ردا على الذين حولوا طموح “الاستوزار” في الحكومة إلى مجال لـ”السخرية” و”الإساءة” لكرامة أبناء زاكورة.

استوقفتني بل صدمتني، تدوينة منشورة على موقع «فيسبوك» للسيد فوزي مصطفى، مدير وكالة الواحات والأركان بزاكورة، سخر فيها من إمكانية استوزار السيد شهيد عبد الرحيم، قبل الإعلان عن تعيينه كوزير بأسبوعين، وفق ما ورد في التدوينة، حيث كتب صاحبها يقول: “راه عندكم واحد من زاكورة بغا يكون وزير الثقافة وإلى ما خدهاش غادي يتفركع. راه بدى من دبا كيوجد ديوان ديالو. ههه».
وختم تدوينته بقهقهة ساخرة، وكأن طموح ابن زاكورة إلى تقلّد مسؤولية حكومية رفيعة أمر يدعو إلى التهكم والاستهزاء!.
وأعتقد شخصيا أن هذا الخطاب، جاء نتيجة الجرح العميق، الذي خلفته الانتقادات الحادة التي وجهها شهيد للوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان بزاكورة واتهامها بإهدار 125 مليار درهم دون تحقيق أهدافها، أثناء حضوره ضيفا في برنامج “مباشرة معكم” والتي كانت موضوع مقالين من إنجازي تم نشرهما بالجريدة، يوم 21/10/2024.
والغريب في الأمر أن السيد مصطفى فوزي المدير الترابي للوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات (ANDZOA) بإقليم زاكورة، وصاحب كتاب “صناعة النخب المحلية في المجتمعات الواحية”، متهم بالبحث في علم الاجتماع وخبير في التخطيط المجالي والتهيئة العمرانية والتنمية الترابية المستدامة؛ غير أنه منها بريء.
أما المناصب الوزارية، فينبغي أن تظل مجالا للتنافس الشريف على أساس الكفاءة والاستحقاق، لا موضوعا للسخرية من طموحات الأشخاص، ولا امتيازا يُمنح أو يُحجب وفق اعتبارات جغرافية أو أحكام مسبقة.
غير أن ما يزيد الموضوع حساسيات هو صدور مثل هذا الخطاب، عن مسؤول يشغل وظيفة عمومية. فالموظف العمومي، وإن كان مواطنا يتمتع بحرية الرأي والتعبير التي يكفلها الدستور، ولا سيما الفصل 25 منه، تظل ممارسته لهذه الحرية مرتبطة بمقتضيات الوظيفة والمسؤولية، وبما تفرضه القواعد القانونية والأخلاقية المنظمة للسلوك المهني.
فالجنوب الشرقي، وزاكورة على وجه الخصوص، ليست مجرد مجال جغرافي على هامش الخريطة، بل تمثل رصيدا بشريا وثقافيا وحضاريا غنيا، من حيث الكفاءات والأطر والمهندسين والمسؤولين يشتغلون في مختلف الإدارات والمؤسسات، ويساهمون في خدمة الصالح العام، بعيدا عن الأضواء، وفي إطار من المسؤولية ونكران الذات.
فالسيد شهيد عبد الرحيم، شأنه شأن أي مواطن مغربي، من حقه أن يطمح إلى تولي منصب وزير الثقافة، وأن يسعى إلى خدمة وطنه من أي موقع تسمح به كفاءته ومسيرته، في إطار الثوابت الدستورية للمملكة.
فالوزارة ليست امتيازا جغرافيا يحتكره محور فاس الرباط والدار البيضاء وسوس دون زاكورة ودون غيرها من مناطق المغرب، أو هي مجال مغلق أمام أبناء زاكورة والجنوب الشرقي، كما أن الطموح إلى تحمل المسؤولية أصبح تهمة تستوجب السخرية، أو جُرماً يستدعي التشفي.
لقد أثارت هذه التدوينة، في نظري الذي هو جزء من رأي ساكنة زاكورة وعموم مواطني المغرب الشرقي، إشكالا يتجاوز شخص شهيد عبد الرحيم، ليطرح سؤالا أوسع عن نظرة من يتوهمون تمثيل “النخبة” أو “السادة” إلى أبناء الجهات التي ظلت تعاني من اختلالات التنمية المجالية، ومدى استعداد هذه الأطراف للاعتراف بحقهم في التواجد الوازن والفاعل داخل المؤسسات الوطنية.
نعم، من حق أي مواطن مناقشة الأسماء المرشحة لتحمل الحقائب الوزارية، إلا أن الطريقة التي قُدِّم بها الطموح المشروع جاءت مادة للسخرية، بما تحمله من انتقاص من الشخص، ومن المنطقة التي ينتمي إليها، رغم أن الدستور يضمن لأبنائها تحمل المسؤولية داخل مؤسسات الدولة ومواقع القرار.
ولسنا في حاجة إلى استدراج بعضنا بعضا إلى مستنقع العنصرية أو التمييز، سواء أكان ذلك على أساس اللون أم الأصل الجغرافي أم الانتماء الاجتماعي. ولسنا مضطرين أيضا إلى الرد على السخرية بسخرية مضادة، أو على الإقصاء بخطاب إقصائي آخر.
ومن حق أبناء زاكورة، أن يعتزوا بكفاءاتهم، وأن يطالبوا بإنصاف مجالاتهم، وبتمثيلية عادلة قائمة على الاستحقاق وتكافؤ الفرص، دون أن يتحول هذا الاعتزاز إلى انتقاص من الآخرين، أو إلى خطاب إقصائي مضاد. فالمغرب يتسع لجميع أبنائه، والكفاءة لا جنسية جغرافية لها، ولا لون بشرة يحدد قيمتها.
نؤكد أن الكرامة لا تتجزأ، والطموح المشروع لا يستوجب الاعتذار، والانتماء إلى زاكورة ليس نقطة ضعف، بل جزء أصيل من الهوية المغربية الجامعة.
وختاما، فإننا لا ندافع عن شخص شهيد عبد الرحيم لمجرد انتمائه إلى زاكورة، بل ندافع عن مبدأ أوسع: وهو حق كل مغربي في أن يُقيَّم بما يملك من كفاءة واستحقاق، لا بما يحمله من اسم أو لون أو عنوان مسقط رأسه.
مبارك كرزابي
زاكورة.
اترك تعليقاً