منتدى العمق

الأمن الوطني في ذكراه السبعين.. حفظ كرامة موظفي الأمن في صلب سياسة تخليق المرفق الشرطي

تزامنا مع الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، كشفت فعاليات الدورة السابعة لأيام الأبواب المفتوحة المنظمة بالرباط عن وجه إنساني واجتماعي لا يقل أهمية عن الواجهة المهنية والعملياتية للمؤسسة الأمنية، من خلال مبادرات اجتماعية موجهة إلى موظفي الأمن الوطني وأسرهم وذوي الحقوق، في لحظة بدا فيها واضحا أن الاحتفاء بتاريخ المؤسسة لا ينفصل عن العناية بمن خدموها أو فقدوا حياتهم أثناء أداء الواجب.

في هذا السياق، أشرف المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، يوم الثلاثاء 19 ماي 2026، على تسليم شقق سكنية لفائدة عشر أرامل لموظفي شرطة من شهداء الواجب، قضوا نحبهم أثناء مزاولة مهامهم في خدمة أمن الوطن والمواطنين. وقد جرى استقبال الأرامل المستفيدات بفضاء الأبواب المفتوحة للأمن الوطني بمدينة الرباط، في مبادرة تحمل دلالة اجتماعية واضحة، لأنها نقلت الوفاء لشهداء الواجب من مستوى التكريم الرمزي إلى إجراء عملي يمس السكن والاستقرار وكرامة الأسرة.

وفي اليوم نفسه، وقع عبد اللطيف حموشي، بصفته مديرا عاما للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، ومحمد فيكرات، رئيس المجلس الإداري لمؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة، اتفاقية تعاون تروم توفير خدمات صحية واجتماعية لفائدة منخرطي مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، ممن تعرضوا لإعاقات جسدية أو يعانون منها ويحتاجون إلى رعاية صحية وتكفل طبي خاص. وتفتح هذه الاتفاقية أمام المستفيدين إمكان الولوج إلى خدمات متخصصة تقدمها مراكز مؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة، تشمل التعليم والتكوين وتنمية المهارات، إلى جانب توفير المعدات الطبية وشبه الطبية الضرورية حسب طبيعة الحالات الصحية.

وتكتسب هاتان المبادرتان قيمتهما من كونهما لا تبدوان معزولتين عن مسار أوسع عرفته المديرية العامة للأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة. فقد جرى الاشتغال، بالتوازي، على تحديث المرفق الشرطي وتخليقه من جهة، وعلى تعزيز البعد الاجتماعي والإنساني لفائدة الموظفين وذويهم من جهة أخرى. وبهذا المعنى العملي، لم يعد إصلاح المؤسسة الأمنية مرتبطا فقط بالتكوين والتجهيز والرقمنة وتقوية النجاعة الميدانية، بل صار يشمل أيضا شروط العمل والحماية الاجتماعية والاستقرار الأسري والاعتراف بالتضحيات.

لقد ارتبطت مرحلة عبد اللطيف حموشي داخل المديرية العامة للأمن الوطني بترسيخ معادلة دقيقة تقوم على ربط الانضباط المهني بضمان الكرامة الاجتماعية. فالحرص على تخليق المرفق الشرطي، عبر آليات المراقبة والمحاسبة والتأديب وتكريس المسؤولية المهنية، سار في اتجاه مواز مع توسيع العرض الاجتماعي الموجه إلى نساء ورجال الأمن الوطني، سواء تعلق الأمر بالصحة أو السكن أو دعم الأسرة أو مواكبة المتقاعدين وذوي الحقوق. وتكشف هذه المعادلة أن الإدارة التي تطالب موظفيها بالصرامة واحترام القانون وتقديم خدمة عمومية عالية الجودة، تشتغل في الوقت نفسه على توفير سند اجتماعي يليق بطبيعة المهام التي يضطلعون بها.

وتبرز مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني كإحدى الواجهات الأساسية لهذا التوجه، بعدما تحولت إلى آلية مؤسساتية لتدبير الخدمات الاجتماعية والتضامنية لفائدة موظفي الشرطة العاملين والمتقاعدين وأفراد أسرهم. وقد شملت هذه الخدمات مجالات متعددة، من الصحة والترفيه والتخييم الصيفي والحج والمنح السنوية للتلاميذ المتفوقين، إلى الشراكات التجارية والبنكية والخدماتية، فضلا عن تخصيص فضاءات وبرامج ذات صلة بتكريم شهداء الواجب ومواكبة أسرهم.

ويكتسي إطلاق البوابة الإلكترونية الخاصة بهذه الخدمات، منذ فاتح يونيو 2024، أهمية خاصة ضمن هذا المسار، لأنها جعلت العرض الاجتماعي أكثر وضوحا وتنظيما وقربا من المستفيدين. فالموظف أو المتقاعد أو أحد ذوي الحقوق يحتاج إلى معرفة دقيقة بشروط الولوج إلى الخدمات ومساطر الاستفادة منها، بما يحول الرعاية الاجتماعية من مبادرات متفرقة إلى منظومة مؤسساتية قابلة للتتبع. لذلك يبدو تحديث الواجهة الاجتماعية جزءا من تحديث الإدارة الأمنية نفسها، لأن جودة التدبير لا تقاس فقط بسرعة التدخل الأمني أو نجاعة الأداء الميداني، بل تقاس أيضا بقدرة المؤسسة على تنظيم علاقتها الإنسانية بمنتسبيها.

وتحضر فئة شهداء الواجب في صلب هذه الرؤية، من خلال مسار اجتماعي لم يبدأ مع دورة هذه السنة، بل ترسخ عبر مبادرات سابقة استهدفت أرامل وأبناء وآباء موظفي الشرطة الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء المهام. ففي النسخة السادسة لأيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني سنة 2025، سبق تسليم عشر أرامل شققا سكنية في المدن التي عبّرن عن رغبتهن في الإقامة بها، إلى جانب تقديم منح مالية لآباء وأمهات موظفين من شهداء الواجب، قبل أن تتجدد المبادرة هذه السنة بتسليم شقق سكنية لعشر أرامل أخريات خلال دورة الرباط. ويمنح هذا الاستمرار معنى أوضح لفكرة الوفاء المؤسسي، لأن السكن لا يمثل دعما ظرفيا، بل يشكل أحد عناصر الاستقرار الأسري وحماية ذوي الحقوق من آثار الفقد الاجتماعي والمادي، ويجعل رعاية أسر شهداء الواجب التزاما ممتدا داخل سياسة اجتماعية أكثر انتظاما.

أما الاتفاقية الموقعة مع مؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة، فتضيف بعدا أكثر حساسية إلى هذا المسار، لأنها تنقل العناية الاجتماعية إلى مجال يحتاج إلى خبرة ومواكبة طويلة النفس. فالإعاقة الجسدية أو الوضعية الصحية الخاصة لا تعني فقط الحاجة إلى علاج أو معدات طبية، بل تحتاج أيضا إلى تكوين وتأهيل ومواكبة نفسية واجتماعية وتنمية للمهارات وإدماج في أنشطة رياضية وترفيهية وتعليمية. ومن خلال هذه الاتفاقية، تتسع دائرة الرعاية لتشمل الموظفين أو أفراد أسرهم الذين يحتاجون إلى تكفل خاص، بما ينسجم مع فكرة المؤسسة التي لا تترك منتسبيها وحدهم أمام الهشاشة أو المرض أو الإصابة.

هذه السياسة الاجتماعية لا يمكن فصلها عن مسار الثقة الذي راكمته المديرية العامة للأمن الوطني داخل المجتمع. فالمواطن لا يرى المؤسسة الأمنية فقط من خلال التدخلات الميدانية أو محاربة الجريمة أو تأمين التظاهرات الكبرى، بل يقرأ صورتها أيضا من خلال طريقة تعاملها مع نسائها ورجالها. وحين تظهر المؤسسة حريصة على كرامة موظفيها وأسرهم، فإنها تقدم صورة عن جهاز يعرف قيمة العنصر البشري ولا يختزل الشرطي في الزي أو الرتبة أو المهمة، بل يتعامل معه باعتباره مواطنا وموظفا ورب أسرة وفاعلا في خدمة الاستقرار العام.

وفي فعاليات أيام الأبواب المفتوحة، برز هذا المعنى بشكل واضح، لأن اللقاء بين الأمن والمواطن لم يقتصر على العروض التقنية والمهنية، بل امتد إلى الكشف عن العمق الاجتماعي للمؤسسة. فالزائر الذي يشاهد الفرق والتخصصات والتجهيزات يكتشف في الوقت نفسه أن وراء هذه الواجهة أسرا وموظفين ومتقاعدين وجرحى وشهداء واجب وذوي حقوق، وأن المؤسسة التي تعرض كفاءتها المهنية أمام العموم تفتح أيضا نافذة على التزاماتها الإنسانية تجاه بيتها الداخلي.

بعد سبعين سنة على تأسيس الأمن الوطني، تمنح هذه المبادرات صورة أكثر اكتمالا عن مسار المؤسسة. فقد راكمت المديرية العامة للأمن الوطني خبرة في حفظ النظام العام، ومكافحة الجريمة، والتصدي للتهديدات الإرهابية، وتأمين الأحداث الكبرى، وتطوير التواصل والانفتاح على المواطنين، لكنها راكمت أيضا وعيا متقدما بأن قوة الجهاز تبدأ من تماسك موارده البشرية وشعور موظفيه بأن تضحياتهم لا تضيع داخل الذاكرة الإدارية. وهذا الوعي هو ما يجعل البعد الاجتماعي جزءا من السياسة الأمنية بمعناها الواسع، لأن الأمن لا يصنع فقط بالوسائل والتقنيات، بل يصنع أيضا بالثقة والانتماء والاستقرار والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *