المنسيون في الأرض.. قراءة اجتماعية وسياسية في مأساة “مي حسبية”
تفرض بعض المشاهد نفسها على النقاش العام بقوة لا تملكها أفصح الخطابات. هذا ما حدث مؤخرا مع مقطع الفيديو الذي وثق حال المسنة المعروفة إعلاميا باسم “مي حسبية”، امرأة تجاوزت الثمانين من عمرها، تقيم منذ سنوات طويلة داخل كهف بدوار ركاركة التابع لجماعة الغيات في إقليم آسفي، بمعزل عن الماء والكهرباء وأبسط مقومات العيش الكريم، وقد اضطرها الجوع في بعض الأحيان إلى تناول التراب تسكينا لألم معدتها الخاوية. والمفارقة الصارخة أن انتشار هذه الصورة تزامن مع أوج الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، حيث تغص جدران المدن والقرى بشعارات الكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة، بينما تعيش هذه المرأة، على بعد كيلومترات معدودة من تلك الشعارات، في عزلة تامة لم يخترقها لا مرشح انتخابي ولا موظف إداري ولا برنامج اجتماعي، إلى أن فرضتها كاميرا هاتف على انتباه الرأي العام. أمام هذا المشهد، لا يكفي التعاطف اللحظي أو الإدانة الأخلاقية العابرة، فالحدث يستحق قراءة أعمق تكشف بنياته الاجتماعية والسياسية، لا فقط عرضه الإنساني المؤلم.
أولا. الفقر المنسي: تشخيص اجتماعي
في التفاصيل التي تسربت عن وضعية “مي حسبية”، يبرز عنصران يستحقان التوقف: غياب أي زوج أو أبناء، وتشتت الإخوة في مدن بعيدة، بحيث لا يربطها بمحيطها الأسري سوى زيارات متقطعة وإحسان جيرانها القرويين. في المجتمع المغربي القروي، حيث ظلت شبكات القرابة الممتدة تؤدي تاريخيا وظيفة الحماية الاجتماعية التي عجزت عنها الدولة أو تأخرت عنها، فإن انقطاع هذه الشبكة، بفعل الهجرة نحو المدن وتفكك الأسرة الممتدة وتقادم العمر، يمثل كارثة مضاعفة تضاف إلى كارثة الفقر المادي المحض: كارثة العزلة الاجتماعية الكاملة.
ولفهم هذا العطب في بعده الأعمق، يفيد استحضار مفهوم المعاناة الموضعية عند ‘بورديو’ (Pierre Bourdieu)، الذي بين في عمله الجماعي عن بؤس العالم أن الفقر ليس مجرد نقص في الموارد المادية القابلة للقياس الكمي، بل هو أيضا نتاج موقع في الحقل الاجتماعي يحدده المكان والمسافة الرمزية عن مراكز القرار والخدمة، بقدر ما يحدده الدخل. فالكهف هنا ليس مجرد سكن بديل اضطراري، بل هو التجسيد المكاني الحرفي لموقع اجتماعي مقصى كليا عن مدارات الحداثة الإدارية والخدمة العمومية. إنه استعارة تحققت في الواقع لما ظل حبيس الخطاب المجازي: “المغرب غير النافع” الذي ورثته الدولة الوطنية عن التقسيم الإداري الاستعماري القديم بين مغرب “نافع” تسهر عليه الإدارة وتخدمه البنية التحتية، ومغرب “غير نافع” يترك لمصيره. وقد التقطت بعض التعليقات على القصة هذا التناقض بدقة حين وصفت الوضع بأنه يفضح ما بات يعرف بـ”مغرب السرعتين”: مغرب يمضي بخطى القطارات فائقة السرعة نحو المستقبل، ومغرب آخر لا يزال ينتظر عند باب الكهف.
