منتدى العمق

سفاري سراييفو، رحلات سياحية لصيد كائنات بشرية

يبدو العنوان غريب شيء ما، لكن لا أخفيكم مدى تأثري العميق وأنا أقوم بكتابة هذا المقال، الذي بكل صراحة، مع كل سطر أخطه أشعر بمزيج من الغضب والحزن على شعب تجرع ويلات الحصار، وعانى الحرمان والقتل الممنهج من طرف جيش عرقي ومعه مجموعة من الإرهابيين المسيحيين، المدججين بالأسلحة، هدفهم الوحيد والأوحد، هو قتل أكبر عدد من مسلمي البوسنة، فخلال بداية الأسبوع المنصرم، فجر الصحفي الإيطالي إزيو غافاتزيني، فضيحة من العيار الثقيل، أطلق عليها الإعلام الغربي “سفاري سراييفو”، وهي في الأصل عنوان لفيلم وثائقي للمخرج السلوفيني ميران زوبانيتش، والذي قام بعرضه في 2022.

يروي الفيلم الوثائقي، استنادا إلى شهادات جنود سابقين وأفراد من المخابرات البوسنية، تفاصيل ما وصفوه ب”سياحة الحرب”، وهي رحلات سياحية قام بها أثرياء من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، حيث دفعوا أموالا تقدر بآلاف الدولارات، لا شيء إلا لمرافقتهم إلى مواقع صرب البوسنة على التلال، والغاية من ذلك، هو ممارسة وحشيتهم وغريزة القتل التي تشبعوا بها من خلال إطلاق النار من بنادق الصيد على مدنيين عزل، خاصة الأطفال، الذين كانوا على قائمة أسعار الصيد هم الأغلى مقارنة بالنساء والرجال، بينما الشيوخ والعجزة، كانت تتم عملية قنصهم بالمجان، كنوع من التشجيع والتحفيز لممارسة جرائمهم ومجازرهم.

ففي ذروة حصار سراييفو (1992-1996)، الذي منع فيه وصول الطعام والماء والدواء، تم ارتكاب هذه الجرائم، والتي إن دلت على شيء، فإنما تدل على مدى وحشية منفذي جرائم القتل هاته، والتي تم تنفيذها في حق مسلمي سراييفو بجمهورية البوسنة والهرسك.

هي مناسبة كذلك للتذكير، بأن مرحلة الحصار تلك، التي دامت لأربع سنوات، شهدت في يوليوز إبادة جماعية راح ضحيتها 8000 مسلم بوسني، والتي تعرف بمذبحة سربرينيتشا، والتي كان أبرز من تسبب فيها وقادة لارتكابها كل من راتكو ملاديتش ورادوفان كاراديتش، واللذان حكمت عليهما المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بالسجن المؤبد بتهمة ارتكاب جرائم حرب والتسبب في إبادة جماعية.

حصار سراييفو يعتبر أحد أطول الحصارات وأكثرها دموية في التاريخ الأوروبي المعاصر، قتل فيه أكثر من 11000 شخص، من بينهم 1500 طفل، نتيجة القصف ونيران القناصة التي حولت بعض شوارع المدينة فيه، على سبيل المثال لا الحصر، “حي القناصة” سيئ السمعة، إلى مصيدة من مصائد الموت.

فبعد تفجير هذه الفضيحة، فتحت النيابة العامة في ميلانو بإيطاليا، تحقيقا فيما بات يعرف ب”سفاري سراييفو البشري”، وكان ذلك أيضا، بسبب شكوى تقدم بها الكاتب والصحفي الإيطالي إزيو غافاتزيني، بدعم من المحاميين نيكولا بريجيدا وغويدو سالفيني، هذا الأخير كان مدعي عام سابق معروف بتحقيقاته في المجازر والإرهاب الذي ارتكبته الفصائل الإيديولوجية المتطرفة ومجموعات المافيا في إيطاليا خلال النصف الثاني من القرن الماضي.

الفيلم الوثائقي “سفاري سراييفو”، تحدث عن وجود مواطنين إيطاليين من رجال أعمال ومهنيين شاركوا في رحلات الصيد البشري، فقد شملت مسارات الرحلة التي تطرق لها الفيلم الوثائقي، المرور من جهة ترييستي الإيطالية إلى بلغراد في يوغسلافيا السابقة عاصمة صربيا الحالية، ومن هناك الذهاب إلى المواقع على المرتفعات حول سراييفو، التي كانت في ذلك الوقت تحت سيطرة قوات صرب البوسنة الموالية لرادوفان كاراديتش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *