في تهافت العقلانية الإدارية ودحض أطروحة الاستثناء المسكوت عنه
رد على ادعاءات إدريس أجبالي وانتصار للمقترب الدستوري عند مصطفى السحيمي
مقدمة
تأتي المقالات الأخيرة لإدريس أجبالي (Quid.ma، سبتمبر 2026) في سياق محاولة إعادة رسم قواعد النقاش العمومي حول المشاركة والتمثيلية السياسية والمؤسساتية لمغاربة العالم. وقد حرص الكاتب وعضو مجلس الجالية المغربية بالخارج، متسلحاً بموقعه كمحلل سوسيولوجي وكتكنوقراط أديرت من مكتبه كواليس ملف الهجرة داخل مجلس الجالية (CCME) لسنوات طويلة، على تقديم خطابه في لبوس “العقلانية الباردة”، و”المعرفة الوثيقة بالملف”، والواقعية الميدانية، مُصنفاً كافة المبادرات والدراسات المقابلة — وفي مقدمتها المقترب الدستوري والرصين الذي ينادي به الخبير والمحلل السياسي الأستاذ مصطفى السحيمي — في خانة “الجدل الزائف”، و”الكسل الفكري”، و”الانسياق خلف موسمية إعلامية”.
غير أن التفكيك الدقيق لمنطق أجبالي يكشف أن هذه “العقلانية” المزعومة ليست سوى “أيديولوجيا تكنوقراطية تعطيلية”، تسعى لتبرير العجز التشريعي وتحويل الاستثناء غير الدستوري إلى قاعدة دائمة.
ولبناء هذا الطرح ونقض تهافت الموقف التعطيلي، تنتظم هذه الورقة التحليلية عبر محاور ثلاثة متكاملة: يتولى المحور الأول التفكيك المنهجي والأبيستمولوجي لادعاءات أجبالي عبر كشف المآزق الضمنية لـ “عقيدة الوصاية الإدارية” والاستغلال المبتسر للنماذج التاريخية والمقارنة؛ بينما يخصص المحور الثاني للانتصار الأكاديمي والسياسي لأطروحة الأستاذ مصطفى السحيمي القائمة على أولوية التأويل الديمقراطي للدستور وربط التمثيلية بالمواطنة الكاملة؛ لتخلص الورقة في محورها الثالث والتركيبي إلى وضع معالم رؤية استشرافية ترتقي بالقضية من أزمة الآليات التقنية إلى آفاق المساهمة الوطنية وتعبئة كفاءات الجالية في النموذج التنموي الشامل.
أولاً: تهافت “عقلانية المطلع” وتسفيه منطق الوصاية الإدارية
يسعى هذا المحور الأول إلى تشريح البناء المفهومي والأبيستمولوجي للنصين المنشورين لإدريس أجبالي، من خلال كشف خلفيات الخطاب الذي يتغطى بعباءة الواقعية السوسيولوجية والتجربة المؤسساتية، ليصوغ في الجوهر نسقاً دفاعياً يُشرعن عجز الآلية التشريعية ويُمارس وصاية فكرية على ديناميات الجالية.
تستند أطروحة أجبالي إلى منطق “الحارس الأمين للمعبد” الذي يعلم ما لا يعلمه العموم، وهي مقاربة تقع في منزلقات منهجية وسياسية حادة:
مصادرة على المطلوب وتبرير العجز التشريعي:
يذهب أجبالي إلى أن الحق في المواطنة محسوم بالفصل 17 من دستور 2011، وبالتالي فإن المطالبة بتفعيله عبر مقاعد نيابية أو أطر تمثيلية هو “تأطير خاطئ للمشكلة”. وهنا يقع الكاتب في تناقض صارخ: كيف يستقيم القول بأن الحق محسوم دستورياً، وفي الوقت نفسه يُدافع عن استمرار تعطيله الإجرائي لما يقارب عقدين من الزمن؟ إن اختزال قضية مبدئية في مجرد “صعوبات لوجستية” أو “مخاطر انتخابية” ليس عقلانية، بل هو تسويغ إداري لممارسات النكوص التشريعي.
عقيدة الوصاية وتحقير الديناميات المدنية:
يعمد أجبالي إلى اختزالية مجحفة حين يصف تنظيمات الجالية وفاعليها بالموسمية و”مهاجري الخدمة”، متجاهلاً كفاءات وديناميات المهاجرين التي حظيت بتوجيهات ملكية سامية صريحة. إن منطق أجبالي ينطلق من موقع متمركز حول المؤسسة التنفيذية التي ترى في كل حركة مدنية للرفع من التمثيلية مجرد “شغب سياسي”، وهو الموقف الذي ساهم تاريخياً في إحداث الفجوة بين المؤسسات الاستشارية والجالية.
الاستخدام المغرض للمقارنة التاريخية والدولية:
يحاول الكاتب نسج خرافة مفادها أن تجربة 1984 البرلمانية في المغرب كانت مجرد هندسة سلطوية فاشلة، وأن تجارب دول كـ “البرتغال وتونس” تجارب محفوفة بالمخاطر. بيد أن هذا الإسقاط يجتزئ السياقات: فتجربة 1984 أحدثتها الإرادة السياسية الملكية في زمن سياقي مختلف، بينما النماذج الدولية الناجحة تتطور عبر تحسين آليات الاقتراع (كالزيادة في الاقتراع الإلكتروني والدوائر القارية)، ولا تُتخذ ذريعة للإلغاء المطلق للحق السياسي.
في خلاصة هدا المحور، يتجلى تهافت “عقلانية المطلع” عند أجبالي في كونها تبريراً إدارياً ينقل الأزمة من مساحتها الحقيقية (غياب الإرادة التشريعية) إلى صراعات هامشية مع الفاعلين، مسقطاً العائق اللوجستي على المبدأ الدستوري الأصيل.
ثانياً: الانتصار لأطروحة السحيمي: الدستورية الوطنية والمواطنة غير المبتورة
يقدم هذا المحور تفكيكاً مقابلاً يُبرز مكامن القوة والتماسك في المقترب القانوني والدستوري الذي يدافع عنه الأستاذ مصطفى السحيمي، معللاً كيف يمثل هذا المقترب بوصلة أكاديمية ووطنية تلتزم بالروح الديمقراطية للدستور وترفض إفراغ المواطنة من محتواها الإجرائي والسياسي.
على العكس من النزعة التعطيلية، تقف أطروحة مصطفى السحيمي على أرضية صلبة تجمع بين الشرعية الدستورية والمسؤولية السياسية الوطنية:
التعاطي الجاد مع الدستور كوثيقة ملزمة لا نص رمزياً:
ينطلق السحيمي من قراءة أصولية ومعيارية للدستور المغربي. فالفصول 16 و17 و18 و163 لم تُكتب لتكون نصوصاً للتزيين أو للاستهلاك الإعلامي، بل لترسخ “المواطنة الكاملة غير المبتورة”. وحين يستند السحيمي إلى الوثائق والمبادرات الصادرة عن ديناميات الجالية، فهو يمارس دوره كأكاديمي ينصت للواقع ويثبت أن مطلب التمثيلية المباشرة هو مطلب قاعدي مجتمعي وليس نتاج “كسل فكري”.
التفريق بين الإرادة السياسية والإكراهات التقنية:
يرفض السحيمي منطق أجبالي الذي يجعل من العوائق اللوجستية (كالتقطيع الانتخابي أو نسب المشاركة) سبباً لإلغاء المبدأ. إن التحديات التقنية تحل بالإبداع التشريعي والتحول الرقمي وتطوير آليات التصويت، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُتخذ شماعة لمصادرة حق دستوري مكفول لأكثر من 5 ملايين مغربي يشكلون شرياناً حيوياً للوطن.
الملاءمة مع المفهوم الجديد للتنمية الوطنية:
إن الرؤية التي يدافع عنها السحيمي تنسجم مع الرؤية الملكية السامية الداعية إلى إعادة هيكلة الإطار المؤسساتي لمغاربة العالم وتجديد آليات الحكامة والتمثيلية. فالاستثمار في المواطنة السياسية والمؤسساتية للجالية هو المدخل الأساسي لتعبئة كفاءاتها الاقتصادية والفكرية وتوطيد ارتباطها بالمسار التنموي الشامل الذي يشهده المغرب.
في الخلاصة، تشكل أطروحة السحيمي الركيزة الأكاديمية الصائبة؛ لأنها تضع التزام الدولة بدستورها فوق التعقيدات الإدارية، وتعتبر التمكين السياسي لمغاربة العالم مدخلاً لا محيد عنه لاستكمال مقومات المواطنة الجامعة.
ثالثاً: المحور التركيبي والاستشرافي: نحو أفق مؤسساتي جديد لمغاربة العالم
يرمي هذا المحور التركيبي والاستشرافي إلى تجاوز حدود السجال الثنائي نحو صياغة معالم أفق مؤسساتي جديد، يقدم حلولاً إيجابية تزود القرار العمومي بخارطة طريق تعبر بالقضية من ضيق التردد التكنوقراطي إلى رحابة الإنجاز التشريعي والتنموي.
تؤكد هذه القراءة النقدية المزدوجة أن مأزق ملف التمثيلية المؤسساتية والبرلمانية لمغاربة العالم يتجاوز حدود السجال الفردي بين “واقعية أجبالي التعطيلية” و”دستورية السحيمي التمكينية”، ليضع المؤسسات المغربية أمام أفق استراتيجي يتطلب القطع مع منطق التدبير الانتظاري:
الارتقاء بالملف من التبرير التقني إلى الإنجاز الدستوري:
إن ترويج فكرة “مخاطر المقعد النيابي” لم يعد ينفد إلى عمق التحول الذي تعيشه المملكة. فالمطلوب اليوم هو صياغة قانون تنظيمي عصري يزاوج بين التمثيلية البرلمانية المباشرة عبر دوائر انتخابية للمهاجرين تتسق مع التكتلات الجغرافية للجالية، وبين التنشيط المكثف لآليات الديمقراطية التشاركية والإنصات المؤسساتي.
التكامل بين الثابت الدستوري والتعبئة التنموية:
لا يمكن فصل الحقوق السياسية عن أداء الأدوار التنموية. فربط مغاربة العالم بالمؤسسات الوطنية عبر التمثيلية السياسية ليس منحة ولا رفهاً فكرياً، بل هو مدخل لإشراك هذه الفئة في صناعة القرار الاستثماري، وحماية حقوقها، وتأطير كفاءاتها لتسهم بفعالية في أوراش النموذج التنموي الجديد والسياسات العمومية الوطنية.
ترجمة الرؤية الملكية السامية في تدبير ملف الهجرة:
إن الإطار المرجعي الحقيقي لحسم هذا السجال يكمن في التوجيهات الملكية السامية الحريصة على إعطاء الجالية المكانة المؤسساتية التي تستحقها، وإعادة هيكلة الأجهزة المشرفة على الملف بما يضمن نجاعة الحكامة، وتجاوز حالة التداخل والجمود الإداري التي سادت لسنوات.
في الخلاصة، يتوقف الانتقال الاستراتيجي في ملف مغاربة العالم على الاستجابة الفاعلة للتوجيهات الملكية السامية، وذلك بتحويل الالتزام الدستوري بالتمثيلية إلى آليات تنظيمية وتنموية تُخرج الملف نهائياً من رهن المحاصصة والتحفظ الإداري.
خاتمة: في لزوم الانتقال من منطق “الحذر التكنوقراطي” إلى “الأفق المفهومي للتنمية الوطنية”
تستخلص هذه القراءة التحليلية والنقدية أن الجدل الذي أثارته مقالات إدريس أجبالي وانتقاداته لأطروحة مصطفى السحيمي لا ينحصر في سجال أكاديمي حول التأويل القانوني أو آليات الاقتراع، بل يكشف عن تعارض بنيوي بين نموذجین لتدبير قضايا الجالية المغربية: الأول نموذج تكنوقراطي احترازي يستند إلى ثقافة الإكراهات اللوجستية وتخليد الوضع القائم، وثانيهما نموذج أصولي تنويري ينطلق من السمو الدستوري ويفهم المواطنة بصفتها كلاً غير قابل للتجزئة أو التأجيل.
إن المنتصر في هذا السجال الفكري ليس هو الطرح الذي ينكفئ على تجارب الماضي القريب ليتخذ من عوائقها شماعة لتعطيل النص الدستوري، بل هو المنطق المؤسساتي والأكاديمي الحصيف الذي يدرك أن تمكين مغاربة العالم من حقوقهم السياسية والمؤسساتية هو خيار استراتيجي وطني. وهو خيار يتجاوز المنظور الانتخابي الضيق، ليشكل الحجر الزاوية في بناء “المفهوم الجديد للحكامة الترابية والدبلوماسية الموازية”، ومدخلاً مكفولاً لتوفير البيئة المواتية لتعبئة الكفاءات وجلب الاستثمارات.
وفي هذا السياق، تغدو الحاجة ملحة لتجاوز منهجية “إدارة الجدل الزائف” وحسم القانون التنظيمي المتعلق بتمثيلية مغاربة العالم؛ بما يضمن التفعيل الخلاق للتوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الداعية إلى إعادة هيكلة الإطار المؤسساتي للهجرة، وبناء نموذج تنموي شامل يرى في أبناء الوطن بالخارج فاعلين أساسيين وصناع قرار في مسيرة النماء المغربي الواعد.
غير أن الإشكال الأعمق الذي يظل معلقاً في نهاية هذه القراءة يتصل بالدور الوظيفي لمجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج (CCME) نفسه: هل شكل هذا المجلس طيلة مساره حاضنة داعمة للإنتاج الأكاديمي المتنور حول التمثيلية المؤسساتية، أم أنه يتحول في أحيان كثيرة إلى منصة لتعطيل هذا الإنتاج وتسييج مخرجاته؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار الأطروحة التعطيلية التي يبسطها إدريس أجبالي مجرد وجهة نظر شخصية لباحث، أم أنها تصريف مضمر لموقف جناح نافذ داخل المجلس يعادي بالأساس فكرة التمثيلية السياسية ويتوجس من تبعاتها؟
إن المسار الأكاديمي والمؤسساتي لأجبالي يضعه اليوم أمام مسؤولية أخلاقية ومعرفية استثنائية؛ فألم يحن الوقت بعد ليخرج عن صمته ويُنوّر النقاش العمومي بما سكت عنه في مؤلفه الأخير “الهجرة والسياسة: المعادلة المغربية”؟ إن الرهان الحقيقي للبحث العلمي الجاد يقتضي الجرأة في تفكيك “صندوق الأسرار”، وإعادة قراءة الظاهرة الهجروية المغربية خارج الحسابات الرقمية والمنطق الاقتصادي الضيق للمداخيل والتحويلات المالية، والارتقاء بها نحو جوهرها الحقيقي الحاسم: سؤال الهوية والمواطنة، وموقيعة مغاربة العالم في قلب السياسة والقرار الوطني.
اترك تعليقاً