العنف ضد أجهزة إنفاذ القانون.. هل نحن أمام نمط جديد من “التطرف”؟
لم تعد بعض الوقائع الأخيرة في المغرب تُقرأ فقط باعتبارها احتجاجات خرجت عن السيطرة أو احتكاكات عابرة بين الساكنة والسلطات العمومية. ما يفرض نفسه اليوم هو شيء أعمق من ذلك. نحن أمام مشاهد تتكرر بصيغ مختلفة، لكنها تلتقي في نقطة واحدة، وهي الانتقال السريع من التذمر أو الاعتراض إلى رشق القوات العمومية بالحجارة، أو مهاجمة عناصر الأمن والدرك والسلطة أثناء أداء مهامهم، ثم الانتقال بعد ذلك إلى مرحلة ثانية لا تقل خطورة عن الفعل نفسه، وهي مرحلة تليين صورته وتقديمه كما لو كان نتيجة مفهومة أو شبه طبيعية.
في الدار البيضاء، أظهرت واقعة عين برجة خلال الأيام الأخيرة كيف يمكن لعملية ميدانية مرتبطة بإجراءات الهدم أن تتحول إلى مواجهات مباشرة مع القوات العمومية، مع رشق بالحجارة وتوقيفات في صفوف المشتبه في تورطهم في أعمال العنف وعرقلة التنفيذ.
وقبلها بأسابيع، عرفت جماعة سيدي عيسى بن سليمان بإقليم قلعة السراغنة مواجهات عنيفة خلال تنفيذ حكم قضائي يتعلق بفتح مسلك طرقي نحو مقلع أحجار، وهي الأحداث التي خلفت إصابات في صفوف الدرك الملكي والقوات المساعدة، من بينها إصابة بليغة لقائد سرية الدرك. وهنا يجب تثبيت نقطة أساسية، وهي أن ما جرى لم يكن مجرد خلاف محلي أو اعتراض على شخص بعينه، بل مواجهة ميدانية مع أجهزة إنفاذ القانون وهي تنفذ قرارا صادرا عن القضاء عبر مؤسسات الدولة المختصة.
ولم تكن هذه الوقائع معزولة. ففي خريف 2025، انزلقت احتجاجات ما سمي بـ”جيلZ” في عدد من المدن إلى أعمال عنف وتخريب ومواجهات مع القوات العمومية، مع إصابات كثيرة في صفوف العناصر الأمنية وتوقيفات واسعة ومتابعات قضائية. وخلال الفترة نفسها، شهدت القليعة أحداثا خطيرة انتهت إلى هجوم على مركز للدرك الملكي، بينما تحولت احتفالات عاشوراء في سلا قبل ذلك إلى ساحة شغب ومواجهات مباشرة مع القوات العمومية. هذه الوقائع، حين تُقرأ مجتمعة لا منفصلة، تكشف أننا أمام نمط يتكرر، عنوانه أن جزءا من مما يوصف بـ”الغضب الاجتماعي” أو المحلي صار يجد طريقه، بسهولة مقلقة، إلى العنف ضد أجهزة إنفاذ القانون.
المعضلة هنا لا تتعلق فقط بالفعل المادي، بل بالخلفية الذهنية التي تسبقه وتبرره وتعيد إنتاجه. فليست كل مظلمة اجتماعية أو عقارية أو معيشية تتحول تلقائيا إلى رشق للحجارة أو اعتداء على عناصر الأمن أو الدرك أو السلطة. بين وجود مظلمة (“حقيقية”) وبين وقوع العنف مسافة يملؤها خطاب متراكم، وتصور معين للدولة، وطريقة مخصوصة في النظر إلى مؤسساتها وأجهزتها الميدانية.
وهذه هي الفكرة التي تستحق أن توضع في قلب النقاش، لأن ما نشهده في بعض هذه الوقائع يقترب من شكل جديد من أشكال التطرف، لا بالمعنى التقليدي المرتبط بتنظيمات عقائدية مغلقة، بل بمعنى قيام تصور عدائي للدولة يجعل استهداف أجهزتها التنفيذية فعلا قابلا للتفهم أو التبرير أو حتى التبييض.
هذا النمط لا يولد من فراغ، كما أنه لا يخرج دائما من رحم عقيدة صلبة أو تيار معلن. إنه يُنتج تدريجيا داخل بيئات خطابية ورقمية وإعلامية تعمل على تغذية السخط ونزع الشرعية الرمزية عن المؤسسات. فحين تتكرر الرسائل التي تقول إن الدولة لا تفهم إلا لغة القوة، أو إن أجهزتها ليست سوى أدوات ظلم، أو إن القانون مجرد ستار لخدمة “نافذين”، أو إن كل تدخل أمني هو قمع بالضرورة، فإن هذه الرسائل لا تحرض دائما بشكل مباشر على رشق الحجارة، لكنها تنجز وظيفة أكثر خطورة، لأنها تهيئ المناخ النفسي والأخلاقي الذي يجعل العنف قابلا للتصور، ثم قابلا للتبرير، ثم قابلا للتكرار.
وفي هذا المستوى بالذات، لا ينبغي الاستهانة بدور بعض الفضاءات الرقمية التي تحولت إلى غرف شحن وتعبئة وتضخيم. فجزء من موجات الغضب الأخيرة لم يكن مجرد غضب ميداني خام، بل أيضا تعبئة رقمية سريعة ومكثفة، قادرة على نقل الانفعال من مستوى الشكوى إلى مستوى الاصطفاف، ثم إلى مستوى المواجهة. وهذه نقطة حاسمة، لأننا نعيش في زمن لم تعد فيه صناعة العدمية تحتاج إلى تنظيم كبير أو قيادة معلنة. يكفي أحيانا تراكم الرسائل والمنشورات والبثوث والتعليقات التي تشتغل كلها في اتجاه واحد، وهو ترسيخ فكرة أن المؤسسات فاقدة للمشروعية، وأن مواجهتها ليست فقط مفهومة، بل تكاد تكون واجبا أخلاقيا لدى بعض المتلقين.
بعد ذلك يأتي دور بعض الأصوات الإعلامية أو شبه الإعلامية التي تسهم (غالبا بقصد وبنية مبيتة)، في تبييض النتيجة بعد وقوعها. ويتم ذلك غالبا عبر ثلاث آليات واضحة. أولها حصر الحدث في خلفيته الاجتماعية أو العقارية أو المطلبية، وكأن هذا وحده يكفي لتفسير كل ما تلاه. وثانيها تحويل التركيز كله نحو خطأ الدولة المفترض، مع تهميش حقيقة أن موظفين عموميين تعرضوا للرشق أو الإصابة أثناء قيامهم بمهامهم. وثالثها استعمال لغة رخوة في وصف الاعتداءات، بحيث يصبح العنف مجرد احتقان أو تدافع أو انفلات، بينما يضيع المعنى الصريح للعدوان على أجهزة إنفاذ القانون داخل ضباب المفردات الملطفة.
ولا يعني ذلك، طبعا، إنكار وجود مظالم أو أخطاء أو سوء تدبير في بعض الملفات. هذا تبسيط معاكس لا يقل سوءا عن التبرير. في ملفات الهدم، أو الملك العقاري، أو النزاعات المحلية، أو الأوضاع الاجتماعية، توجد أحيانا أسئلة حقيقية حول التوقيت، والتواصل، والوساطة، والبدائل، وطريقة التدخل.
لكن الاعتراف بهذه الأسئلة لا يجيز القفز فوق سؤال آخر أكثر حساسية، وهو لماذا صار جزء من الناس مستعدا للانتقال، بسرعة لافتة، من الاعتراض إلى استهداف أجهزة إنفاذ القانون نفسها. هنا لا يعود التفسير الاجتماعي وحده كافيا، لأن الفقر لا يرشق بالحجارة وحده، والاحتقان لا يصيب رجال الدرك في رؤوسهم وحده، والشعور بالغبن لا يحول وحده القضاء والسلطة والأمن إلى أعداء رمزيين يجب الانتقام منهم. ما يفعل ذلك هو شحن متراكم، وتلقين مستمر، وتطبيع ثقافي مع فكرة أن الدولة خصم مطلق.
لهذا يبدو ضروريا أن يُعاد توصيف بعض هذه الوقائع خارج الثنائية المستهلكة بين “الاحتجاج” و”القمع”. فما يجري في جزء من هذه الحالات أقرب إلى مزاج عدمي يتخذ من المظلومية مادة أولية، ثم يعيد صياغتها في اتجاه عداء مفتوح للمؤسسات. وهذا ما يفسر كيف يمكن أن تتعدد الذرائع وتختلف المناسبات، بينما يبقى الهدف العملي واحدا، وهو مهاجمة الدولة في صورتها الأقرب والأكثر حضورا على الأرض، أي أجهزة إنفاذ القانون التي تقوم بتنفيذ الأحكام، وحماية النظام العام، والسهر على احترام القانون.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اليد التي ترمي الحجر، بل أيضا في الكلمات التي تسبقه وترافقه وتبرره بعد وقوعه. تلك الكلمات التي تصنع، بهدوء وتكرار، بيئة ترى في الدولة عدوا، وفي القانون غطاء، وفي العنف وسيلة قابلة للتفهم، ثم تتفاجأ بعد ذلك بأن الحجارة صارت لغة متداولة لدى بعض “الغاضبين”. والحقيقة أن الحجارة لا تبدأ من الشارع. إنها تبدأ، في كثير من الأحيان، من الفكرة ومن “دعاة الحجارة” إن صح التعبير.
اترك تعليقاً