آلة الحزب مأزق السلطة داخل مشاريع التغيير

في مطلع القرن العشرين درس الباحث الروسي موسيه أوستروغورسكي الأحزاب في بريطانيا والولايات المتحدة، وسمّى ما رآه فيها “آلة الحزب”: جهاز دائم يتسع ويتخصص، ويستقر القرار فيه بيد محترفين مصائرهم رهن بقائه. التنظيم الذي صنعه الناس لخدمة قضية يستقل عنها شيئاً فشيئاً، ويطلب من أعضائه الانضباط والولاء، ويستغني عن اجتهادهم ومبادرتهم.
للآلة موعد مع الحركات التي ولدت من حاجة اجتماعية إلى التغيير، وتأخذ شرعيتها من تعبيرها عن تطلعات فئات واسعة. بعد سنوات من العمل تجد أمامها جهازاً له منطقه الخاص: يقدّم تماسكه على مراجعة وظيفته، ويعدّ بقاء القيادة علامة استقرار، ولو ضعفت قدرته على مجاراة التحولات من حوله.
يسير هذا المسار باختيارات صغيرة، يرى أصحابها وجاهة في واحدتها بعد الأخرى. الأدوات التي وضعتها المؤسسة لتدوم تنقلب مع الوقت أدوات للسيطرة عليها: تحتكر دائرة ضيقة المعلومات والقرار، ويرتبط الانتماء بالقرب من مراكز النفوذ، وتنتج المؤسسة طبقة داخلية تعيش من الترتيبات القائمة وتدافع عنها. تفسير ذلك بسوء نيات الأشخاص يترك الجذر في مكانه: الجذر بنية السلطة داخل التنظيم، وغياب حدود تمنع التفويض من الانقلاب إلى ملكية دائمة للقرار.
هذا الجذر يضع أمام الحركة سؤالاً بنيوياً: كيف تحمي مؤسسة نذرت نفسها للمشاركة من احتكار داخلي للسلطة؟ الجواب عسير لأن المنصب التنظيمي يمنح صاحبه الكلمة في التعيينات والتمثيل الخارجي، ويفتح له بناء شبكة علاقات تربط استمراره بمصالح أطراف كثيرة. تقع المؤسسة في مفارقة: من تعوّل عليهم لتجديدها مصيرهم مرهون بإبقاء الوضع على حاله.
المفارقة تصيب الكفاءة نفسها: شبكات الولاء تمنح ثقتها لمن يضمن الانسجام مع القيادة ولو عزّت كفاءته، وتخسر المؤسسة أعضاءها القادرين على التفكير المستقل، ويحتفظ الجهاز بتماسكه الشكلي ويفقد قدرته على التعلم والتجديد.
خفوت أصوات المستقلين يقوّي شبكة ولاءات يغذيها الخوف. للخوف صور في الأحزاب: عضو يتمسك بموقعه لأنه يمنحه حضوراً اجتماعياً، وآخر يدافع عن قيادة بعينها لأنها تضمن له منصباً، وثالث يصمت خشية الإقصاء. من هذه التبعيات المتبادلة تنسج البنية القائمة قدرتها على الاستمرار ولو تراجع الرضا الداخلي، ويفقد الالتزام الفكري معناه خياراً حراً ومسؤولاً.
تشتد المعضلة لحظة تنتقل الحركة من المعارضة إلى تدبير الشأن العام. المعارضة تمنح هامشاً رحباً لصياغة المواقف وتقديم الوعود، والمسؤولية التنفيذية تمتحن الحركة في تدبير الموارد وترتيب الأولويات ومواجهة تبعات القرارات. ينشغل المسؤولون بالمهام التنفيذية وشبكات التحالف، وتبعد المسافة بينهم وبين القواعد، وتولد مصالح مرتبطة بدوام المشاركة في الحكم، وتخضع بعض القرارات التنظيمية لحسابات البقاء. غياب الضوابط الداخلية يفقد الحزب استقلاله الفكري ويقترب من جهاز انتخابي وإداري، غايته حفظ حضوره داخل المؤسسات.
عند الفيلسوف السياسي الفرنسي كلود لوفور جواب عن إغراء الامتياز: موقع السلطة في الديمقراطية يبقى شاغراً رمزياً، ولا يدّعي شخص أو حزب أو طبقة امتلاكه نهائياً، ولا تحوّل فئة تفويضاً مؤقتاً إلى حق دائم في الحكم. الحزب العاجز عن قبول التداول في بنيته يعسر عليه احترامه في الدولة والمجتمع. الديمقراطية الداخلية امتحان عملي لاستعداد التنظيم لاحترام التعدد، ومن عدّها تفصيلاً إجرائياً مؤجلاً أخطأ طبيعتها. القيادة تحتاج إلى صلاحيات واضحة، وللتداول دور في ضبطها: مدة محددة، وتقييم دوري، ومنافسة مفتوحة وفق قواعد معلنة. القيادة التي تحاصر المنافسة الداخلية تضبط المؤسسة زمناً وتضعف قدرتها على إنتاج البدائل.
المراجعة تبلغ المرجعية نفسها. التنظيم الذي يعدّ تاريخه ولوائحه أجوبة نهائية مغلقة في وجه النقاش تذوي حيويته؛ والمؤسسة التي تحترم تاريخها تناقش اختياراتها السابقة، وتفرق بين مبادئ تمنحها هويتها وأدوات استعملتها في مرحلة بعينها. قد ينقلب الاحتفاء بالتاريخ النضالي إلى وسيلة تمنح الشرعية لقيادات تستمد مكانتها من حضور مرحلة التأسيس، بينما تضطر الكفاءات الجديدة إلى إثبات حقها أمام مرجعيات يعسر نقاشها.
تستحق التضحيات السابقة التقدير، ويخضع أصحابها عند تقييم الأداء للمعيار نفسه الذي يخضع له غيرهم. يحتاج الجيل الجديد إلى مساحة لتصورات مختلفة يقدمها دون اتهام يمس انتماءه؛ والمؤسسة التي تعجز عن تجديد قياداتها وأفكارها تخاطر بفقدان صلتها بالأجيال التي سيؤول إليها مشروعها.
الصلة بالمجتمع تنقطع بدورها. الحزب المنشغل بصراعاته الداخلية يفقد متابعة التحولات التي تعرفها الفئات التي يدعي تمثيلها، وتنفصل لغته عن أسئلة المواطنين اليومية. استعادة الصلة تمر بمراجعة مفهوم التمثيل نفسه: أصوات الناخبين أمانة لدى الحزب في حدود التفويض الذي تمنحه المؤسسات الدستورية، ويحتاج هذا التمثيل إلى قنوات تواصل دائمة وآليات تتيح للمواطنين مساءلة ممثليهم.
أزمة التنظيم تختلف عن أزمة المشروع. قد يتراجع حزب انتخابياً وتبقى الفكرة التي تأسس عليها قائمة، وقد يحصد نتائج مهمة وبنيته تعاني اختلالات عميقة. المعالجة الجادة تستند إلى قواعد مؤسسية تمنع تركيز السلطة: تحديد مدد المسؤوليات القيادية، واستقلال أجهزة الرقابة الداخلية، ونشر التقارير المالية والتنظيمية على الأعضاء.
تحتاج هذه الإصلاحات إلى ثقافة سياسية ترى في الاختلاف مورداً للتطوير: العضو المعترض على قرار قيادي يمنح المؤسسة فرصة لمراجعة خياراتها، ويستحق الإصغاء. للدعوة إلى الديمقراطية الداخلية حد يحميها من الانقلاب إلى غطاء لصراعات شخصية: النقد يستند إلى حجج ومعطيات بعيداً عن التشهير وتصفية الحسابات، ومن اتخذ توسيع المشاركة وسيلة لاستبدال احتكار باحتكار أفرغها من معناها.
تحول جسيم آخر يصيب الحركة: حماية صورتها الداخلية تسبق تطوير قدرتها على الإنجاز. تنشغل المؤسسة بإدارة الانطباعات، وتؤجل النقاشات الصعبة، وتعدّ الإخفاقات مشكلات تواصلية تعالجها الحملات الإعلامية. تغيير الأشخاص وحده يترك التجديد ناقصاً: قد تتبدل القيادة وتبقى آليات إنتاج السلطة على حالها، ويتغير الخطاب ويستمر احتكار المعلومات والقرار.
الرهان أمام الحركات السياسية أن تحفظ المسافة بين المشروع والسلطة. السلطة تفرض إغراءات الاستمرار والامتياز والتحكم، والتنظيم الذي تعوزه قواعد تكبحها يقع أسيراً لمصالح أفرزها وجوده داخل المؤسسات. أما التنظيم الذي يضع التداول والمحاسبة والشفافية في بنيته فيجعل السلطة أداة لتنفيذ برنامجه. ميزان صدقية الحركات السياسية احترامها للقواعد التي تطالب المجتمع بها، واستعدادها للتخلي عن الامتياز إذا تعارضت مصالح القيادة مع مصلحة المؤسسة، وانفتاحها على أجيال جديدة وأفكار مختلفة.
للحركة السياسية قيمة تاريخية بقدر ما تغيّر علاقة المجتمع بالسلطة؛ أما الوصول إلى الحكم وحده فلا يمنحها ذلك. إذا انتهت إلى إعادة إنتاج الامتيازات نفسها وتحويل التنظيم إلى غاية مستقلة، فقدت جانباً أساسياً من مبرر وجودها. إذا جعلت التداول ممارسة داخلية، والاختلاف مصدراً للابتكار، والمسؤولية التزاماً قابلاً للمحاسبة، منحت مشروعها فرصة حقيقية للاستمرار والتجدد.
اترك تعليقاً