يضاف إلى ذلك بعد أخلاقي دقيق لا ينبغي تجاوزه: رفض “مي حسبية” مغادرة “كهفها” رغم تدخل السلطات المحلية وفريق طبي، وإصرارها على البقاء رغم محاولات إقناعها بالانتقال إلى مكان أكثر أمنا. هذا الرفض يطرح سؤالا حقيقيا حول حدود التدخل الاجتماعي: كيف يمكن التوفيق بين واجب الدولة في حماية كبار السن الهشين وبين احترام إرادتهم وكرامتهم الذاتية في تقرير مصيرهم؟ الإنقاذ الذي لا يراعي هذا التوازن يخاطر بتحويل الضحية إلى موضوع تدخل قسري، بدل أن يكون شريكا في حل يحفظ كرامته.
ثانيا. غياب الدولة وحضورها المتأخر: تشخيص سياسي
يكتسب توقيت اكتشاف هذه الحالة دلالة مضاعفة حين نستحضر أن الدستور المغربي لسنة 2011 يكرس صراحة، في عدد من فصوله، حقوقا واضحة لفائدة الشرائح الاجتماعية المعوز: الحق في الولوج إلى الماء والعيش في بيئة سليمة، والحق في الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والسكن اللائق، إلى جانب تكليف واضح للسلطات العمومية بوضع سياسات موجهة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والفئات الاجتماعية الهشة، ومنها كبار السن. فحين لا تكتشف السلطة المحلية والإقليمية بأكملها، من أعوان السلطة وقائد ورئيس دائرة، وصولا إلى العامل، وجود مواطنة تعيش بلا ماء ولا كهرباء منذ سنوات طويلة إلا عبر فيديو متداول على الشبكات الاجتماعية، فإن الفجوة هنا ليست فجوة نص قانوني، بل فجوة تنزيل وتفعيل: نص دستوري لا يجد من يترجمه إلى فعل إداري يومي في الهوامش الترابية البعيدة عن مركز القرار.
غير أن المساءلة لا تقف عند حدود السلطة المعينة وحدها. فالمنتخبون، من أعضاء مجلس جماعة الغيات إلى برلمانيي الدائرة، هم من يفترض فيهم دستوريا ونظريا أن يكونوا الحلقة الأقرب بين المواطن ومركز القرار. وغياب أي أثر لتدخل هؤلاء طيلة سنوات إقامة “مي حسبية” في كهفها يطرح سؤالا أكثر إيلاما من سؤال التقصير الإداري: هل كان لها أصلا صوت يستحق أن يُطلب أو يمثل؟ فامرأة، تقف على الأرجح خارج اللوائح الانتخابية ذاتها، هي خارج المعادلة التي يحسب بها المنتخب جدوى الاهتمام بناخبيه. وهنا تنكشف حدود منطق التمثيلية النيابية في الأطراف المنسية: تمثيل يُحسب بالأصوات القابلة للعد لا بالحاجات القابلة للرصد.
وتزداد الهوة حدة حين نضعها في سياق المجهود المؤسساتي المعلن لتحديث أدوات الاستهداف الاجتماعي، وعلى رأسها السجل الاجتماعي الموحد الذي يفترض أن يحصي الأسر والأفراد في وضعية هشاشة ويوجه إليهم برامج الدعم المباشر وفق معايير موضوعية ورقمنة شاملة للمعطيات. فحالة “مي حسبية” تكشف حدود هذا الحكم الخوارزمي حين يصطدم بواقع مواطنين يقفون بالكامل خارج البنية التحتية التي تفترضها هذه الأنظمة أصلا: بلا حالة مدنية مستكملة، بلا عنوان ثابت، بلا وسيلة اتصال، بلا وسيط عائلي يبلغ عنهم. الفجوة هنا ليست فجوة تمويل أو إرادة سياسية فحسب، بل فجوة في تصميم الأدوات ذاتها، التي تستوجب حدا أدنى من الاندماج الإداري والرقمي كي ترى المستفيد المحتمل، فتعيد، من حيث لا تقصد، إنتاج الإقصاء الذي وضعت أصلا لمعالجته.
وهكذا يصبح إقصاء “مي حسبية” من السجل الاجتماعي وإقصاؤها من التمثيل الانتخابي وجهين لعملة واحدة، تكافئ كلتاهما الظهور الإداري والرقمي، وتعاقبان من لا وجود له إلا حين تفرضه كاميرا هاتف على الجميع دفعة واحدة. غياب آليات الرصد الاستباقي، سواء لدى الإدارة أو المجالس المنتخبة، لصالح آلية رد الفعل المتأخر يكشف أن هذه الحقوق، في هوامش الخريطة الترابية، تبقى حقوقا معلقة على الورق غير مكتملة في الممارسة.
ولم تفت هذه المفارقة السخرية الشعبية، التي التقطتها أحيانا بحدس أدق من كثير من التحليل المتخصص، فقد علق أحد مستخدمي فيسبوك على القصة بعبارة دارجة لاذعة: “خاص اسكنو معاها 2 باش تاخذ الدعم”. وخلف هذه السخرية العابرة تشخيص شعبي دقيق لمفارقة إدارية حقيقية: مقاربة الاستهداف القائم على تركيبة الأسرة وعدد أفرادها يمكن أن يحول العيش وحيدا، وهو أقصى تجليات الهشاشة والعزلة، إلى عائق إحصائي أمام الاستفادة من الدعم، بدل أن يكون معيارا إضافيا للأولوية. حين تتقدم السخرية الرقمية على الخبرة التقنية في تشخيص عيوب السياسة العمومية، فذلك مؤشر إضافي على المسافة الفاصلة بين تصميم الأدوات ومعاناة من صممت من أجلهم.
وحين تعجز القنوات التمثيلية المحلية التقليدية، المجالس المنتخبة والإعلام المحلي والجمعيات ذات الموارد الكافية، عن إيصال معاناة الهامش إلى مركز القرار، يصبح الفضاء الرقمي، بطبيعته الكشفية والعاطفية، القناة الفعلية الوحيدة لإيصال ما تخفق فيه المؤسسات السالفة الذكر. غير أن هذا الكشف الرقمي، رغم نجاعته اللحظية، يبقى انتقائيا وعرضيا، رهينا بمنطق الانتشار لا بمنطق السياسة العمومية الممنهجة، وهو ما يفسر تكرر قصص مشابهة في مناطق أخرى من دون أن تتحول الصدمة المتكررة إلى سياسة دائمة لرصد المعزولين. والنتيجة نمط تدبيري يمكن نعته بـ”حوكمة الفضيحة”: تدخل تفاعلي يستدرك الصورة أكثر مما يعالج الجذر، فيهدئ الرأي العام مؤقتا دون أن يمس البنية التي أنتجت الإهمال أصلا.
خاتمة: من اللحظة إلى السياسة
الخطر الحقيقي اليوم ليس في وجود حالات مثل حالة “مي حسبية”، فالهشاشة موجودة في كل المجتمعات، بل في التطبيع مع النسيان: أن تستهلك هذه القصص كمادة تعاطف رقمي عابر، ثم تنطفئ بمجرد خفوت التداول، لتنتظر ضحية جديدة تشعل موجة غضب جديدة. تحويل هذه اللحظة إلى سياسة عمومية دائمة يقتضي ثلاثة أمور على الأقل: أولا، إحداث آليات رصد ميداني دوري لكبار السن المعزولين جغرافيا، لا تكتفي بانتظار التسجيل الذاتي الرقمي؛ ثانيا، إشراك الفاعلين القريبين من الميدان، الجمعيات المحلية والسلطة المحلية والأئمة ورؤساء الدواوير، كحلقة تبليغ فعلية ضمن منظومة الاستهداف الاجتماعي؛ ثالثا، بلورة بروتوكول تدخل يوازن بين واجب الحماية وحق كبار السن في تقرير مصيرهم، بدل الاكتفاء بثنائية الإنقاذ القسري أو التخلي الكامل.
قصة “مي حسبية” ليست استثناء معزولا في هامش الخريطة، بل هي المرآة التي ترفض أن تعكس الصورة التي تريد الدولة أن تراها عن نفسها. وإلى أن تتحول هذه المرايا العرضية إلى أدوات رصد دائمة ومؤسسية، سيظل المنسيون في الأرض ينتظرون كاميرا هاتف عابرة لتذكر بوجودهم.
اترك تعليقاً