في محراب الطيبة: تطعمهم من روحك فإذا جاعوا نهشوك

ثمة أناس لا يرون في طيبتك فضيلة، بل يرونها بابًا مفتوحًا لقضاء حوائجهم، ولا يفهمون من عطائك إلا أنك خُلقت لتكون متاحًا لهم في كل حين، ولا يقرؤون صبرك إلا باعتباره ضعفًا، ولا يفسرون تنازلاتك إلا على أنها حق مكتسب لا يجوز لك يومًا أن تسترده.
تمنحهم من وقتك، وإن كان وقتك أثمن ما تملك، وتستجيب لنداءاتهم ولو كنت في أشد لحظات تعبك، وتؤجل راحتك، وتكتم وجعك، وتضع حاجاتهم فوق حاجاتك، حتى تكاد تنسى أن لك قلبًا يحتاج إلى من يربت عليه، وجسدًا ينهكه التعب، وروحًا تتوق إلى لحظة سكون بعيدًا عن ضجيج الآخرين.
تفعل ذلك لأنك تربيت على جبر الخواطر، ولأنك تؤمن أن من أجمل ما يتركه الإنسان في هذه الدنيا أن يكون سببًا في تخفيف ألم غيره، ولأن في داخلك شيئًا من الرحمة يجعلك تتألم حين ترى محتاجًا، وتضيق نفسك حين تعجز عن مد يد العون لمن يقصدك.
لكن العجيب أن بعض الناس، مهما أغدقت عليهم من عطائك، لا يتذكرون لك مئات المرات التي قلت فيها: نعم، وإنما يستنفرون كل عأسلحتهم يوم تقول لهم: لا.
نعم، لا واحدة قد تمحو في أعينهم مئات النعم التي منحتهم إياها، وكأن كل ما فعلته قبلها لم يكن له وجود!
فجأة، يتحول ذلك الذي كنت تفتح له قلبك قبل بابك إلى خصم لا يرحم، وينقلب اللسان الذي كان يستعذب الحديث معك إلى منشار يمزق ما بقي من الود، وينبش في دفاتر الماضي، ويقلب صفحاتك القديمة، ويستخرج من ذاكرتك كل زلة وهفوة، وكأنك لم تكن يومًا صاحب فضل، وكأن يدك التي امتدت إليه في ضيقه لم تمتد قط.
يا للعجب! كيف يستطيع الإنسان أن يختزل سنوات من المودة في موقف واحد لم توافقه فيه؟ وكيف ينسى كل الأبواب التي طرقتها أقدام حاجاته ففتحتها له، ثم يقف أمام باب واحد أغلقته لعذرك، فيحكم عليك بالجحود والقسوة وسوء العشرة؟
أكانت محبتهم لك مرتبطة بما تقدمه، لا بما أنت عليه؟ وهل كنت في أعينهم إنسانًا له مشاعره وحدوده، أم مجرد وسيلة تتعطل صلاحيتها حين تعجز عن تلبية رغباتهم؟
إنهم يريدونك قارورة دواء موضوعة على رف الحياة؛ كلما داهمهم وجع، مدوا أيديهم إليك، وأخذوا جرعتهم من وقتك واهتمامك ومالك وطمأنينتك، ثم أعادوك إلى درجك القديم، وأغلقوا عليك الباب، حتى تحين جرعتهم التالية.
لا يسألون عن حالك إلا حين يحتاجون إليك، ولا يتذكرون رقم هاتفك إلا عندما تضيق بهم السبل، ولا يفتشون عنك في زحام الحياة إلا حين يبحثون عمن يحمل عنهم بعض أثقالها.
أما حين تكون أنت المتعب، حين تحتاج إلى كتف تستند إليه، أو كلمة تواسيك، أو يد تمتد إليك دون أن تضطر إلى شرح انكسارك، فإن هواتفهم تصمت، ووجوههم تغيب، وتصبح مشاغل الحياة فجأة أكبر من أن تتسع لمشكلتك الصغيرة.
مشكلتك الصغيرة التي ربما كانت يومًا أكبر من احتمالهم، فحملتها عنهم بصمت!
إن بعض الناس لا يريدونك أن تكون بخير، بقدر ما يريدونك أن تكون متاحًا لهم.
وهنا تكمن المأساة؛ أن تتحول الطيبة في حياة بعضنا إلى استنزاف، وأن يصبح الإحسان بابًا يدخل منه الآخرون إلى أعماقنا، لا ليزرعوا فيها المودة، وإنما ليأخذوا ما يحتاجون إليه ثم يمضوا.
والأشد إيلامًا أن يحدث هذا ممن ظننت أنهم يعرفون قدرك، وممن حسبت أن الأيام التي وقفت فيها إلى جانبهم قد صنعت بينكم عهدًا من الوفاء. لكنك تكتشف، بعد طول اغترار، أن بعض الناس لا تحفظ ذاكرتهم الجميل، بل تحفظ مصالحهم؛ فإذا انتهت الحاجة انتهت معها حكاية الامتنان.
وهنا، يا صديقي، يحسن بك أن تتأمل شيئًا من أدب الطريق إلى الله.
فالتصوف الحق ليس أن تُهلك جسدك لتُرضي الخلق، ولا أن تدوس على كرامتك كيلا ينكسر خاطر أحد، ولا أن تستنزف روحك حتى لا يسمع الناس منك كلمة اعتذار أو رفض.
إنما هو أن تتطهر من عبودية الخلق، وألا تجعل رضاهم ميزانًا لقيمتك، وأن تحسن إليهم ابتغاء وجه الله، لا انتظارًا لاعترافهم بفضلك، ولا خوفًا من انقلابهم عليك.
أن تعطي لأن العطاء من شيم النفوس الكريمة، لا لأنك تخشى أن يتغير الناس إن توقفت عن العطاء.
أن تساعد لأن الرحمة تسكن قلبك، لا لأنك تريد شراء محبتهم بجهدك وصحتك وراحة بالك.
فما أعظم الفرق بين إنسان يعطي وهو حر، وإنسان يعطي لأنه أسير الخوف من خسارة الآخرين!
الأول يمنح من سعة روحه، والثاني يستنزف نفسه كي لا يُتهم بالأنانية. الأول يبتغي وجه الله، والثاني قد يجد نفسه، دون أن يشعر، أسيرًا لنظرة الناس وأحكامهم.
ولذلك، ليس كل امتناع قسوة، وليس كل رفض جفاء، وليس كل من قال لك: لا، قد تخلى عنك.
قد تكون كلمة «لا» التي نطقتها اليوم هي أول كلمة صدق تقولها لنفسك منذ سنوات. قد تكون الحد الفاصل بين الرحمة بالآخرين والظلم الصامت لذاتك. وقد تكون اللحظة التي تدرك فيها أنك لست مسؤولًا عن إنقاذ العالم كله، وأنك لا تستطيع أن تسكب الماء من إناء فارغ، ولا أن تضيء للآخرين وأنت تحرق ما تبقى من روحك.
لقد آن لك أن تفهم أن صحتك ليست ثمنًا لإرضاء الناس، وأن راحتك ليست جريمة تعتذر عنها، وأن حاجتك إلى السكون لا تجعلك أنانيًا، وأن لك حقًا في أن تتعب، وأن تتأخر، وأن تعتذر، وأن ترفض حين لا تستطيع.
ولا تحمل نفسك ذنبًا لأن أحدهم لم يتقبل حدودك. فليس كل من غضب منك مظلومًا، وليس كل من اتهمك بالتقصير صاحب حق، وليس كل من ذكّرك بفضله عليك يستحق أن تظل مدينًا له طوال العمر.
