وجهة نظر

المعارضة ومزالق الاستعراض

المعارضة ومزالق الاستعراض

تضع الجلسات الأولى من الولاية التشريعية الجديدة الحياة السياسية المغربية أمام سؤال يتعلق بطبيعة الممارسة الديمقراطية وحدود الصراع الحزبي داخل المؤسسة البرلمانية. فقد أثارت مناقشة البرنامج الحكومي، وما رافقها من سجالات بين بعض فرق المعارضة ورئيسة الحكومة، نقاشا حول وظيفة المعارضة، وحق الحكومة في الرد، ومدى ارتباط الخطاب البرلماني بانشغالات المواطنين. وازدادت أهمية هذا النقاش مع تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، بما يتضمنه من اختيارات اقتصادية واجتماعية والتزامات مالية تستحق الفحص والمساءلة.

ولفهم ما جرى، ينبغي التمييز بين الطرف الذي أثار السجال والطرف الذي رد عليه. فقد دفعت بعض مداخلات فرق المعارضة النقاش نحو المواجهة الحزبية، فجاءت ردود رئيسة الحكومة في سياق التفاعل مع الانتقادات الموجهة إلى برنامجها. وتملك المعارضة حق مساءلة الحكومة ونقد تعهداتها، مثلما تملك رئيسة الحكومة حق الدفاع عن التوجهات المقترحة والإجابة عن الملاحظات. ويقتضي الإنصاف النظر إلى مضمون المداخلات وطبيعة القضايا المثارة، مع مراعاة مسؤولية الطرفين عن أسلوب الحوار ومآلاته.

تستمد المعارضة مشروعيتها من دورها الرقابي والتشريعي، ومن قدرتها على إخضاع البرنامج الحكومي للنقاش والمساءلة. وقد طرحت فرق معارضة أسئلة تتعلق بوضوح التعهدات، ومصير الوعود الانتخابية، والتدابير المقترحة في مجالات التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة ومحاربة الفساد. وتندرج هذه القضايا ضمن صميم العمل البرلماني، لأنها تتيح فحص الوعود المعلنة ومناقشة مدى استجابتها للانتظارات الاجتماعية.

غير أن قيمة النقد ترتبط بقوة الحجج ودقة الأسئلة وصلتها المباشرة بالموضوع المطروح. فخصومة الحكومة لا تصنع معارضة، وارتفاع الصوت لا يمنح صاحبه حجة. ثمة فرق بين مساءلة تحرج الحكومة بالوقائع والمعطيات، وسجال يستهدف تسجيل نقطة على الخصم من دون إضافة فعلية إلى النقاش. وتفقد المواجهة جدواها عندما تنصرف المداخلات إلى استعراض المواقف، بينما تبقى التعهدات الحكومية بحاجة إلى تفصيل وتفسير.

تتضح المشكلة عندما تتحول الرغبة في إحراج الخصم إلى غاية في حد ذاتها. وقد تنطبق على بعض هذه الممارسات عبارة [البسالة السياسية]، في معناها الدارج، أي افتعال المواجهة والتباهي بإرباك الخصم أمام الكاميرات، من دون تقديم حجة متماسكة أو بديل قابل للنقاش. وقد تمنح هذه الطريقة صاحبها اهتماما إعلاميا عابرا، لكنها لا تعوض ضعف المضمون ولا تمنح المداخلة قيمة رقابية.

وتحتاج الاتهامات المتعلقة بالفساد وتضارب المصالح والنزاهة في تدبير الشأن العام إلى عناية خاصة. فهي قضايا تستحق مساءلة جادة، وتحتاج إلى أدلة ومعطيات قابلة للتحقق، فضلا عن مسارات مؤسساتية تضمن التحقيق والمحاسبة وفق القانون. أما إثارة الشبهات وسط الخصومات الحزبية، من دون توضيح الوقائع والأسانيد، فقد تحول قضايا ذات أهمية عامة إلى مادة للتراشق السياسي، وتترك المواطنين أمام اتهامات متبادلة من دون معطيات كافية لتكوين حكم واضح.

وفي المقابل، يظل حق رئيسة الحكومة في الرد والدفاع عن برنامجها جزءا من قواعد النقاش البرلماني. فلا يصح تحميلها مسؤولية سجال بادرت إليه مداخلات معارضة، كما لا يعفيها حق الرد من مسؤولية اختيار عباراتها ومضمون أجوبتها. والمعيار المنصف هو فحص ما طرحه الطرفان، ومدى ارتباطه بموضوع الجلسة، وقدرته على توضيح الاختيارات الحكومية أمام الرأي العام.

يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 مجالا لنقاش عملي حول الفرضيات الاقتصادية، والتدابير الجبائية، وأولويات الإنفاق العمومي، والموارد المرصودة للتشغيل والاستثمار والخدمات الاجتماعية. وتتيح مناقشته للفرق البرلمانية فرصة الانتقال من المواقف العامة إلى فحص الأرقام والالتزامات المالية.

فبوسع المعارضة مساءلة الحكومة عن مصادر تمويل تعهداتها، والآجال المقترحة لتنفيذها، والآثار المتوقعة للتدابير المالية على الأسر والمقاولات. كما يمكنها اقتراح تعديلات محددة، ومناقشة توزيع الاعتمادات، وفحص الفرضيات التي تستند إليها التوقعات الاقتصادية. وتمنح هذه الأسئلة النقاش قيمة عملية، لأنها تربط الوعود بالموارد المتاحة، وتضع الخيارات المقترحة أمام اختبار مالي واضح.

ويظل التمييز ضروريا بين الالتزامات المستقبلية والنتائج الفعلية. فالبرنامج الحكومي يعرض توجهات وتعهدات، ومشروع الميزانية يتضمن تقديرات وتدابير مقترحة، أما تقييم التنفيذ فيحتاج إلى معطيات لاحقة. لذلك، ينبغي أن ينصب النقاش الراهن على وضوح الالتزامات، وإمكان تنفيذها، ووسائل تمويلها، وآليات تتبعها ومساءلة المسؤولين عنها. وتلك مساحة تتيح للمعارضة ممارسة دورها بفاعلية، وللحكومة شرح اختياراتها والدفاع عنها.

تتأثر نظرة المواطنين إلى السياسة بما يجري داخل البرلمان. وعندما تستحوذ المشاحنات على الاهتمام الإعلامي، تضيق مساحة النقاش حول التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية. وقد تعزز هذه الصورة شعور الخيبة لدى مواطنين ينتظرون من ممثليهم أجوبة عن مشكلاتهم اليومية ومقترحات قابلة للتطبيق.

المواطن الذي ينتظر حلولا لا يحتاج إلى مزيد من [الصداع السياسي]؛ إنه يريد أن يفهم ما تقترحه الحكومة، وما تعترض عليه المعارضة، وما الخيارات المتاحة لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية. وتتحمل الأطراف السياسية مسؤولية توجيه النقاش نحو هذه الأسئلة، فيما يقع على الإعلام إبراز مضمون المواقف والحجج، إلى جانب متابعة السجالات التي تستحوذ على الانتباه العام.

تتيح البدايات البرلمانية للولاية الجديدة فرصة لترسيخ ممارسة تقوم على وضوح الحجة وجدية المساءلة. فالحكومة مطالبة بشرح برنامجها وتبرير اختياراتها، والمعارضة مطالبة بفحص التعهدات وتقديم بدائل مدروسة. ولا يعني ذلك الحد من المواجهة السياسية؛ فالنقد الحازم حق أصيل، لكن قيمته ترتبط بما يضيفه إلى فهم القضايا العامة وقدرته على إخضاع القرار العمومي للرقابة.

وتبقى مسؤولية البرلمان تحويل الاختلاف إلى نقاش منتج، يتيح للمواطنين معرفة الالتزامات المطروحة وسبل تمويلها وآليات تتبعها. فالمعارضة التي تستند إلى الحجة والبديل تمارس دورها الرقابي بجدية، والحكومة التي تجيب بوضوح تمنح برنامجها فرصة للفحص العام. أما المهاترات، فتستهلك وقت المؤسسة وتصرف الاهتمام عن جوهر العمل البرلماني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *