وجهة نظر

عندما تُختزل المرأة في مرآة الشرق والغرب

مرة أخرى تُستدعى المرأة إلى ساحة لا تخصها تماماً. تُستدعى لا بوصفها إنسانة، بل بوصفها رمزاً جاهزاً في معركة طويلة بين الشرق والغرب، بين الاستشراق والاستغراب، بين من يصف ومن يُدافع، وبين من يراقب ومن يرد. وفي كل مرة، تُختزل المرأة في صورة تُريح الخطاب… لكنها لا تُنصف الواقع. المفارقة الصارخة أن الخطابين المتقابلين، رغم ادعائهما الاختلاف، يقعان في الفخ نفسه: فخّ التبسيط. فبينما قدّم الاستشراق المرأة الشرقية ككائن محجوب داخل “حريم” مغلق، لا صوت له إلا ما يُسمح له به، ولم يرَ المرأة الشرقية في تعدد أدوارها الاجتماعية، بل حاصرها داخل صور جاهزة: المرأة الحبيسة، أو “المتعة”، أو الكائن الصامت خلف الأبواب المغلقة. هذه الصور انتشرت في الأدب والفن واللوحات، حتى أصبحت جزءاً من المخيال الغربي عن الشرق.

لكن هذا المخيال لم يكن بريئاً، إذ ارتبط في كثير من الأحيان برؤية استعمارية تعتبر الشرق فضاءً يحتاج إلى السيطرة، وكانت المرأة أحد أدوات هذا التمثيل الرمزي، لأنها الأكثر قدرة على إثارة الخيال وتثبيت الفكرة. أما في الاتجاه الاخر، فقد أعاد خطاب الإستغراب إنتاج نفس الآلية ولكن بشكل معاكس. ليُنتج صورة لا تقل اختزالًا: امرأة غربية “متحررة” حد الانفلات منفصلة عن القيم ومختزلة بدورها في الجسد والرغبة والسوق. هكذا لم تعد المرأة موضوعًا للفهم بل أصبحت أداة لإنتاج الأحكام. الغرب يرى في المرأة الشرقية دليلًا على “تخلّف الشرق” والشرق يرى في المرأة الغربية دليلًا على “فساد الغرب”. وفي كلا الحالتين يتم طمس الحقيقة البسيطة: أن المرأة ليست شعار حضاري ولا برهان إيديولوجي بل كائن اجتماعي حي متعدد التجارب والأدوار والاختيارات.

الأخطر في هذا التماثل بين الخطابين أنه يكشف عن عقلية واحدة بثوبين مختلفين: عقلية تبحث عن “الآخر” لا لتفهمه بل لتُعرّفه بما يخدم صورتها عن ذاتها. فتصير المرأة مساحة إسقاط يُعاد تشكيلها وفق الحاجة مرةً لتأكيد التفوق ومرةً للدفاع عن الهوية ومرةً لتبرير الخوف من المختلف.

لكن السؤال الذي ظل مؤجلاً طويلًا هو: أين المرأة في كل هذا الضجيج؟ أين تجربتها الحقيقية خارج هذه الأقنعة الثقافية؟ وأين صوتها في خطاب يتحدث عنها باستمرار دون أن ينصت إليها فعلياً؟ إن استمرار إعادة إنتاج هذه الصور النمطية سواء باسم الاستشراق أو باسم مقاومته لا يعني سوى شيء واحد: أن المعركة لم تكن يوماً حول فهم المرأة بل حول توظيفها. وهنا بالضبط تكمن الإشكالية الأخلاقية والمعرفية في آن واحد.

لقد آن الأوان للخروج من هذه الدائرة المغلقة فليس المطلوب استبدال صورة بأخرى ولا قلب الصورة النمطية بنقيضها بل تفكيك فكرة “الصورة” نفسها حين تتحول إلى بديل عن الإنسان. المرأة ليست شرقاً يُقارن بغرب، ولا غرباً يُقارن بشرق، بل واقع حيّ يهرب دائماً من قوالب الجاهزية. وما لم نعترف بذلك، سنظل نكتب عن المرأة… دون أن نراها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *