أوروبا بلا مهاجرين… تغوص في الوحل والطين

رسالة إلى الشعوب والحكومات الأوروبية: كفى عنصرية واستعلاءً واستحضارًا للعقلية الاستعمارية… فالأيدي التي تبني أوروبا وتعالج مرضاها وتصنع ثرواتها تستحق الكرامة والاعتراف، لا الإهانة والإقصاء.
أوروبا التي تنكر الجميل لمن يبنيها
تخيلوا أن تستيقظ أوروبا ذات صباح، فلا تجد الملايين من المهاجرين غير الأوروبيين الذين يعيشون فوق أراضيها، ولا المواطنين الذين حصلوا على جنسياتها، ولا أبناء الأسر المهاجرة الذين أصبحوا جزءًا من نسيجها الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والثقافي.
تخيلوا ألمانيا دون عمالها ومهندسيها المنحدرين من الهجرة، وفرنسا دون جزء من أطبائها وحرفييها، وإيطاليا دون آلاف العاملين في فلاحتها ورعاية مسنيها، وإسبانيا دون العمال الذين يساهمون في تشغيل حقولها وفنادقها ومقاولاتها.
تخيلوا مستشفيات تبحث عمن يعالج المرضى، ومزارع تنتظر من يجني المحاصيل، ومصانع تفتقد عمالها، ومقاولات تتعثر مشاريعها، ومؤسسات تحتاج إلى من ينظفها ويصونها.
لن تختفي أوروبا من الخريطة، ولن تتوقف جميع مؤسساتها عن العمل، لكنها ستواجه زلزالًا اقتصاديًا واجتماعيًا يصعب عليها احتواء آثاره سريعًا.
ستغوص أوروبا فعلًا في الوحل والطين إذا فقدت فجأة ملايين الأيدي والعقول التي يعتمد عليها جزء مهم من اقتصادها وخدماتها، ثم اعتقدت أنها تستطيع تعويضها بقرار سياسي أو خطاب انتخابي.
إنها حقيقة ينبغي أن يفهمها كل من يرفع شعار التخلص من المهاجرين، دون أن يتساءل عما يقدمونه يوميًا للمجتمعات التي يعيشون فيها.
ملايين المهاجرين… أرقام تكشف ما تخفيه الخطابات
بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات»، كان يقيم داخل دول الاتحاد الأوروبي، مطلع سنة 2025، نحو 46.7 مليون شخص مولود خارج الاتحاد، أي ما يقارب 10.4 في المائة من سكانه.
ومن بين سكان الاتحاد نحو 30.7 مليون شخص يحملون جنسيات دول غير أعضاء فيه، دون احتساب جميع الذين حصلوا على جنسيات أوروبية وأبناء الأسر المهاجرة المولودين في أوروبا.
إننا لا نتحدث عن مجموعة هامشية يمكن إخراجها من المعادلة دون عواقب، بل عن ملايين البشر الذين يشتغلون وينتجون ويستهلكون ويستثمرون ويدفعون الضرائب ويساهمون في تمويل الخدمات العمومية.
والأرقام تصبح أكثر دلالة حين نعلم أن المفوضية الأوروبية أقرت، في وثيقة رسمية صادرة في سبتمبر 2026، باستمرار الخصاص في اليد العاملة والكفاءات داخل قطاعات الصحة والبناء والتعليم والتكنولوجيا، وبالدور المتزايد الذي يؤديه القادمون من خارج الاتحاد الأوروبي في سد جزء من هذا الخصاص.
فكيف يمكن لقارة تعترف مؤسساتها بحاجتها إلى هذه الكفاءات أن تسمح بخطابات تصور أصحابها وكأنهم مجرد عبء ينبغي التخلص منه؟
مستشفيات بلا أطباء… وشيخوخة بلا رعاية
أوروبا قارة تتقدم في العمر، وتتزايد حاجتها إلى الرعاية الطبية والاجتماعية.
فمن سيعالج المرضى إذا غادر الأطباء والممرضون القادمون من خارج أوروبا؟ ومن سيرعى المسنين إذا فقدت مؤسسات الرعاية جزءًا كبيرًا من العاملين فيها؟
وماذا عن مساعدي التمريض وعمال النظافة والصيانة داخل المستشفيات؟
قد تستطيع الدول الأوروبية تكوين أطباء وممرضين جدد، لكن تكوين طبيب متخصص يحتاج إلى سنوات، ولا يمكن تعويض الخبرات المتراكمة بين ليلة وضحاها.
وإذا كانت أوروبا تعاني أصلًا خصاصًا في بعض المهن الصحية، فإن المغادرة الجماعية للمهاجرين والمجنسين ستجعل تدبير كثير من خدماتها أكثر صعوبة وكلفة.
إن القارة التي تحتاج إلى من يعتني بشيوخها مطالبة بأن تحترم كرامة الذين يسهرون على راحتهم.
من سينظف المدن ويحرث الأرض ويشيد المصانع؟
قد لا يظهر المهاجر في الصور الرسمية للاحتفالات الأوروبية، لكنه حاضر في تفاصيل الحياة التي تجعل تلك الاحتفالات ممكنة.
تجده في تنظيف المكاتب والفنادق والمستشفيات، وفي البناء والصيانة، وفي المطاعم والموانئ والمستودعات، وفي المزارع ومراكز توزيع البضائع.
بعض هذه المهن شاق، وبعضها ضعيف الأجر، وبعضها لا يحظى بالتقدير الاجتماعي الذي يستحقه.
ومع ذلك، فإن غياب العامل عنها يكشف أهميتها.
من سيجني الطماطم والفراولة والزيتون والعنب في مواسمها؟ ومن سيبني المساكن ويصلح الطرق؟ ومن سيقود الشاحنات ويوصل المواد الغذائية؟
إن تعويض الملايين من العمال يحتاج إلى سنوات من التكوين وتحسين شروط العمل وإعادة تنظيم الاقتصاد.
وقد يؤدي الغياب المفاجئ إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتعثر المقاولات، وتأخر الخدمات، وارتفاع أسعار بعض المنتجات.
فأوروبا التي قد ترفض الاعتراف بفضل العامل المهاجر ستضطر إلى الاعتراف بقيمة عمله عندما يصبح غيابه مشكلة يومية.
المهاجر ليس يدًا عاملة فقط… بل عقل وثروة واستثمار
من الظلم اختزال المهاجر في الأعمال اليدوية.
فبين المهاجرين والمجنسين أطباء ومهندسون وباحثون وأساتذة جامعيون وخبراء في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ورواد أعمال وأصحاب شركات.
إنهم يساهمون في تطوير الاقتصاد، وخلق فرص الشغل، ودفع الضرائب، وتمويل الضمان الاجتماعي وأنظمة التقاعد.
وحتى المهاجر الذي يعمل بأجر متواضع يساهم في الدورة الاقتصادية، لأنه يستهلك ويكتري أو يشتري مسكنًا وينفق على أسرته.
فإذا غادر هؤلاء جميعًا، ستفقد أوروبا عمالًا ومستهلكين ومستثمرين ودافعي ضرائب في الوقت نفسه.
وستواجه تحديًا إضافيًا في تمويل خدماتها الاجتماعية، خصوصًا مع شيخوخة سكانها وتزايد الحاجة إلى الرعاية والتقاعد.
ولن يكون ممكنًا تعويض هذه الخسائر بمجرد تشغيل الآلات أو تسريع الأتمتة.
أوروبا التي تحتفل بأبطالها وتشكك في أصولهم
حين يفوز منتخب أوروبي بكأس العالم أو يتوج رياضي بميدالية أولمبية، لا يسأل المحتفلون عادة عن جنسية أجداده.
زين الدين زيدان وكيليان مبابي وكريم بنزيما ومسعود أوزيل وروميلو لوكاكو و لامين يامال وغيرهم من الرياضيين الأوروبيين المنحدرين من أسر مهاجرة أسهموا في صناعة أمجاد بلدانهم و في مختلف الرياضات …
هؤلاء مواطنون ينتمون إلى الدول التي يمثلونها، وكثيرون منهم ولدوا فوق أراضيها.
لكن المفارقة المؤلمة تظهر عندما تتحول الأصول العائلية إلى وسيلة للتشكيك في الانتماء عند الخسارة أو الخلاف.
كيف يصبح اللاعب رمزًا وطنيًا حين يسجل هدفًا، ثم يصبح غريبًا في نظر بعض المتعصبين عندما يخيب أمل الجماهير؟
إن المواطنة لا ينبغي أن تتغير بتغير نتائج المباريات.
ومن يحتفل بأبطال أوروبا ذوي الأصول المهاجرة عليه أن يعترف بالحقوق نفسها للعمال والطلبة والحرفيين والعاطلين المنحدرين من الأصول ذاتها.
إلى الحكومات الأوروبية… كفى صناعة للخوف من المهاجر
إننا نخاطب الحكومات الأوروبية، ومعها الأحزاب السياسية
الإعلام التي تجعل من الهجرة مادة دائمة للصراع الانتخابي.
من حق أوروبا أن تنظم حدودها، وأن تطبق قوانين الإقامة، وأن تحارب الجريمة والاتجار بالبشر.
لكن ليس من حق أحد أن يحول الانتماء الأجنبي إلى قرينة اتهام، أو أن يعامل ملايين البشر باعتبارهم مسؤولين جماعيًا عن أفعال أفراد.
وليس مقبولًا أن تصبح الهجرة التفسير الجاهز لكل أزمة في السكن أو الصحة أو التعليم أو التشغيل.
فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية لها أسباب متعددة، من السياسات العمومية إلى الاستثمار والتوزيع المجالي للثروة وتحولات الاقتصاد.
إن تحويل المهاجر إلى متهم دائم قد يخدم بعض الحملات السياسية، لكنه لا يقدم حلولًا جدية لمشكلات المجتمع.
وعلى الحكومات الأوروبية أن تنتقل من خطاب التخويف إلى سياسات الإدماج العادل ومحاربة التمييز وضمان المساواة أمام القانون.
إلى الشعوب الأوروبية… راجعوا نظرتكم إلى من يعيش بينكم
أيها الأوروبيون…
انظروا إلى من يعالج مرضاكم، ويرعى كبار السن في بيوتكم، ويعلم أبناءكم، وينظف مؤسساتكم، ويشارك في إنتاج غذائكم وبناء مساكنكم.
لا تسألوا فقط من أين جاء، بل ماذا يقدم للمجتمع، وما حقوقه، وما الواجبات التي يؤديها.
ولا تسمحوا للخطابات العنصرية بأن تختزل ملايين البشر في لون البشرة أو الاسم أو الدين أو بلد الأصل.
إن المهاجر ليس بالضرورة منافسًا للمواطن في حقوقه، فقد يكون شريكه في الإنتاج والتنمية وصناعة المستقبل.
أما المجنس فهو مواطن كامل المواطنة، لا ينبغي أن يعيش مطالبًا بإثبات انتمائه كل صباح.
وليس من العدل أن يُطالب إنسان بالاندماج، ثم يظل مرفوضًا مهما تعلم وعمل والتزم بالقانون.
كفى استعلاءً… فالاستعمار لم يكن رسالة حضارية
هناك جرح تاريخي لا يمكن تجاهله عند الحديث عن علاقة أوروبا بالشعوب التي خضعت للاستعمار.
فقد بنت قوى استعمارية أوروبية جانبًا من نفوذها عبر السيطرة على أراضي شعوب أخرى واستغلال مواردها وعمل سكانها.
ولا تزال بعض الخطابات والممارسات تستحضر نظرة فوقية إلى شعوب الجنوب، وكأن الأوروبي أكثر تحضرًا بطبيعته، وكأن أبناء المستعمرات السابقة مطالبون بالامتنان الدائم لمن استعمر بلادهم.
إن هذه النظرة ينبغي أن تنتهي.
فالشعوب الإفريقية والآسيوية لم تكن بلا تاريخ أو ثقافة أو حضارة قبل وصول الاستعمار الأوروبي، ولم تكن مواردها وثرواتها ملكًا مباحًا للقوى التي احتلت أراضيها.
ومن المفارقات أن تحتفي أوروبا بقيم الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية، ثم يجد بعض المنحدرين من مستعمراتها السابقة أنفسهم أمام ممارسات تمييزية أو خطابات تشكك في قيمتهم وانتمائهم.
إن المطلوب ليس تحميل الأوروبيين المعاصرين مسؤولية شخصية عن أفعال أجدادهم، وإنما دعوتهم إلى الاعتراف بالتاريخ، ورفض استمرار علاقات الاستعلاء، وبناء شراكات قائمة على الاحترام والمصالح المتبادلة.
لقد انتهى زمن الاستعمار المباشر في معظم هذه البلدان، ويجب أن ينتهي معه الاعتقاد بأن الشعوب التي استعمرت أقل شأنًا أو أهلية أو استحقاقًا للكرامة.
احترموا من يبني معكم أوروبا… قبل أن تكتشفوا ثمن غيابه
يا حكومات أوروبا وشعوبها…
لا أحد ينكر ما بنته شعوبكم من مؤسسات وصناعات وجامعات وأنظمة اجتماعية متقدمة.
لكن الاعتراف بهذه الإنجازات لا يتعارض مع الاعتراف بمساهمات ملايين المهاجرين والمجنسين وأبنائهم في استمرارها وتطويرها.
إن أوروبا ليست عاجزة عن العمل بأيدي مواطنيها، لكنها لن تستطيع، إذا فقدت فجأة ملايين العاملين والكفاءات والمستثمرين والمستهلكين المنحدرين من خارجها، الحفاظ بسهولة على المستوى نفسه من الإنتاج والخدمات والتوازنات الاجتماعية.
وستحتاج إلى سنوات واستثمارات هائلة لتجاوز بعض الاختلالات التي سيحدثها هذا الغياب.
لذلك، قبل أن ترفعوا شعارات الإقصاء، انظروا إلى المستشفيات والمزارع والمصانع والمدارس والمختبرات والملاعب.
وقبل أن تطالبوا المهاجر بالاندماج، وفروا له شروط الكرامة والعدالة والمساواة.
وقبل أن تشككوا في ولاء المجنس، تذكروا أن الجنسية تعني المواطنة الكاملة، لا الإقامة المشروطة بحسن رضا الآخرين.
وقبل أن تخاطبوا أبناء المستعمرات السابقة بنبرة التفوق، راجعوا صفحات التاريخ، وتذكروا أن الحضارة لا تقاس بما تملكه الأمم من قوة وثروة فقط، بل بما تحترمه من حقوق وكرامة إنسانية.
إن أوروبا التي تعجز عن تقدير من يشارك في بنائها تخاطر بإضعاف أسس قوتها، وأوروبا التي تسمح للعنصرية بأن تحدد علاقتها بمواطنيها والمقيمين فيها تخاطر بقيمها قبل اقتصادها.
وإذا غادرها غير الأوروبيين والمجنسون وأبناء الهجرة جميعًا، فلن تجد نفسها أمام أزمة عابرة، بل أمام صدمة ستطال المستشفيات والمصانع والمزارع والجامعات والخدمات والأسواق.
عندها قد تكتشف، متأخرة، أن الذين كانت بعض الأصوات تطالب بإبعادهم كانوا يساهمون في حمل جزء كبير من أعباء حياتها اليومية.
وحينها لن يكون عنوان «أوروبا بلا مهاجرين… تغوص في الوحل والطين» مجرد صورة بلاغية، بل وصفًا لما يمكن أن تفعله خسارة الملايين من أبنائها والمقيمين فيها بقارة اعتادت الاستفادة من جهودهم، دون أن تمنحهم دائمًا ما يستحقونه من تقدير وإنصاف.
اترك تعليقاً