قراءة دستورية في تسليم السلط قبل التنصيب البرلماني

يقوم النظام البرلماني، في أبسط تصوراته النظرية، على قاعدة مفادها أن السلطة التنفيذية تستمد مشروعيتها من ثقة الهيئة المنتخبة، فتسبق الثقةُ مباشرةَ السلطة. وقد أخذ دستور 2011 بهذا المنطق جزئيا حين جعل تكوين الحكومة مسطرة من مرحلتين: تعيين ملكي يستند إلى نتائج الانتخابات (الفصل 47)، وتنصيب برلماني يقوم على عرض البرنامج ونيل ثقة مجلس النواب (الفصل 88). غير أن الوثيقة الدستورية لم تحسم بتفصيل إجرائي ما يترتب على الفاصل الزمني بين المرحلتين من آثار، فتُرك لفقه القانون الدستوري وللممارسة أمر تحديد ما يجوز للحكومة المعينة أن تفعله قبل أن تصبح منصبة.
ومن هذه المنطقة الرمادية يتغذى الجدل المتجدد – بمناسبة تعيين كل حكومة جديدة – حول تسليم السلط بين الوزراء قبل التنصيب البرلماني. وتنزع القراءة السائدة إلى معالجته معالجة إجرائية صرفة، فتسأل: هل ينص القانون التنظيمي رقم 065.13 على ما يبيح التسليم الإداري، وأين ينتهي تصريف الأمور الجارية وتبدأ ممارسة الاختصاصات؟ وهو سؤال مشروع، لكنه يتوقف عند حدود الشرعية الإجرائية ولا يبلغ سؤال المشروعية الدستورية والسياسية، أي السؤال عما إذا كان ما يُستخلص من النص التنظيمي يوافق المقصد الدستوري الذي من أجله وُضع.
تنطلق هذه المقالة من أطروحة مفادها أن التمييز بين «الإداري» و«السياسي» في هذا الموضع تمييز هشّ، وأن مباشرة الوزراء تسلم السلط قبل نيل الثقة تقلب ترتيب الشرعية الذي أقامه الفصل 88، فتصير الثقة البرلمانية مصادقة لاحقة على أمر واقع بعد أن كانت شرط الأهلية لمباشرة السلطة. وعليه، فإن الانسجام مع المنطق الديمقراطي للنص يقتضي انتظار التنصيب قبل أي تسلم فعلي للمهام. وسيجري البرهنة على ذلك في أربعة محاور:
أولا: التنصيب فعلٌ منشئ لا كاشف
يذهب اتجاه في الفقه إلى أن الحكومة تصير «قائمة الذات» بمجرد التعيين الملكي، وأن الحديث عن «تنصيب مزدوج» تحليل متسرع، فيكون التصويت البرلماني، في هذا التصور، فعلا كاشفا يؤكد وضعا قانونيا نشأ قبله. وهذا التصور يقوم على قراءة الفقرتين الأولى والثانية من الفصل 47 منفصلتين عن فقرته الأخيرة وعن الفصلين 88 و89.
غير أن صياغة الفصل 88 وبنية النص الدستوري تعارضانه. فالنص لا يكتفي بالقول إن الحكومة قائمة بتعيين الملك، بل يضيف في فقرته الأخيرة أنها تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي. والأصل في التأويل ألا يُحمل نص على ما يجعله زائدا: فلو كان التنصيب كاشفا محضا لما كان لاشتراط الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس معنى يتجاوز البروتوكول. والتفسير المنسجم مع مبدأ الأثر النافع وتناسق النصوص أن للتعيين أثرا هو الوجود القانوني للفريق الحكومي المعين، وللتنصيب أثرا مستقلا هو الأهلية السياسية والدستورية لممارسة السلطة باسم الأغلبية المنتخبة. ويعضد هذا التأويل أن الفقرة الأخيرة من الفصل 47 نصت على أن «تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة»، وأن المشرع الدستوري لم ينص على ممارسة الحكومة للسلطة التنفيذية ووضع الإدارة تحت تصرفها إلا في الفصل 89 التالي مباشرة لشرط التنصيب في الفصل 88. فالتنصيب إذن فعل منشئ، لأنه يُنشئ ما لم يكن قائما قبله: السلطة التنفيذية الكاملة المعتمدة على الثقة.
وللمقارنة التاريخية دلالتها الحاسمة. فقد انتقل الدستور المغربي عبر محطاته من تصور كان فيه عرض البرنامج أمام البرلمان مسطرة إخبارية لا يعقبها تصويت (دساتير 1962 و1970 و1972)، ثم مسطرة تصويت تفترض الثقة ولا تسقط الحكومة إلا إذا صوّتت الأغلبية المطلقة ضد البرنامج دون أن يقترن ذلك بوصف «التنصيب» (الفصلان 60 و75 من دستور 1996)، إلى جعل ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه في دستور 2011 شرطا إيجابيا صريحا لاعتبار الحكومة «منصبة». ومن ثم فإن قراءة تُفرغ هذا الشرط من أثره العملي تنكص بالنص إلى ما تجاوزه، وتحمّل الوثيقة الأحدث معنى الوثائق الأقدم.
ويؤيد هذا التأويل ما نصت عليه الوثيقة في فصليها الأول والثاني: أن نظام الحكم ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية، وأن السيادة للأمة تمارسها بالاستفتاء مباشرة وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها. والممثلون هنا هم النواب، فإذا كانت الحكومة تُدبّر الشأن العام باسم هذه السيادة، فإن الحلقة التي تصلها بها هي ثقة مجلس النواب، لا مجرد التعيين.
ثانيا: الدساتير تحسم والدستور المغربي يُؤوَّل
تكشف المقارنة أن الأنظمة البرلمانية لا تترك هذه المسألة للاجتهاد، بل تحسمها بنص صريح، وإن اختلفت الصيغ المعتمدة.
فـالدستور الإسباني لسنة 1978 يجعل الثقة سابقة على التعيين: يقترح الملك مرشحا لرئاسة الحكومة، فيمنحه مجلس النواب ثقته، ثم يعيّنه الملك رسميا ويعيّن الوزراء باقتراحه (المادتان 99 و100)، وتظل الحكومة السابقة في وضع تصريف الأعمال إلى أن تتسلم الجديدة مهامها (المادة 101، الفقرة 2). والقانون الأساسي الألماني لسنة 1949 يسلك مسلكا مماثلا: ينتخب البوندستاغ المستشار أولا ثم يصدر تعيينه (المادة 63)، ويُعيَّن الوزراء الفيدراليون باقتراحه ويؤدون اليمين أمام البرلمان عند تسلم مهامهم (المادة 64)، وتواصل الحكومة السابقة تصريف الشؤون بطلب من الرئيس الاتحادي إلى حين تعيين خلفها (المادة 69، الفقرة 3). وفي التجربة البرلمانية العربية، جعل دستور تونس لسنة 2014 عرض الحكومة على مجلس نواب الشعب لنيل الثقة مرحلة تسبق التسميةَ الرسمية وأداءَ اليمين وبدء المهام (الفصل 89)، مع مواصلة الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأعمال لحين مباشرة الحكومة الجديدة مهامها (الفصل 100).
وفي الاتجاه المعاكس، يختار الدستور الإيطالي لسنة 1947 أن تباشر الحكومة مهامها عقب التعيين وأداء اليمين بين يدي رئيس الجمهورية (المادتان 92 و93)، ثم يلزمها بالمثول أمام المجلسين لنيل الثقة في أجل عشرة أيام من تشكيلها (المادة 94، الفقرة 3). والقيمة المنهجية لهذا المثال أنه يُثبت أن الخيار الآخر ممكن، لكنه يُثبت أيضا أنه يحتاج إلى نص مكتوب وأجل محدد يحمي الثقة من التأجيل المفتوح.
وهذا ما تفيده المقارنة في موضوعنا: أن الترتيب بين التعيين والثقة اختيار تصميمي تحسمه الدساتير نفسها، إما بتقديم الثقة على السلطة، وإما بتقديم السلطة مع تأطير الثقة اللاحقة بأجل صارم. أما ما لا تعرفه الأنظمة الصريحة فهو الجمع بين صياغة تشترط الثقة لاعتبار الحكومة منصبة، وممارسة تعمل بترتيب مختلف دون أجل دستوري ولا ضابط حاسم. وهذا بالضبط ما انتهى إليه الوضع المغربي.
والسؤال عندئذ: أي الخيارين يستحق أن يُنسب إلى الفصل 88؟ إن منطق التأويل يجيب بأن النص المغربي، من حيث لغته، أقرب إلى الصيغة الإسبانية والألمانية منه إلى الصيغة الإيطالية. فهو لا يتحدث عن ثقة تُطلب بعد مباشرة السلطة وفي أجل ملزم، بل عن حكومة «تعتبر منصبة» بنيل الثقة. ومتى كان النص قابلا لقراءتين، إحداهما تصون مضمون الثقة والأخرى تفرغه، وجب ترجيح القراءة الديمقراطية، لسببين: لأن الدستور نفسه نصّ في تصديره وفصليه الأولين على الطابع البرلماني الديمقراطي للنظام، ولأن غياب النص الصريح المخالف لا يجوز أن يُستثمر لتقليص ضمانة قررها الدستور. فالأصل أن الشك في مدى ضمانة يُحسم لصالح توسيعها، لا لصالح تضييقها بالعرف.
وعلى هذا الأساس، لا نستورد قاعدة أجنبية حين نطالب بانتظار التنصيب، بل نؤول نصا وطنيا في ضوء مقصده، مستأنسين بتجارب أثبتت أن انتظار الثقة ممكن عمليا ولا يخلّ باستمرارية المرفق العام. فقد أدارت إسبانيا شؤونها أشهرا طويلة بحكومة تصريف أعمال، في إطار الضوابط المحددة في المادة 21 من قانون الحكومة الإسباني رقم 50/1997، دون أن ينهار شيء.
ثالثا: هشاشة التمييز بين التسليم الإداري وممارسة الاختصاصات
يستند المدافعون عن التسليم المبكر إلى القانون التنظيمي رقم 065.13 – الذي صرح المجلس الدستوري في قراره رقم 955/15 بتاريخ 4 مارس 2015 بأنه ليس فيه ما يخالف الدستور – والذي حصر صلاحيات الحكومة المعينة قبل التنصيب في إعداد البرنامج الحكومي وإصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية المرافق العمومية وممارسة صلاحيات تصريف الأمور الجارية (المادة 38)، ويستنتجون أن تسلم الوزراء مهامهم الإدارية لا يتجاوز هذه الحدود.
وتقتضي مناقشة هذا الاستدلال التسليم أولا بأن النص التنظيمي، وإن أجازه القضاء الدستوري في رقابته القبلية، لا يُقرأ في التطبيق بمعزل عن مقصد الفصل 88 من الدستور، فضلا عما يكشفه فحص مواد القانون التنظيمي رقم 065.13 نفسه من مفارقات داخلية: فبينما تنص المادة 36 منه (تطبيقا للفصل 47 من الدستور) على استمرار الحكومة «المنتهية مهامها» في تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل حكومة جديدة، تعود المادة 38 لتسند تصريف الأمور الجارية ذاتها إلى الحكومة «المعينة التي لم تنصب بعد»، في حين جعلت المادة 35 منه أجل الستين يوما لتسوية حالات التنافي يسري «من تاريخ تنصيب مجلس النواب للحكومة» لا من تاريخ تعيينها. بل إن المادة 4 من القانون التنظيمي ذاته تشترط لتحديد مهام كل عضو من أعضاء الحكومة واختصاصاته والهياكل الإدارية التي يتولى السلطة عليها صدور «مراسيم تنشر في الجريدة الرسمية» بعد تعيينهم، مما يجعل مبادرة الوزراء إلى إقامة مراسيم تسلم السلط فور التعيين وقبل نشر مراسيم الاختصاصات في الجريدة الرسمية سلوكا يفتقر حتى إلى سنده التنظيمي الإجرائي. وفوق ذلك، تظهر على المستوى الموضوعي ثلاث ملاحظات.
الأولى أن التمييز بين التسليم «الإداري» وممارسة «الاختصاصات» تمييز نظري لا يصمد أمام الواقع. فمن يتسلم الملفات والمكتب وصلاحية التوقيع وتشكيل الديوان والاطلاع على المعطيات يمارس بالفعل أول مظاهر السلطة التنفيذية. فالسلطة في الإدارة الحديثة تتجسد في الحيازة قبل القرار: حيازة المعلومة والوسيلة والتوقيع. والفاصل بين الحيازة والقرار فاصل زمني لا فاصل مبدئي.
والثانية أن حجة الاستمرارية، وهي أقوى ما في الدفاع عن التسليم المبكر، تفترض فراغا يهدد المرفق العام لو لم يتسلم الوزراء الجدد مهامهم فورا. لكن هذا الفراغ ليس معطى طبيعيا، بل نتاج تأويل معين: التأويل الذي يرى أن مهام الحكومة المنتهية تنتهي بمجرد تعيين الجديدة. وبديله الممكن، كما تثبته التجربة المقارنة وتسمح به صياغة الفقرة الأخيرة من الفصل 47 من الدستور والمادة 36 من القانون التنظيمي، أن تواصل الحكومة المنتهية تصريف الأمور الجارية، ومعها الإدارة الدائمة بكتّابها العامين ومصالحها، إلى أن تنال الحكومة الجديدة الثقة. ومنطق «تصريف الأمور الجارية» نفسه، الذي يقصر العمل على ما لا يستدعي قرارا سياسيا جديدا ولا يلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة (المادة 37)، لا يحتاج إلى فريق وزاري جديد لتحقيق الغاية منه.
والثالثة تتصل بالفرضية الصعبة التي يتجنبها الجدل عادة: ماذا لو لم تنل الحكومة المعينة الثقة؟ لا ينظم الدستور ولا القانون التنظيمي هذه الفرضية بوضوح، ولكن مجرد إمكانها يكشف الخلل في التسليم المبكر، إذ سيكون وزراء قد تسلموا مكاتبهم وباشروا ملفاتهم، وربما أصدروا تفويضات، باسم سلطة لم تكتمل شرعيتها الدستورية. فالدولة، حين تمضي في الإجراء كما لو كان التصويت محسوما، تتصرف بما يناقض افتراض أن التصويت حقيقي.
رابعا: الدلالة السياسية لقلب الترتيب
لا يقتصر الأمر على تفسير نص. فللترتيب في الحياة الدستورية وظيفة رمزية تتجاوز الإجراء، لأن المؤسسات تُعلّم المواطنين معنى السلطة عبر ما تفعله قبل ما تقوله. وحين تُعرض صور تسليم السلط قبل أن يُعرض البرنامج على النواب ويُناقش ويُصوَّت عليه، فإن الرسالة المنقولة أن السلطة تبدأ حيث يُعيَّن الوزير، وأن البرلمان محطة لاحقة تؤكد ما استقر. وقد يكون هذا الأثر غير مقصود، لكن الأثر الرمزي لا يتوقف على القصد. وقد ذهب بعض المنتقدين إلى أبعد من ذلك، فرأوا أن مبادرة بعض الوزراء إلى تبادل السلط قبل إقامة مراسيم التسليم بين رئيسي الحكومة تجاوز مؤسساتي وبروتوكولي، إذ لا يسبق الفرعُ الأصلَ الذي يعمل الوزراء تحت سلطته وبناء على اقتراحه (الفصلان 47 و89).
ويُحتج في السياق الراهن بأن الأغلبية محسومة سلفا فلا ضرر من التعجيل – كما هو الشأن في التشكيلة الحكومية المعينة في أكتوبر 2026 التي تتألف من أربعة أحزاب، منها شريكان سابقان في حكومة أخنوش، ويستمر فيها 14 وزيرا من أصل 32. وأقول إن هذه الحجة تعمل ضد من يسوقها. فالضمانات الإجرائية لا تُختبر حين تكون النتيجة مجهولة، فهي حينئذ تُراعى بالضرورة، بل حين تكون النتيجة مضمونة، لأن إغراء تجاوزها يبلغ أقصاه. ومن يقبل اليوم الإخلال بالترتيب لأن الأغلبية مريحة يؤسس لسابقة تنتقل غدا إلى ظرف لا تكون فيه الأغلبية مريحة. والأعراف الدستورية تتكون بالتكرار الصامت أكثر مما تتكون بالتصريح، ولذلك فإن ما يُقبل اليوم بوصفه استثناء مفهوما يصير غدا قاعدة غير مكتوبة.
وهناك بعد آخر تُغفله القراءات الشكلية: أثر هذه الممارسة في موقع مجلس النواب من النظام الحكومي. فمنطق دستور 2011، أيا كان تقييم مداه، حاول ربط الحكومة بنتائج الاقتراع عبر شرط تعيين رئيسها من الحزب المتصدر، ثم عبر ثقة مجلس النواب. وإذا صار التنصيب مجرد مصادقة لاحقة، فإن الحلقة الثانية من هذا الربط تضعف، ويتحول البرلمان من مصدر لمنح الثقة إلى مؤسسة تتلقى حكومة مكتملة.
وأما المواطن الذي أدلى بصوته قبل أسابيع، فهو يرى، حسب منطق الدستور، أن اختياره يمر بمجلس النواب الذي سيمنح الثقة أو يحجبها. فإذا رأى الوزراء في مكاتبهم قبل هذا التصويت، فقد يستنتج أن لصوته أثرا في توزيع المقاعد لا في لحظة تأسيس السلطة. ومثل هذه الاستنتاجات المتراكمة تغذي أزمة الثقة في الوساطة التمثيلية والعزوف الانتخابي، وهما ظاهرتان تشكو منهما المؤسسات نفسها.
خاتمة
الخلاصة أن تسليم السلط قبل التنصيب البرلماني، وإن أمكن تخريجه ظاهريا على المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13، لا يتفق مع المنطق الذي ينتظم الفصلين 88 و89 وما يتصل بهما من أحكام الفصلين الأول والثاني والفقرة الأخيرة من الفصل 47 من الدستور. فالتنصيب فعل منشئ يمنح الأهلية السياسية والدستورية، والتمييز بين الإداري والسياسي لا يحمي هذه الأهلية من التآكل، وترتيب اللحظات في الحياة الدستورية جزء من مضمونها لا زينة لها. وقد بيّنت التجارب المقارنة أن الدساتير تحسم هذا الترتيب بنص صريح، سواء قدمت الثقة على السلطة أم أخرتها بأجل ملزم، وأن الدستور المغربي، وقد اشترط الثقة لاعتبار الحكومة منصبة دون أن ينص على بديل، أولى بتأويل ديمقراطي ينتصر لمضمون الثقة لا لإفراغها.
ومن ثم فإن الانتصار للتعبير الديمقراطي يقتضي أمرين: ممارسة تنتظر الحكومة فيها ثقة النواب قبل أن يتسلم وزراؤها مهامهم، وتدخلا تشريعيا يعدّل القانون التنظيمي رقم 065.13 (ولا سيما المادتين 36 و38 منه) ليحسم ازدواجية تصريف الأمور الجارية لصالح الحكومة المنتهية ولايتها إلى حين التنصيب البرلماني، ويضبط ترتيب التسليم بعد نشر مراسيم الاختصاصات ونيل الثقة، ويعالج صراحة فرضية عدم نيل الثقة. فبذلك فقط يتحول سؤال الشرعية من موضوع للتأويل المتغير بتغير المواقع إلى قاعدة تحمي لحظة تأسيس السلطة، ويستعيد التصويت البرلماني معناه: أن تنتظر السلطة ثقة من فوّضها.
اترك تعليقاً