الجهاديات المغربيات: السياقات، الدوافع، والتحديات

في العقود الأخيرة، شهدت الظاهرة الجهادية تحولات عميقة، كان من أبرزها تزايد انخراط النساء في صفوف التنظيمات المتطرفة. لم يعد دور المرأة مقتصرًا على الدعم اللوجستي أو التعبئة الدعوية، بل امتد ليشمل أدوارًا قتالية وتنفيذية، لا سيما مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي منح النساء مساحات أوسع للمشاركة في أنشطته. يمثل هذا التحول تحديًا كبيرًا للمجتمعات التي تواجه هذه الظاهرة، ويطرح تساؤلات ملحة حول الدوافع الكامنة وراء هذا الانخراط.
في السياق المغربي، تبرز ظاهرة الجهاديات المغربيات كحالة تستدعي الدراسة والتحليل المعمق. فبالرغم من أن المغرب يُعرف بوسطيته الدينية ومؤسساته التي تسعى لترسيخ قيم الاعتدال، إلا أن عددًا لا يستهان به من النساء المغربيات انخرطن في تنظيمات جهادية، سواء داخل المغرب أو في بؤر التوتر مثل سوريا والعراق. هذا الانخراط يثير تساؤلات حول الأسباب التي تدفع نساءً نشأن في بيئات دينية محافظة، وأحيانًا ضمن حركات إسلامية معتدلة، إلى اختيار هذا المسار المتطرف.
المحور الأول: السياق النظري وتحول أدوار النساء في الحركات الجهادية
تاريخيًا، ارتبط دور المرأة في الحركات الجهادية بشكل أساسي بالدعم اللوجستي، والتعبئة الاجتماعية، وتربية الأجيال على الفكر الجهادي. كانت النساء يُنظر إليهن كـ”أمهات للمجاهدين” أو “زوجات للشهداء”، وكنّ يضطلعن بمهام مثل جمع التبرعات، وتوفير المأوى، ونشر الدعاية [1]. ومع ذلك، شهدت العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في هذه الأدوار، خاصة مع ظهور تنظيمات مثل القاعدة، ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي استغل النساء بشكل مكثف في استراتيجياته التوسعية.
تطور أدوار النساء في التنظيمات الجهادية
في البداية، كانت مشاركة النساء في التنظيمات الجهادية محدودة وتقتصر على أدوار هامشية، كما هو الحال مع تنظيم القاعدة [2]. لكن مع صعود داعش، تغير هذا النمط بشكل كبير. أدرك التنظيم أهمية العنصر النسائي في بناء “الخلافة” المزعومة، ولم يعد يكتفي بدورهن التقليدي. بل شجع النساء على الهجرة إلى مناطق سيطرته، وأسند إليهن مهامًا أكثر فاعلية وتأثيرًا. شملت هذه المهام:
- الشرطة الدينية (الحسبة): حيث قامت النساء بفرض قوانين التنظيم على النساء الأخريات، ومراقبة الالتزام بالزي الشرعي والسلوكيات العامة [3].
- الدعاية والتجنيد الإلكتروني: استغلت داعش وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد النساء من مختلف أنحاء العالم، مستخدمة خطابًا عاطفيًا ودينيًا يركز على “الجهاد” و”الخلافة” و”الشهادة” [4]. كانت النساء المجندات يقمن بنشر رسائل التنظيم، وتجميل صور الحياة في مناطق سيطرته، والتواصل مع النساء الأخريات لاستقطابهن.
- الأدوار القتالية والتنفيذية: في بعض الحالات، تجاوز دور النساء مجرد الدعم ليصل إلى المشاركة المباشرة في العمليات القتالية، أو حتى تنفيذ العمليات الانتحارية، وإن كان ذلك بنسبة أقل مقارنة بالرجال [5].
هذا التحول في أدوار النساء يعكس استراتيجية داعش في تعظيم الاستفادة من جميع أفراد المجتمع لخدمة أهدافه، كما يشير إلى قدرة التنظيم على التكيف وتطوير آليات التجنيد لتشمل فئات جديدة. كما أن هذا التطور أظهر أن النساء لم يعدن مجرد ضحايا للتطرف، بل أصبحن فاعلات فيه، مما يستدعي فهمًا أعمق لدوافعهن وسياقات انخراطهن.
السياق المغربي لانخراط النساء في التطرف
في المغرب، بدأت ظاهرة انخراط النساء في الحركات الجهادية تظهر بوضوح بعد عام 2011، مع تزايد عدد النساء اللواتي التحقن بالجماعات المسلحة في سوريا والعراق [6]. وقد شمل هذا الانخراط فئات عمرية متنوعة، من الفتيات المراهقات إلى الأمهات، مما يدل على أن الظاهرة لا تقتصر على فئة معينة، وأن هناك عوامل متعددة تدفع النساء نحو هذا المسار.
تُشير الدراسات والتقارير إلى أن السياق المغربي يتسم بوجود عوامل اجتماعية ودينية ونفسية قد تسهم في دفع بعض النساء نحو التطرف. من هذه العوامل:
- الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية: الفقر، البطالة، الأمية، والعنف الأسري يمكن أن تدفع بعض النساء للبحث عن بدائل أو حلول في الخطاب المتطرف الذي يقدم وعودًا بالعدالة والتمكين [7].
- التأثير العاطفي والزوجي: تلعب العلاقات العاطفية والزوجية دورًا مهمًا في تجنيد النساء، حيث تتبنى بعض النساء الفكر الجهادي بعد الزواج من عناصر متطرفة [8].
- الخطاب الإعلامي الجهادي: تستغل التنظيمات المتطرفة خطاب المظلومية والبطولة، وتروج لفكرة “الخلافة” كيوتوبيا دينية، مما يجذب بعض النساء الباحثات عن معنى أو هوية [9].
- فشل الحركات الإسلامية المعتدلة: يرى بعض الباحثين أن الحركات الإسلامية المعتدلة في المغرب لم تستطع استيعاب الحاجات النفسية والدينية العميقة للمرأة، مما ترك فراغًا استغلته التنظيمات الجهادية [10].
إن فهم هذه السياقات والدوافع المتعددة أمر بالغ الأهمية لتطوير استراتيجيات وقائية فعالة تستهدف النساء، وتعمل على تعزيز مناعة المجتمع ضد الأفكار المتطرفة. كما يتطلب ذلك مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الدينية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية للظاهرة.
المحور الثاني: دراسة حالات مغربية
تُقدم دراسة الحالات الفردية للجهاديات المغربيات رؤى عميقة حول المسارات التي قد تؤدي إلى التطرف، وتكشف عن تعقيد الدوافع التي تتجاوز التفسيرات المبسطة. في هذا المحور، نستعرض بعض الحالات البارزة التي ورد ذكرها في البحث، مع تحليل أبعادها المختلفة.
دراسة حالات مغربية: حدود التمثيل وشح الرموز النسائية
تُقدم دراسة الحالات الفردية للجهاديات المغربيات رؤى عميقة حول المسارات المؤدية إلى التطرف العنيف، وتكشف عن تعقيد الدوافع التي تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية والنفسية. غير أن تتبع هذه الحالات يكشف عن خصوصية في التجربة المغربية، لا سيما في شح الأسماء النسائية البارزة مقارنة بسياقات عربية أخرى كالسعودية وسوريا ومصر.
تُعد فتيحة المجاطي من أبرز الأسماء المغربية التي ارتبطت بالحركات الجهادية، خصوصًا بعد مقتل زوجها في العراق وانضمامها مع ابنها إلى الجماعات المسلحة هناك، ما جعل منها نموذجًا مبكرًا لـ”الزوجة المجاهدة” التي تستبطن خطابًا جهاديًا يتجاوز الحدود الوطنية. ورغم رمزية هذه الحالة، فإنها بقيت معزولة نسبيًا من حيث الانتشار الإعلامي والتأثير الرمزي مقارنة بأسماء عربية مثل إيمان البغا في سوريا، أو هيلة القصير في السعودية، أو عالية حسني في مصر.
وبين سنتي 2003 و2014، اعتقلت السلطات المغربية أكثر من 40 امرأة بتهم تتعلق بالتطرف، وفق تقارير أمنية، ما يشير إلى وجود بنية تحتية نسائية غير مرئية للتطرف. كما تُظهر بيانات حديثة أن أكثر من 200 امرأة مغربية، رفقة أطفالهن، ما زلن عالقات في مخيمي الهول والروج شمال شرقي سوريا، بعد أن التحقن بتنظيم “داعش” خلال ذروته بين 2014 و2017. غير أن الغالبية الساحقة من هؤلاء النساء لم يُعرفن بأسمائهن، ولم يبرزن كشخصيات فكرية أو إعلامية داخل المنظومة الجهادية، ما يعكس هامشية الحضور الرمزي للمرأة المغربية في الخطاب الجهادي مقارنة بنظيراتها من المشاركات في السياقات السورية أو الخليجية.
يمكن تفسير هذا الغياب النسبي لعوامل متعددة، من بينها صرامة الرقابة الأمنية، وحدود الحضور النسائي في المشهد الدعوي السلفي التقليدي داخل المغرب، فضلاً عن طبيعة التنظيمات الجهادية المغربية التي كانت غالبًا ذات طابع شبكي محلي ومحدود التأطير الإيديولوجي مقارنة بالتنظيمات العابرة للوطنية.
فتيحة المجاطي: من زوجة داعمة إلى رمز جهادي
تُعد فتيحة المجاطي، أرملة كريم المجاطي أحد أبرز عناصر تنظيم القاعدة الذي قُتل في السعودية عام 2005، حالة محورية في فهم تحول أدوار النساء في السياق الجهادي المغربي. لم تكن المجاطي مجرد زوجة داعمة لزوجها، بل تطور دورها لتصبح رمزًا للجهاد، ومروجة للخطاب المتطرف عبر وسائل الإعلام [6].
“لم تكن أم آدم المجاطي المغربية الوحيدة التي جهرت بمبايعتها لزعيم تنظيم “داعش”، أبي بكر البغدادي،…” [6]
تُظهر حالة فتيحة المجاطي كيف يمكن للعلاقات الأسرية والزوجية أن تكون بوابة للانخراط في الفكر المتطرف. فبعد وفاة زوجها، لم تتراجع المجاطي عن دعمها للفكر الجهادي، بل أصبحت أكثر نشاطًا في ترويجه، مما يشير إلى أن التطرف قد يصبح جزءًا لا يتجزأ من الهوية الشخصية للفرد، يتجاوز مجرد التأثر بالآخرين. كما أن بروزها كشخصية عامة في هذا السياق يعكس قدرة الحركات الجهادية على استغلال الرموز النسائية لتعبئة وتجنيد المزيد من الأفراد.
مغربيات داعش: أعداد متزايدة وأدوار متنوعة
تشير التقارير الأمنية المغربية والدراسات إلى أن المئات من النساء المغربيات التحقن بتنظيم داعش في سوريا والعراق [11]. وقد تنوعت دوافع وأدوار هؤلاء النساء:
- الالتحاق برفقة الأزواج والأبناء: العديد من النساء سافرن إلى مناطق الصراع برفقة أزواجهن وأبنائهن، مدفوعات بالولاء الأسري أو الاعتقاد بضرورة الهجرة إلى “أرض الخلافة” [12].
- التجنيد عبر الإنترنت: استُدرجت أخريات عبر الإنترنت، حيث استغلت التنظيمات هشاشة بعض النساء، ووعودهن بالزواج من “مجاهدين” أو بـ”حياة كريمة” في ظل “الخلافة” [8].
- أدوار داخل التنظيم: شاركت بعض هؤلاء النسوة في عمليات التجنيد، بينما اضطلعت أخريات بأدوار إدارية، مثل إدارة “الحسبة” (الشرطة الدينية) داخل مناطق سيطرة التنظيم، أو تقديم الدعم اللوجستي [3].
“إسبانيا تفكك “أكاديمية لتجنيد مغربيات” في داعش، ضمنهن خلية لغسل دماغ المجندات وتلقينهن الفكر الجهادي…” [13]
تُظهر هذه الحالات أن التجنيد لا يقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية معينة، وأن التنظيمات المتطرفة تستهدف شرائح واسعة من النساء، مستغلة نقاط ضعف مختلفة، سواء كانت اجتماعية، اقتصادية، أو نفسية. كما أن وجود “أكاديميات” للتجنيد وغسل الأدمغة يؤكد على المنهجية المنظمة التي تتبعها هذه التنظيمات في استقطاب النساء.
أبرز النساء المغربيات المرتبطات بداعش:
- فتيحة المجاطي (أم آدم): مغربية من الدار البيضاء، زوجة الجهادي كريم المجاطي. بعد انتقالها إلى مناطق سيطرة داعش، أصبحت تقود “لواء الخنساء” النسائي المسؤول عن تطبيق قوانين التنظيم فيما يخص النساء.
- سميرة: يُقال إنها من أوائل المغربيات اللواتي بايعن “البغدادي”، وعُرفت بأنها “أكبر مزود لداعش بالنساء”، حيث نجحت في تجنيد عشرات الفتيات المغربيات للانضمام إلى التنظيم.
- “أم عبيدة” و “أم عائشة”: مقاتلتان مغربيتان في صفوف داعش، ورد ذكرهما في تقرير لمعهد الحوار الاستراتيجي في لندن عام 2015.
- سميرة إيكو: ورد ذكرها في تقارير إعلامية على أنها من أوائل المغربيات اللواتي أعلنّ ولاءهن لداعش، وشاركت في استقطاب نساء أخريات للانضمام إلى التنظيم.
بيانات حول أعداد النساء المغربيات في مخيمات شمال شرق سوريا:
وفقاً لبيانات مشروع إحصائي أعدته اليونيسف بالتعاون مع التنسيقية الوطنية للعائلات المغربية العالقة في سوريا والعراق، هناك 280 امرأة مغربية مع أكثر من 390 طفلاً في مخيمي “الهول” و”روج” بسوريا. بينما تذكر مصادر صحفية وتقارير حقوقية أصغر أرقاماً مختلفة:
- تقرير عام 2021 ذكر وجود 81 امرأة مغربية و 251 طفلاً في المخيمين.
- أحدث البيانات (فبراير 2025) تشير إلى أن 103 نساء مغربيات و 285 طفلاً ما زالوا عالقين في تلك المخيمات.
- تقارير أخرى (يوليو 2025) أوضحت أن العدد لا يزال 476 مغربياً عالقاً في سوريا، منهم 103 نساء و 285 طفلاً.
المحور الثالث: السياقات الدافعة للتطرف النسائي
تتعدد العوامل التي تدفع النساء نحو الجهادية، وهي غالبًا ما تكون متشابكة ومعقدة، تتجاوز التفسيرات أحادية البعد. يمكن تصنيف هذه السياقات إلى أبعاد دينية، اجتماعية، نفسية، واقتصادية، تتفاعل فيما بينها لتشكل بيئة خصبة للانخراط في الفكر والممارسات المتطرفة.
- فشل الحركات المعتدلة والفراغ الديني
يشير بعض الباحثين إلى أن الحركات الإسلامية المعتدلة في المغرب، رغم جهودها في ترسيخ قيم الوسطية، لم تستطع استيعاب الحاجات النفسية والدينية العميقة للمرأة [10]. ففي كثير من الأحيان، يطغى الجانب الوعظي والأخلاقي على الجانب الحقوقي أو الجهادي، مما قد يترك فراغًا تستغله التنظيمات المتطرفة. هذه التنظيمات تقدم تفسيرات أكثر راديكالية للدين، وتعد بـ”التمكين” و”العدالة”، مما قد يجذب النساء الباحثات عن دور فعال أو هوية قوية في مجتمع قد يشعرن فيه بالتهميش.
- العامل العاطفي والزوجي
يلعب العامل العاطفي والزوجي دورًا حاسمًا في انخراط العديد من النساء في التطرف. فكثير من النساء يتبنين الفكر الجهادي بعد الزواج من عناصر متطرفة، أو يتم استدراجهن عبر الإنترنت للزواج من مقاتلين في مناطق الصراع [8]. يصبح الارتباط العاطفي في هذه الحالات وسيلة للتجنيد، حيث تتأثر المرأة بأفكار زوجها أو خطيبها، وتقتنع بضرورة الهجرة. هذه الديناميكية تُظهر كيف يمكن للعلاقات الشخصية أن تكون جسرًا نحو التطرف، خاصة عندما تكون المرأة في وضع نفسي أو اجتماعي هش.
- الخطاب الإعلامي الجهادي والدعاية الرقمية
تُعد الدعاية الإعلامية للتنظيمات الجهادية، وخاصة داعش، عاملًا رئيسيًا في استقطاب النساء. تستغل هذه التنظيمات وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية لنشر خطاب المظلومية والبطولة، وترويج فكرة “الخلافة” كـ”يوتوبيا” دينية [4]. يتم تجميل الحياة في مناطق سيطرة التنظيم، وتقديم وعود بالزواج من “مجاهدين”، وتصوير النساء المنخرطات في التنظيم كـ”بطلات” أو “شهيدات”. هذا الخطاب الموجه يستهدف الفتيات والنساء الباحثات عن معنى لحياتهن، أو عن دور يتجاوز الأدوار التقليدية التي قد يشعرن أنها مقيدة.
- الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية
تُشكل الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية بيئة خصبة للتطرف. فالفقر، والأمية، والبطالة، والعنف الأسري، كلها عوامل يمكن أن تدفع النساء نحو البحث عن بدائل أو حلول في الخطاب المتطرف [7]. عندما تشعر المرأة باليأس أو التهميش أو الظلم، قد تجد في التنظيم ملاذًا أو وعدًا بحياة أفضل. تُقدم التنظيمات نفسها كـ”منقذ” لهذه الفئات، مستغلة معاناتهن لتجنيدهن في صفوفها. كما أن غياب فرص التعليم والعمل اللائق يزيد من قابلية النساء للتأثر بالخطاب المتطرف، حيث يصبحن أكثر عرضة للاستغلال والتجنيد.
المحور الرابع: تحديات إعادة التأهيل والإدماج
تُعد عملية إعادة تأهيل وإدماج الجهاديات العائدات من مناطق الصراع، أو المعتقلات بتهم الإرهاب، تحديًا معقدًا يواجه الحكومات والمجتمعات على حد سواء. فبينما تسعى الدول إلى احتواء خطر التطرف، تواجه في الوقت نفسه ضرورة التعامل الإنساني مع هؤلاء النساء، وضمان عدم تحولهن إلى بؤر جديدة للتطرف. تتعدد التحديات في هذا السياق، وتشمل الجوانب الأمنية، والنفسية، والاجتماعية، والقانونية.
- التحديات الأمنية
يُشكل الجانب الأمني التحدي الأبرز في التعامل مع الجهاديات العائدات. غير ان جل العائدات لم يقمن باي فعل عنيف ،. تُظهر بعض التقارير أن النساء اللواتي عدن من مناطق الصراع اندمجن بشكل سريع.
- التحديات النفسية والاجتماعية
تُعاني الجهاديات العائدات الى المغرب منذ مدة وخاصة اللواتي اخدن مغامرة الرجوع عبر الاراضي السورية ودخلن الى تركيا من صدمات نفسية عميقة نتيجة للظروف القاسية التي عشنها في مناطق الصراع، من عنف، واضطهاد، وفقدان للأحباء. هذه الصدمات قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب، والقلق، واضطراب ما بعد الصدمة، مما يُعيق عملية إعادة تأهيلهن [15]. على الصعيد الاجتماعي، تواجه هؤلاء النساء رفضًا مجتمعيًا، وصعوبة في إعادة الاندماج في أسرهن ومجتمعاتهن، مما يزيد من. كما أن أطفالهن، الذين نشأوا في بيئات متطرفة، يُشكلون تحديًا إضافيًا، حيث يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي مكثف لتفكيك الأفكار المتطرفة التي قد يكونوا قد تشربوها.
- التحديات القانونية
تُشكل الجوانب القانونية تحديًا آخر في التعامل مع الجهاديات. ففي كثير من الأحيان، لا توجد أطر قانونية واضحة للتعامل مع النساء العائدات، خاصة إذا لم يكنّ قد شاركن بشكل مباشر في أعمال قتالية. تختلف التشريعات من دولة لأخرى، مما يُصعب عملية التنسيق الدولي في هذا الشأن. كما أن هناك جدلًا حول ما إذا كان يجب معاملة هؤلاء النساء كضحايا أم كجناة، مما يُؤثر على نوعية البرامج التي تُقدم لهن.
- قصور برامج إعادة التأهيل
على الرغم من الجهود المبذولة، لا تزال برامج إعادة التأهيل في المغرب، وفي العديد من الدول، تُعاني من قصور في التعامل مع الجهاديات. فغالبًا ما تُصمم هذه البرامج للذكور، ولا تراعي الخصوصية النفسية والاجتماعية للمرأة [16]. كما أن نقص الموارد، والخبرات المتخصصة، والتنسيق بين الجهات المعنية، يُعيق فعالية هذه البرامج. تُظهر التجارب الدولية، مثل تجربة ألمانيا في إعادة تأهيل العائدين من سوريا والعراق، أهمية المقاربات الشاملة التي تتضمن الدعم النفسي، والتعليم، والتدريب المهني، والتتبع الاجتماعي [19].
“بالإضافة إلى ذلك، طورت ألمانيا مجموعة متنوعة من برامج مكافحة التطرف، والتي يتم تنفيذها داخل نظام السجون وخارجه. توفر هذه البرامج التوجيه وغيره من أشكال الدعم…” [19]
إن معالجة هذه التحديات تتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة، تُشرك مختلف الفاعلين من حكومات، ومجتمع مدني، ومؤسسات دينية، وأسر. كما تتطلب تبادل الخبرات والتجارب بين الدول، وتطوير برامج تأهيل متخصصة تُراعي احتياجات النساء، وتُركز على تفكيك الأفكار المتطرفة، وتعزيز الاندماج الاجتماعي.
الخاتمة والتوصيات
تُعد ظاهرة الجهاديات المغربيات ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، تتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة لفهمها والتعامل معها. لقد أظهرت هذه الدراسة أن انخراط النساء في التطرف الجهادي ليس مجرد نتيجة لدوافع دينية بحتة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل اجتماعية، واقتصادية، ونفسية، ودينية. كما أن تحول أدوار النساء في التنظيمات الجهادية، من مجرد داعمات إلى فاعلات، يُبرز الحاجة إلى إعادة النظر في الاستراتيجيات التقليدية لمكافحة التطرف.
إن التحديات التي تواجه المغرب في التعامل مع هذه الظاهرة كبيرة، خاصة فيما يتعلق بإعادة تأهيل وإدماج الجهاديات العائدات. فالقصور في برامج التأهيل، وغياب المقاربات المتخصصة للنساء، يُعيق الجهود المبذولة لاحتواء خطر التطرف، وقد يُسهم في إعادة إنتاج الظاهرة.
بناءً على ما تقدم، تُقدم هذه الدراسة التوصيات التالية:
- تعزيز البحث العلمي والدراسات المتخصصة
هناك حاجة ماسة إلى المزيد من البحث العلمي المعمق حول ظاهرة الجهاديات المغربيات، مع التركيز على الجوانب النفسية والاجتماعية والدوافع الفردية. يجب تشجيع الدراسات الميدانية التي تستند إلى مقابلات مع الجهاديات العائدات وأسرهن، لفهم أعمق لمسارات التطرف وتحديات إعادة الإدماج.
- تطوير برامج تأهيل وإدماج متخصصة للنساء
يجب تصميم وتطبيق برامج تأهيل وإدماج تُراعي الخصوصية النفسية والاجتماعية للمرأة المتطرفة. يجب أن تتضمن هذه البرامج دعمًا نفسيًا مكثفًا، وإعادة تأهيل فكري، وتدريبًا مهنيًا، وتتبعًا اجتماعيًا طويل الأمد. كما يجب إشراك الأسرة والمجتمع المحلي في هذه البرامج لضمان نجاح عملية الإدماج.
- تعزيز دور المجتمع المدني والمؤسسات الدينية
يجب دعم منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية التي تعمل في مجال مكافحة التطرف، وتزويدها بالموارد والخبرات اللازمة. يمكن لهذه المنظمات أن تلعب دورًا حيويًا في توعية الشباب والنساء بمخاطر التطرف، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الهشة.
- معالجة الأسباب الجذرية للتطرف
يجب على الحكومة المغربية الاستمرار في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف، مثل الفقر، والبطالة، والأمية، والتهميش الاجتماعي. يجب تعزيز فرص التعليم والعمل اللائق، وتوفير الدعم للفئات الهشة، لتقليل قابلية الأفراد للتأثر بالخطاب المتطرف.
المراجع
[1] https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/ttwr-dwr-almrat-fy-tnzym-aldwlt-alaslamyt [2] https://caus.org.lb/%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7/ [3] https://www.alarabiya.net/arab-and-world/syria/2014/08/22/-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%B6-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D8%BA%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86 [4] https://www.azhar.eg/observer/details/ArtMID/1142/ArticleID/54183/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A [5] https://www.bbc.com/arabic/world-47963284 [6] https://www.hespress.com/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D8%AA%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A3%D9%86%D9%8A%D8%AB-%D9%82%D8%B5%D8%B5-%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B2%D8%A7%D8%AD%D9%85-226763.html [7] https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/research_reports/RR1100/RR1118/RAND_RR1118z1.arabic.pdf [8] https://www.hespress.com/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%8A%D8%B0%D9%82%D9%86-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%83%D8%A7%D8%AD-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%B6-369072.html [9] https://www.aljazeera.net/sukoon/2017/3/9/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D9%86%D8%B6%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B3-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%8A%D9%81%D8%A9 [10] https://alarab.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D9%88%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC [11] https://arabic.rt.com/middle_east/1280950-%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%8A%D9%86%D8%B4%D8%AF%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9/ [12] https://www.hespress.com/%D8%B9%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%AA%D9%86%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85-540743.html [13] https://chafaf.ma/%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%83-%D8%A3%D9%83%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%84/ [14] https://www.alestiklal.net/ar/view/3111/dep-news-1574349997 [15] https://arabicpost.net/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/2020/11/29/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7/ [16] https://www.hespress.com/%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC-%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D9%8A%D9%8F%D8%AE%D9%84%D9%8A-%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84-1198141.html [17] https://carnegie-production-assets.s3.amazonaws.com/static/files/saudi.pdf [18] https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/nsa-dash-wmkhym-alhwl [19] https://strongcitiesnetwork.org/ar/news/%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%A3%D9%87%D9%8A%D9%84-%D9%88%D8%A5%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-
اترك تعليقاً