وبعض العلاقات لا تحتاج إلى خصومة تنهيها، بل تحتاج إلى مسافة تكشف حقيقتها. دع الأيام تتحدث، وتوقف قليلًا عن المبادرة، وراقب من يسأل عنك حين لا تكون له حاجة، ومن يطرق بابك ليطمئن على قلبك لا ليستخرج من جيبك أو وقتك أو جهدك منفعة جديدة.
ستكتشف أن القلة التي بقيت إلى جانبك دون مصلحة هي الثروة الحقيقية التي ينبغي أن تحفظها، وأن كثرة الذين يحيطون بك لا تعني بالضرورة أنك محبوب، فقد تكون فقط كثير النفع بالنسبة إليهم.
وإياك أن تسمح لقسوة بعضهم أن تنتزع منك أجمل ما فيك. لا تتحول إلى إنسان جاحد لأنك صادفت جاحدين، ولا تغلق أبواب الرحمة لأن بعض العابرين أساؤوا استعمال مفاتيحها.
ابقَ كريمًا، لكن لا تكن مستباحًا. ابقَ رحيمًا، لكن لا تكن ضحية دائمة. أحسن إلى الناس، لكن تعلّم أن تترك لكل إنسان مسؤولية حمل بعض أثقاله، فليس من الرحمة أن تعوّده العجز وأنت تتولى عنه كل شيء.
واعلم أن في الصمت حكمة، وفي الابتعاد أحيانًا نجاة، وفي الاعتذار عن أمر لا تقدر عليه صدقًا لا ينبغي أن تخجل منه.
أما أولئك الذين لا يتذكرونك إلا عند الحاجة، ثم ينهشونك بألسنتهم حين تعتذر، فاترك لهم ما شاءوا من أحكامهم، ولا تدخل معهم في معركة لإثبات نقاء قلبك.
فالشجرة لا تقطع جذورها كلما رماها عابر بحجر، والبحر لا يجفف مياهه كلما أساء أحدهم فهم أمواجه، والشمس لا تعتذر عن غروبها لأنها لم تستطع أن تبقى مشرقة إلى الأبد.
وأنت أيضًا، لست مطالبًا بأن تكون حاضرًا في كل لحظة، ولا قادرًا على تلبية كل رغبة، ولا ملزمًا بأن تثبت طيبتك كل يوم لمن اعتاد أن يشكك فيها كلما حُرم من منفعة.
وفي آخر المطاف، حين تهدأ ضوضاء الحياة، ستدرك أن من أجمل دروس النضج أن تحسن إلى الناس دون أن تتعلق بامتنانهم، وأن تمنح دون أن تبيع نفسك، وأن تحب دون أن تفقد ذاتك.
فاجعل عطائك لله، لا سلاسل تربطك بالخلق، واجعل قلبك واسعًا للرحمة، لكن اجعل بصيرتك يقظة حتى لا يختلط عليك المحتاج بالمستغل، والمحب بصاحب المصلحة، ومن يقدّر وجودك بمن لا يقدّره إلا حين يحتاج إليك.
فليس كل من مدّ يده إليك يحبك، وليس كل من غضب حين رفضته كان محتاجًا إليك؛ قد يكون فقط اعتاد أن يجدك حيث تركك، وحين اكتشف أنك إنسان لا قارورة دواء، غضب لأنك خرجت من الدور الذي رسمه لك.
وحينها، لا تندم على طيبتك، بل تعلّم كيف تحرسها.
فالقلوب النقية لا تحتاج إلى أن تصبح قاسية كي تنجو، وإنما تحتاج إلى نور البصيرة كي تعرف أين تضع رحمتها، ومتى تمنح، ومتى تتوقف، ومتى تمضي في سلام.
اللهم ارزقنا قلوبًا تحسن دون منّ، وتعطي دون استعباد، وترحم دون أن تظلم نفسها، وتعرف أن رضاك غاية لا تُنال بإحراق أرواحنا لإرضاء عبادك.
اترك تعليقاً