنين بحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية…وضمن التحولات الكبرى التي يعرفها العالم من حولنا، وفي ظل الأخطار المحدقة بالأوطان مثل الإرهاب والجريمة والتهريب والهجرة غير النظامية…
في ظل كل ذلك؛ بات من الضروري على المنتخَبين أو النواب البرلمانيين المفترضين، ومن ورائهم الأحزاب،اليوم قبل الغد،الجواب على مجموعة من الأسئلة وترجمتها على أرض الواقع. ذلك أنه لم يعد دور المنتخَبين اليوم مقتصرا على التشريع للمطالب الخبزية للمواطنين، وتيسير حق الحصول على الوثائق الإدارية، أو حق الرخص ونظافة الأحياء وإنارتها… هذه لا محالة حقوق من حقوق المواطنين، وواجب من واجبات المنتخَبين؛ هي تحصيل حاصل.. بل بات دورهم الانخراط في الأوراش الكبرى لمصلحة الوطن والمواطنين؛أوراش ذات الأبعادالاستراتيجية والتنموية والتربوية… والتنظير للديمقراطية الحقة أيضا.
إن الشعب يريد من الأحزاب أن تختار القادر على إيصال صوت الناخبين الذين يمثلهم في المؤسسة التشريعية؛ ومن ثم يتطلب منه الأمر التوفر على أسلوب يتسم بالحجة والبيان والمنطق والصدق؛ لاستقطاب الأصوات والحيلولة دون مقاطعة الانتخابات؛ لأن المقاطعة قد تخدم مصلحة المنتخبين الكسالى والانتهازيين والذين يعيشون على تصيد الفرص، وأولئك الذين استماتوا على تخفيض العتبة.
إن الشعب يريد من الأحزاب أن تدفع بالوجوه الجديدة في مبادرة لتجديد النخب؛ وجوه تشكل أفضل خلف لخير سلف، تمسك بقصب السبق بيد من حديد في أمور التدبير والتشريع، وتحمل بين ثناياها تصورات واضحة وهادفة وشاملة، ومسلحة بسمعة طيبة خالية من الظنون والشبهات.
إن الشعب يريد من الأحزاب أن تمنح التزكية للكفاءات التي تتوفر على مستوى كاف من التعليم والتكوين يؤهلها لاستيعاب أمور التشريع ويؤهلها لتجويد القوانين؛ وذلك لمواكبة التحديات التي تواجه البلاد على كافة المستويات.
إن الشعب يريد من الأحزاب أن تنفتح على الكاريزماوالطاقات المتوفرة على الحس الوطني؛ والتي تعتبر المصالح الوطنية فوق كل اعتبار.
الشعب لا يريد الاختيار الأسوء؛ الذي يتم أساس عرقي أو قبلي أو عائلي أو نفعي أو ريعي. لإن مثل هذا الاختيار هو الذي اغتال طموح المخلصين والأكفاء، هو من ذبح إرادة النزهاء الشرفاء. هو من يفسح المجال بعد ذلك أمام الانتهازيين والوصوليين؛ والذين يقامرون بقضايا الوطن والمواطنين.
الشعب يريد نوابا ولا يريد نواما في قبة مجهزة بأحدث المكيفات والأرائك الوثيرة.
إن الأحزاب التي تحترم إرادة المواطنين، وتحترم الوطن تلجأ إلى المساطر والآليات الديمقراطية وتعود إلى القواعد لاختيار المرشحين، وإلى الانتقاء المسبق،هذا في الوقت الذي تختزل فيه الأحزاب المترهلة أو الوهمية أو شبه الأحزاب؛تفاصيل اختيار القوائم في التعيينات المباشرة للأبناء والأصهار وذوي المال والجاه “مول الشكارة” و”باك خو صاحبي” و”مول الباش”، وتمنح التزكياتتحت الطاولة،وفي ظلام الليل الحالك،وفي ردهات البنايات الفخمة،وداخلالسيارات الفارهة،أو حتى في المقاهي الشعبية… ينتج عن ذلك غضب وسخط هاهنا، وانسحاب وانشقاق هنالك.. يتم ذلك كله قبل الإعلان عن القوائم النهائية، في مشهد حقيقي وصارم، في مقرات الأحزاب وأمام وسائل الإعلام وأنظار الرأي العام.
إن أمر منح التزكية للمرشحين المؤهلين علميا والأكفاء والنزهاء والأمناء، واختيارهم وفق ضوابط علمية وأسس موضوعية؛ يتولد عنه شعور المواطن بالأهمية والفاعلية ومن ثم بالمواطنة الصادقة، هو لبنة من لبنات استكمال كل أركان الديمقراطية الحقة. والانتخابات ليست إلا واحدة من هذه الأركان.