الأفكار السائدة حول المدرسة الرائدة

أستاذ متقاعد، القنيطرة
مع مرور الزمن يتأكد ان إصلاح التعليم لن يتأتى حتى مع إدراك محطة وصول نهائية تكون قد عولج فيها داؤه ورممت أعطابه ، بل سيتأتى ذلك أو بالأحرى يفترض أن يتأتى تراكميا، وعبر محطات مفصلية لكل منها حظه في تبديد جزء من الداء وإصلاح قدرمتاح من الأعطاب. وإصلاح التعليم عندنا في المغرب والذي شرع فيه منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي ، تدرج عبر الزمن معتمدا آلبات المواكبة التي تمس المناهج والبرامج تارة والأنظمة الأساسية والموارد البشرية أو التجهيزات والبنية التحتية تارة أخرى، ولم يحصل أبدا طوال هذه المدة أن بوشر إصلاح شمولي راديكالي يقطع مع أساليب الترقيع والتجريب التلفيقي الذي عادة ما يعلن عن نهايته قبل وصولها . سنقف أخيرا عند تجربة المدرسة الرائدة وهي الأقرب للتناول بالنظر لطراوة أثرها وراهنيتها كخيار وطني مازال يلهب حماس البعض ويبعث على الشجب والتبخيس عند البعض الآخر.
لا بد أن نعلم أن للمدرسة الرائدة مقدمات وأسباب نزول ، فالمقدمات اختزلتها مقاربة طارل كمدخل لمعالجة فقر التعلمات ورصد التعثرات ، لذا كان ضروريا أن تعتمد هذه المقاربة على تشخيص التعلمات ورصد الثغرات، يتخللها روائز موضعة قبلية وبعدية تمهيدا لمباشرة التعليم الصريح . ولها أسباب نزول وهي أحوال التعليم العصية عن الإصلاح رغم تكرار المحاولات والمقاربات، مؤشر ذلك تدل عليه الرتب المتدنية في الترتيب العالمي لجودة التعليم . هي بمعنى آخر صيحة جديدة يعرفها التعليم العمومي ورد فعل فشل المقاربات السابقة التي استهلكت شروط وجودها حين كانت تضع التلاميذ أمام وضعية مشكلة لكن فئة قليلة منهم هي من تملك القدرة والمهارة لحلها، فيما يكون مصير الأغلبية هو أن تعيش حالة الإستتباع من دون إدراك حقيقي ومستدام لما يجري أمامها، مما يولد عجزا مزمنا ومتراكما في التعلمات الأساس. صحيح أن المدرسة الرائدة جاءت لتعكس الهرم التعليمي وتجعل مضامينه متاحة للجميع ، بمن فيهم الأقل قدرة على الإستيعاب ،لكن ثمن ذاك لا بد أن يؤدى من حساب وحصيلة الفئات المتميزة من التلاميذ، تلك التي ترى في متابعة ما يعرض عليها ضربا من العبث المكرور الذي يحد من انسيابية طاقاتها.
لعل الأفكار السائدة حول المدرسة الرائدة تدور كلها حول إمكانيتها في تحسين التعلمات الأساس، بالإعتماد على الإرادة والجاهزية أولا والترسانة الرقمية والتكنلوجية التي وضعت رهن إشارة منفذي المشروع ثانيا . لقد ساد تفاؤل كبير مع بداية المشروع ، فهيئة التدريس رأت فيه منقذا من الروتين وإرهاق التدبير اليومي وهيئتا الإدارة والتفتيش رأتا فيه مناسبة لزيادة البقشيش ، أما الآباء فلم يتبق لهم غير متابعة الأمور عن كثب، عسى أن ينعكس هذا الخيار الجديد إيجابيا على أداء فلذات أكبادهم، علما أن كل مكونات المجتمع المدني لم تتوقف عن طرح السؤال التالي : لماذا لم يتم اعتماد هذا النموذج الرائد في التدريس في المدارس الخصوصية ؟ نحن الآن في منتصف الطريق وقد لاحت في الأفق غيوم ناجمة عن تعثر السير، بعد أن طفت على سطح الممارسة عوائق واختلالات تتعلق في شقها الأساسي بمنطق التحفيز الذي عكست فيه الوزارة الهرم ، حيث الضحية هم الأساتذة ، والمتعلمون بالتبعية . الأساتذة بحرمانهم من التعويض المستحق ورشهم بما يشبهه (10.000 درهم فريدة مدى الحياة) وولائم تكوينات وكأن المدرس هو مجرد وعاء معوي .والمتعلمين بإخضاعهم لطقوس مكهربة بالمعنيين الحقيقي والمجازي ، ينتج عنها تعليم موجه ضاغط وفاقد للعفوية والإبداع الضروريين لترسيخ المعارف وترصيدها . وآباء وأولياء تلاميذ يشككون في جدوى هذا النموذج خاصة حينما يتناهى الى سمعهم استخفاف أبنائهم بمضامينه التسطيحية .
لقد تلاشى الحماس الذي رافق فورة البدايات بعد أن صاحبه دهشة وانبهار منفذيه في الميدان وصار في نظر الكثيرين عبئا على المنظومة وجب التخلص منه ، لكن لا بد من تبرير ضياع الملايين، وهذا ما يعقد المسألة أكثر، فالحيف الذي صاحب تنزيل المشروع هو ذاته الذي جعل الملل والإمتعاض هو من نصيب البعض ، فيما البعض الآخر يتنشي مزهوا بامتيازاته . لن نجد أحدا يرغب في الوصول إلى الباب المسدود ، فالحلول جميعها مرحب بها ، خاصة إذا كانت أصيلة ومبتكرة وغير مستنسخة لتجارب الآخرين.
اترك تعليقاً