بعد أشهر من التدقيق.. لجنة وزارة الداخلية تنهي مهمتها ببوسكورة وتغادر نحو الرباط بحصيلة ثقيلة

غادرت لجان المصاحبة التابعة لوزارة الداخلية جماعة بوسكورة بإقليم النواصر، عائدة إلى العاصمة الإدارية الرباط، بعد مهمة ميدانية امتدت لعدة أشهر، انصبت على مواكبة إعادة ترتيب المصالح والأقسام الإدارية والمالية، ومعالجة الاختلالات التي كشفت عنها تقارير التفتيش، في سياق تداعيات ملفات تدبيرية انتهت بعزل عدد من المنتخبين بقرارات صادرة عن القضاء الإداري، إلى جانب تسجيل ملاحظات مرتبطة بأداء بعض الموظفين والأطر الإدارية.
وعادت اللجنة المركزية إلى مصالح وزارة الداخلية محملة بحصيلة مفصلة عن وضعية الجماعة، تتضمن تشخيصا شاملا لمختلف القطاعات والمكاتب، ورصدا لمكامن الخلل والتجاوزات المسجلة في طرق التدبير، فضلا عن تقييم مسار المواكبة والتكوينات التي استفاد منها الموظفون والأطر الإدارية، إلى جانب المنتخبين المكلفين بمهام داخل المجلس الجماعي.
وتراهن الوزارة، من خلال هذه العملية، على إرساء أساليب عمل أكثر تنظيما، وتجاوز مظاهر الارتباك الإداري التي ظلت تؤثر على أداء عدد من المصالح.
وقبيل إنهاء مهمتها، نظمت لجنة المصاحبة يوما تواصليا وتقييميا جرى خلاله عرض حصيلة الأشهر الماضية، واستعراض مختلف الإجراءات والتدابير التي تم الاشتغال عليها لإعادة ترتيب المرافق الجماعية وتحسين مردوديتها، بحضور عامل إقليم النواصر جلال بنحيون، ورئيس جماعة بوسكورة عبد الكريم المالكي، إلى جانب رؤساء الأقسام والمصالح وعدد من الأطر والموظفين المعنيين بهذا الورش.
وشكل اللقاء وفق نفس المعطيات، مناسبة للوقوف على نتائج التدخل المركزي، وتقييم مدى استيعاب المصالح المعنية للتوجيهات والمساطر الجديدة التي جرى الاشتغال عليها.
وحسب المعطيات التي حصلت عليها جريدة “العمق المغربي” من مصادر مطلعة، فإن تدخل لجنة المصاحبة جاء في أعقاب تقارير أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية، رصدت مجموعة من الاختلالات في تدبير عدد من الملفات والقطاعات داخل الجماعة، وهي الملاحظات التي تزامنت مع مساطر إدارية وقضائية انتهت بعزل منتخبين، بعدما ثبتت في حق بعضهم اختلالات أفضت إلى صدور أحكام عن القضاء الإداري.
وأبرزت هذه التطورات الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للجماعة، ليس فقط على مستوى المسؤوليات السياسية، وإنما أيضا على مستوى آليات الاشتغال الإداري وتوزيع الاختصاصات.
وتصدرت مصلحة الجبايات قائمة القطاعات التي استأثرت باهتمام لجنة المصاحبة، بالنظر إلى الملاحظات المرتبطة بعمليات تحصيل الموارد المالية وعدم استصدار قرارات الاستخلاص في عدد من الملفات، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مدى نجاعة تدبير الوعاء الجبائي وقدرة الجماعة على تعبئة مواردها الذاتية.
وجرى التركيز في هذا الجانب على ضرورة ضبط عمليات الإحصاء والتصفية والتحصيل، وتحسين مساطر إصدار أوامر وقرارات الاستخلاص، مع إرساء آليات دقيقة لتتبع الديون والمستحقات الجماعية، تفاديا لاستمرار تراكم المتأخرات أو ضياع موارد مالية كان من الممكن أن تساهم في تمويل المشاريع والخدمات المحلية.
ولم تقتصر عملية إعادة الهيكلة على الجانب المالي، بل امتدت إلى قطاعات التعمير والشرطة الإدارية والرخص التجارية والاقتصادية والمهنية، باعتبارها من أكثر المصالح ارتباطا بالمواطنين والمستثمرين والمنعشين العقاريين.
واشتغلت اللجنة على إعادة تنظيم طرق معالجة الملفات، وتوضيح المسؤوليات داخل مختلف المصالح، وتقوية التنسيق بين الموظفين والأقسام المعنية، فضلا عن تعزيز آليات المراقبة الداخلية، بما يضمن احترام المساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها في منح التراخيص ومراقبة الأنشطة الاقتصادية والعمرانية.
وفي السياق ذاته، عادت إلى الواجهة ملاحظات وشبهات تتعلق بوجود تقاطعات وعلاقات بين بعض المنتخبين ومنعشين عقاريين في ملفات مرتبطة بالتعمير، وهي معطيات تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات العمرانية المتسارعة التي تعرفها بوسكورة، والضغط المتزايد على المصالح المكلفة بدراسة طلبات الرخص ومراقبة الأوراش.
غير أن المصادر شددت على ضرورة التمييز بين الملاحظات التي قد تتضمنها تقارير التفتيش والشبهات التي تستدعي البحث والتدقيق، وبين المسؤوليات القانونية التي يظل الحسم فيها من اختصاص الجهات القضائية والإدارية المختصة، وفق المساطر الجاري بها العمل.
وبموازاة إعادة تنظيم المصالح، أولت لجنة المصاحبة أهمية كبيرة للجانب التكويني، من خلال عقد لقاءات مباشرة مع الموظفين والأطر الإدارية، والعمل على تمكينهم من المعارف القانونية والتدبيرية المرتبطة باختصاصاتهم، خصوصا في القطاعات التي سجلت بشأنها تقارير التفتيش ملاحظات متكررة.
كما شملت المواكبة المنتخبين المكلفين بمهام داخل الجماعة، بهدف توضيح حدود الاختصاصات والمسؤوليات، وتفادي الخلط بين الأدوار السياسية والإدارية، وتعزيز احترام قواعد الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث تندرج هذه الخطوات ضمن توجه يروم الانتقال من التدخل الظرفي إلى إرساء ثقافة إدارية قائمة على وضوح المساطر والتوثيق والتتبع والرقابة.
ويطرح انتهاء مهمة لجنة المصاحبة ببوسكورة سؤال مدى قدرة الجماعة على المحافظة على المكتسبات التي تحققت خلال هذه المرحلة، وترجمة التوصيات والتوجيهات إلى ممارسات يومية داخل مختلف المصالح والأقسام، خصوصا أن مغادرة اللجنة لا تعني بالضرورة انتهاء مسلسل تصحيح الاختلالات، بقدر ما تمثل انتقالا إلى مرحلة جديدة يفترض أن تتحمل فيها الإدارة الجماعية مسؤولية مواصلة الإصلاح.
كما ينتظر أن تشكل الحصيلة التي رفعتها اللجنة إلى وزارة الداخلية أرضية لتقييم نتائج هذا التدخل، وقياس مدى انعكاسه على جودة الخدمات وتدبير الموارد المالية والإدارية، في وقت تتجه فيه مصالح الوزارة إلى تشديد الرقابة على الجماعات الترابية التي تواجه اختلالات في الحكامة والتدبير.
اترك تعليقاً