وجهة نظر

الجملة القاتلة “ها أنا بديت كنهدر بالعربية…”

“ها أنا بديت كنهدر بالعربية”…هذه جملة لها سمعتها في مجال التفاخر الاجتماعي أو الثقافي إن صح التعبير، يتلفظ بها البعض للتعبير “عن دعمه اللامشروط” للغة الضاد التي ينتمي إليها في الأصل، وتنتمي إليه، بل وتسكن فيه لدرجة أن حديثه المتلعثم باللغة الأجنبية لا يكاد يخلو تماما من تعابير عربية قحة، وفي كل استشهاد بفكرة أو مقولة، يرجع ليذكرنا كم هو مشتاق للتحدث بلغته الأم فيطفق قائلا “ها أنا بديت كنهدر بالعربية”…والحقيقة أن كلامه أو كلامها منذ بدايته ما تغيرت لغته أو دعوني أقول لهجته لأنه لم يرقى حتى إلى مستوى لغة، بل هي “عرنسية” تغلب عليها الدارجة المغربية، وتحظى فيها اللغة الفرنسية بنصيب من الصواب والكثير من الزلل، أما اللغة العربية فيها فهي في “محل جر”، لاهو تمكن منها وحملها ولا هو تركها وأخلى سبيلها، فتبقى بذلك تشتكي هذا التنكيل الشنيع والتعذيب السادي، إلى أن توافيها المنية بجرعة السم التي تقذفها عبارة “ها أنا بديت كنهر بالعربية”…والحقيقة ليست شبيهة القول فيا ليته تحدث بها ويا ليته تحدث بلغة سليمة أصلا ولو كانت “هندية” ويا ليته تراجع عن اغتيال لغته الأم التي أعطت له ولها الكثير، لغة الجمال بكل معنى للكلمة، لغة الحضارة والرقي العقائدي بغض النظر عن الحال الذي وصلنا إليه، لأنه نتيجة لسلوكنا ونحن من أوصلنا أنفسنا لنكون أسوء أمة بين الناس بعدما كنا خيرها…ومن أسباب التدني والتخلف مثل هاته العبارات التي بدأت بها هذا المقال.

إذا لم تكن لك هوية تعتز بها فأنت مجهول إنسان غريب ليست لك قضية ولا إرث ثقافي، بل تعيش لتموت غير مخلد سوى لعبارتك السامة التي قضت عليك وسوف تقضي على أجيال بعدك ..ويبقى العرب في جهلهم وتراجعهم وانصهارهم في هويات لا تمت لهم بصلة، ليكون مصير أمتنا الزوال. اللغة العربية يا سيدي ويا سيدتي تدرس منذ سنوات عديدة في أرقى الجامعات العالمية ليستفيدوا من غناها وتنوع أطباقها الرقراقة التي لا تكاد حلاوتها تفارق لسان مستلذ بها، لغة الشعر والبيان، لغة الشمائل الحميدة، لغة الأدب ولغة العلم بامتياز، لكننا أقولها وأكررها تخلفنا عنها وأتى الغرب من بعدنا يدرسها ويستخرج من ثناياها كنوزا عظيمة. يقول في هذا الصدد الكاتب الإيطالي كارلو نلينو “إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضا”.

وقال في وصفها المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون “استطاعت العربية أن تبرز طاقة الساميين في معالجة التعبير عن أدق خلجات الفكر سواء كان ذلك في الاكتشافات العلمية والحسابية، أو وصف المشاهدات أو خيالات النفس وأسرارها..واللغة العربية هي التي أدخلت في الغرب طريقة التعبير العلمي..والعربية من أنقى اللغات”. هؤلاء قلبوا منطق بعض المسلمات، فعوض أن يكذبوا ويلتفوا عن الحقيقة أبوا إلا قولها متجاهلين أثر ذلك على محيطهم وقومهم “فشهد شاهد من غير أهلها”. اللغة العربية يا سيدي ويا سيدتي تدرس في معظم قارات العالم ولكم أن تبحثوا قليلا، أقيمت لها مراكز ومعاهد في دول من مختلف هاته القارات، في بريطانيا، أمريكا، كندا، الصين، كوريا، فرنسا، بولندا، أستراليا، السنغال…(وزيد وزيد). مثلا في الصين هناك 44 جامعة صينية تدرس اللغة العربية، وفي كوريا الجنوبية يعتبرون اللغة العربية هي ثاني لغة لهم بعد لغتهم القومية وذلك بتبني البرلمان الكوري الجنوبي اللغة العربية كثاني لغة وهذا منذ عامين. أضف إلى ذلك الندوات التي تعقدها هذه الدولة المتطورة جدا حول اللغة العربية من بينها ندوة عقدت سنة 2018 كان محورها “اللغة العربية في كوريا”. وكذلك سنة 2019 كانت هناك ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية تحت عنوان “اللغة العربية: الجذور، الأشكال والعولمة”، دعا إليها رئيس الجامعة اللبنانية الأمريكية د. جوزف جبرا، وكان من بين الحاضرين في هذا المحفل العلمي سفير لكوريا الجنوبية. هذا ناهيك على أن كوريا الجنوبية انتهت من ترجمة القرآن الكريم وبدأت في ترجمة الحديث، وأطلقت ميزانيات ضخمة كذلك لدبلجة مسلسلات إلى اللغة العربية..إلخ. وفي بولندا تدرس اللغة العربية في جامعات عديدة كجامعة آدم ميتسكيفيتش في مدينة بوزنان (ADAM MICKIEWICZ)، وجامعة كوبرنيكوس في مدينة تورن Nicols-Copernic))، زد على ذلك جامعة كازيمير (Kazimierz Wielki) والتي نظمت سنة 2014 مؤتمر حول “اللغة والثقافة العربية” والذي حضره أساتذة ومختصون في اللغات، الأنتروبولوجيا والتاريخ من مختلف أنحاء العالم. هذا الزخم المعرفي والإهتمام العالمي بلغة الضاد لم يشفع أن يعيدنا مرة أخرى إلى ذواتنا وهويتنا العربية، ونسائل أنفسنا ماذا وجد هؤلاء في “لغتنا الرثة البالية” ليحيوها ويبعثوا فيها الروح من جديد؟ بل زدناها احتقارا وتنكيلا وتبخيسا، لذلك سمعتنا ومكانتنا بين دول المعمور لا تعدو سوى أن تكون نسخة طبق الأصل لهذا التصور الدوني عن الذات وعن الهوية وعن اللغة. إن تطور الشعوب العربية لن يكون إلا بعودتهم للغتهم والإعتزاز بها والاشتغال على تنميتها ونفخ الأوكسجين في شرايينها، ثم إحياء الهوية والتراث الثقافي الذي أتت عليه العولمة الغربية ودمرت أركانه، والانكباب على دراسة لغات أخرى والإنفتاح على العالم مع تثمين الرأسمال البشري العربي وتحفيز الشباب وتأطيره ليحمل مشعل النمو ولأنه القلب النابض لكل المجتمعات، باعتزاز تام وإباء وبنخوة الإنسان العربي الأصيل. فقد آن الأوان أن تراجعوا حساباتكم وتفكروا ألف ألف مرة قبل أن تنثروا عباراتكم السامة العامرة بازدراء الأصل والذات والإرث “ها أنا بديت كنهدر بالعربية”. يقول الشاعر حافظ إبراهيم في قصيدته الصداحة :

…أرى لرجال الغرب عزا ومنعة “” وكم عز أقوام بعز لغات
أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا “” فيا ليتكم تأتون بالكلمات
أيطربكم من جانب الغرب ناعب “” ينادي بوأدي في ربيع حياتي… (يقصد اللغة العربية)
وقال في حق هاته اللغة العظيمة، الشاعر وديع عقل :
لا تقل عن لغتي أم اللغات “” إنها تبرأ من تلك البنات
لغتي أكرم أم لم تلد “” لذويها العرب غير المكرمات
ما رأت للضاد عيني أثرا “” في لغات الغرب ذات الثغثغات
إن ربي خلق الضاد وقد “” خصها بالحسنات الخالدات…
وقال فيها الشاعر اللبناني حليم دموس :

لغة إذا وقعت على أكبادنا كانت لنا بردا على الأكباد “” وتظل رابطة تؤلف بيننا فهي الرجاء لناطق بالضاد

فكف أيها العربي عن استهجان لغتك والتنمر عليها، فكما قال الأستاذ والشاعر الجليل مصطفى صادق الرافعي رحمة الله عليه في كتابه “وحي القلم”، “ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار…”.

* باحث في القانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • rachida
    منذ 6 سنوات

    notre identeté c est amazighe