الوجه الحقيقي لموقف الصين من فلسطين: تضامن محسوب أم لعبة مصالح؟

في ظلّ تعقّد المشهد الدولي، واشتداد المأساة الفلسطينية مع استمرار العدوان الإسرائيلي، بات لزامًا على كل مراقب عربي أن يُعيد قراءة مواقف القوى العالمية من القضية المركزية في الوجدان العربي. ومن بين هذه القوى، تبرز الصين كفاعلٍ صامت يحاول أن يُمسك العصا من الوسط: من جهة يُعلن دعمه المبدئي للقضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى ينسج علاقات اقتصادية واستراتيجية متينة مع إسرائيل.
لقد قمتُ كصحفي يتابع الشأن العربي والدولي، بمتابعة دقيقة لحلقة تحليلية عميقة بثّت مؤخرًا عبر منصة “السبيل”، تناولت علاقة الصين بالصهيونية وموقفها الحقيقي من فلسطين. (رابط الحلقة: https://www.youtube.com/watch?v=1DUoxIBJlI4)
وقد دفعتني هذه المتابعة إلى تفكيك الخطاب الصيني الرسمي وربطه بسلوك الصين العملي على الأرض، اقتصاديًا وسياسيًا، وهو ما يكشف عن موقفٍ بالغ التعقيد يستحق وقفة متأنّية.
تُدلي الصين، عبر وزارة خارجيتها، بتصريحات تؤكد على ضرورة حل الدولتين ووقف الاحتلال الإسرائيلي وتفكيك المستوطنات. وتمتنع في الوقت ذاته عن تصنيف حركات المقاومة، مثل حماس، ضمن المنظمات “الإرهابية”، بخلاف الموقف الأمريكي أو الأوروبي. وهذا يضعها، نظريًا، في صفّ الدعم السياسي للفلسطينيين.
وفي المحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنتدى التعاون الصيني–العربي، تكرّر الصين دعوتها لسلام شامل مبني على “العدالة”، دون الخروج عن إطار اللغة الدبلوماسية العامة، ما يمنحها صورة الوسيط “المحايد”.
الصين تملك أدوات فاعلة في المنطقة، إذ عيّنت مبعوثًا خاصًا للشرق الأوسط، وفتحت قنوات مع جميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس وفتح والجهاد الإسلامي. وقد استضافت محادثات مصالحة فلسطينية في بكين، مشجعة على “إعادة ترتيب البيت الفلسطيني”، وهو ما يوحي برغبة في لعب دور سياسي نشِط، بعيدًا عن التورّط العسكري أو الانحياز المباشر.
لكن خلف هذه الواجهة، نجد الوجه الآخر للسياسة الصينية: استثمارات ضخمة مع إسرائيل في قطاعات حيوية تشمل البنية التحتية، الموانئ، التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة.
الخطير أن بعض هذه الاستثمارات تمتد داخل المستوطنات بالضفة الغربية، وهو ما يُعد خرقًا صارخًا للقانون الدولي، ويضع بكين في موقفٍ متناقض مع تصريحاتها الرسمية.
يلاحظ المتابع أن الرأي العام الصيني، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يُبدي تعاطفًا لافتًا مع الشعب الفلسطيني، ويرى في القضية الفلسطينية امتدادًا لمقاومة الاستعمار. لكن في المقابل، هناك شريحة من النخب الأكاديمية والاقتصادية ترى في إسرائيل شريكًا تكنولوجيًا متقدمًا يجب الحفاظ عليه. هذا التناقض الداخلي بين وجدان الشعب وحسابات النخبة يُعزز مسار بكين في تبنّي موقف مزدوج.
لماذا تهتم الصين بفلسطين إذن؟
الحقيقة أن بكين تدير سياستها وفق مبدأ “الربح المتبادل”: فهي لا تريد خسارة ودّ الشارع العربي أو دول الخليج أو محور المقاومة، لكنها كذلك لا تُخفي رغبتها في الاستفادة من الابتكار الإسرائيلي وموقع تل أبيب ضمن المعسكر الغربي.
تُحاول الصين الحفاظ على صورتها كقوة عالمية بديلة، راعية للتوازنات لا النزاعات، لذلك فهي تطرح نفسها كوسيط سلام دون التورّط في صدامات. ولكن، حين تُفكك هذه الصورة، تبرز حسابات اقتصادية واضحة قد تجعل من موقفها أقرب للبراغماتية منه إلى المبادئ.
قد يبدو الموقف الصيني للبعض “أفضل من غيره”، لكنه لا يرقى إلى مستوى “الموقف الأخلاقي” الذي يتطلب دعمًا حقيقيًا للعدالة، لا مجرد تصريحات محسوبة. ومثلما جاء في الحلقة التي تناولت هذا الملف، فإن بكين تسعى لإرضاء الجميع، لكنها لا تُواجه تل أبيب بمواقف عملية، مثل وقف الاستثمارات في المستوطنات، أو فرض شروط أخلاقية على شراكاتها الاقتصادية.
خاتمة: الحذر واجب… والوعي أولى من الإعجاب
ليس المطلوب منا كعرب أن نرفض الصين أو نقاطعها، بل أن نتعامل معها بوعي استراتيجي. علينا أن نُدرك أن كل دولة، بما فيها الصين، تتحرك وفق مصالحها، لا وفق عواطفنا. ولذا يجب ألا ننجرف خلف عبارات “التأييد اللفظي”، بل نقرأ ما وراء السطور ونراقب الأفعال لا الأقوال.
والرسالة الأهم: على الصين أن تُراجع سياساتها تجاه القضية الفلسطينية، إذا كانت فعلاً تطمح إلى قيادة عالم متعدد الأقطاب عادل. لأن التضامن لا يُقاس بالكلمات، بل بالمواقف.
* كاتب صحفي مقيم بايطاليا
اترك تعليقاً