حين تصبح السيجارة حلوى للأطفال: من يحمي طفولتنا في المغرب؟

إن ما يلزمنا كمواطنين فاعلين في الحقل الثقافي هو التنديد بكل ما يجعل المصلحة الفضلى للمستهلك آخر ما تفكر فيه بعض الشركات. وبعد افتتاح الموسم الدراسي، تم إنتاج لوازم مدرسية على شكل أحمر شفاه، أو بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون مفيدة، وقد تعرض الطفل لعملية التأثير والتأثر، كما أشار إلى ذلك المفكر «ليف فيغوتسكي»، حيث أبرز دور التفاعل الاجتماعي واللغة والتوجيه في نمو القدرات العقلية للمتعلم، فالتعلم يحدث في سياق اجتماعي قبل أن يستبطن الفرد بعض المهارات والمعارف. من هنا يبرز مثال جديد لما قد يؤول إلى عكس المراد، ولما لا تُحمد عقباه، ودائما في إطار التأثير والتأثر الذي تحدثنا عنه سالفا، إذ تدور في أنحاء ربوع المملكة حلوى بتصميم على شكل سيجارة، وهذا ما يتعارض مع القوانين المعمول بها وطنيا، ولا سيما القانون رقم 28.07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، الصادر بظهير شريف رقم 1.10.08 بتاريخ 11 فبراير 2010، والذي ينص على أن السلامة الصحية للحلوى أو المنتوج ومحتوياته من حيث المكونات لا تعني أبدا محاكاته لشيء يحاكي سيجارة أو أحمر شفاه، وهذا ما يتعارض مع قانون حماية المستهلك. إذن، فهذا سؤال يطرح على المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية وجمعية «ما تقيسش ولدي»: فما الحل إذن؟ ولماذا الترخيص لهذه الحلوى، ولو بدعوى أنها، من الناحية الهندسية، تشبه السيجارة فقط وليست نسخة منها، أو أنها موجهة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على ستة عشر سنة؟ فكل هذا لا يربط الواقع بصلة، ولا سيما أننا نعرف عقلية الطفل الذي يوجد في مرحلة حساسة، ويحاول فقط التقليد والتجريب من أجل الشعور بلذة ما.
كما أن اتفاقية حقوق الطفل تنص، في مادتها الثالثة، على المصلحة الفضلى للطفل، وهذا يجب أن يكون اعتبارا مهما لسحب هذه الحلوى من السوق الوطنية بشكل عاجل، مع تغريم الشركة المنتجة (انتظر المواد 24 و17 و36).
هذا لا ينسجم نهائيا مع طبيعة محتوى الحلوى. فإذا تم إنتاج حلوى على شكل سيجارة، فلماذا لا يتم إنتاجها على شكل مسبحة أو رمز من الرموز الدينية التي تربي الناشئة على الأخلاق العليا؟ وهذا يجعلنا نعيد طرح سؤال: هل هناك من يتحكم في خيوط اللعبة الاقتصادية في المغرب؟ ومن يريد الخير للبلاد، ومن يدعي ذلك فقط؟
فالطفل يتعلم بالمحاكاة والملاحظة والتقليد، وهذا معروف منذ الأزل، منذ مشهد الغراب إلى هذا الحين. فعندما تلعب مع طفل لعبة غير عادية، ويرى طفل آخر ذلك السلوك، فإنه يحاول تقليده بالملاحظة. ومن ثم، كيف للإعلام العمومي أن يستعرض دعايات لمكافحة التدخين والوقاية من آثاره، وفي الوقت نفسه تُعرض هذه الحلوى للبيع للعموم؟ أليس هذا تناقضا؟
إن إنتاج حلوى تتخذ شكل السيجارة يطرح سؤالا يتجاوز سلامة المنتوج الغذائية إلى مسؤولية الفاعلين الاقتصاديين في مراعاة خصوصية الطفولة واحتياجاتها التربوية والنفسية. فالمنتوج قد يكون صالحا للاستهلاك من الناحية الغذائية، ومع ذلك تظل طريقة تقديمه وتسويقه جديرة بالنقاش، خصوصا عندما تستهدف الأطفال أو تجعل من محاكاة التدخين جزءا من تجربة اللعب والاستهلاك.
وفي هذا السياق، يتيح القانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدابير حماية المستهلك مناقشة واجب إعلام المستهلك بالخصائص الأساسية للمنتوج، المنصوص عليه في المادة الثالثة، إلى جانب الضوابط المتعلقة بالإشهار المضلل الواردة في المادة الحادية والعشرين، متى توافرت شروط تطبيقها. كما يتيح القانون رقم 28.07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بحث مدى مطابقة المنتوج للمتطلبات الصحية المعمول بها.
أما من منظور حقوق الطفل، فإن المواد الثالثة والرابعة والعشرين والسابعة عشرة من اتفاقية حقوق الطفل توفر إطارا لمساءلة مدى مراعاة المصلحة الفضلى للطفل، وحماية صحته، وتوفير بيئة تعزز رفاهه الجسدي والعقلي والمعنوي.
ولا يعني ذلك أن مجرد اتخاذ الحلوى شكل السيجارة يشكل، في حد ذاته، مخالفة قانونية ثابتة، بل إن الأمر يستدعي فحص طبيعة المنتوج، والفئة التي يستهدفها، وطريقة عرضه والإعلان عنه، ومدى وجود أدلة علمية على آثاره المحتملة في سلوك الأطفال.
إن حماية الطفولة لا ينبغي أن تقتصر على منع وصول المواد الضارة إلى أجساد الأطفال، بل يجدر أن تشمل أيضا النقاش حول الرموز والسلوكيات التي تقدم لهم في صورة جذابة أو اعتيادية. ومن ثم، فإن المطالبة بمراجعة هذا النوع من المنتجات، أو وضع ضوابط خاصة لتسويقها إذا اقتضت الأدلة ذلك، تمثل دعوة إلى الوقاية والمسؤولية المجتمعية، لا حكما مسبقا بالإدانة.
نداء إلى السيدة آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، من أجل النظر في قضية حلوى على شكل سيجارة، ومدى انسجام تسويقها للأطفال مع مقتضيات حماية الطفولة.
نداء إلى السيدة نجاة أنور، رئيسة جمعية «ما تقيسش ولدي».
أمام تسويق حلوى على شكل سيجارة للأطفال، نطالبكم بتحمل مسؤوليتكم الترافعية والتحرك لحماية الطفولة من كل ما قد يطبعها مع التدخين. فهل يُعقل أن يتحول رمز آفة تهدد الصحة إلى حلوى في أيدي أطفالنا؟
طفولتنا ليست سوقا لتطبيع السلوكيات الضارة.
اترك تعليقاً