منوعات

إصدار أكاديمي جديد يعيد بناء مفاهيم القانون الدستوري بأسلوب بيداغوجي حديث

أصدر الدكتور كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط، مؤلفا بيداغوجيا وعلميا جديدا يحمل عنوان “النظرية العامة للقانون الدستوري: دروس، مفاهيم وتمارين تطبيقية”، حيث يأتي هذا العمل الأكاديمي استجابة لحاجة معرفية ملحة لدى الطلبة، ولا سيما في سنواتهم الجامعية الأولى، لتوفير مراجع علمية تيسر استيعاب المادة القانونية دون الإخلال بالدقة العلمية، وتجمع ببراعة بين البناء النظري الرصين وبين التدريب العملي الذي يصقل مهارات التحليل والتحرير القانوني.

وتميز هذا الإصدار الجديد بكونه يتجاوز المنطق التقليدي لملخصات الدروس بالمفهوم المدرسي الضيق، إذ اشتغل المؤلف على إعادة بناء المفاهيم المؤسسة للقانون الدستوري وفق صياغة منهجية واضحة ومنظمة في شكل فصول مترابطة، تمنح الطالب مفاتيح القراءة والفهم العميق قبل الغوص في التفاصيل الدقيقة، مما يجعل الكتاب دليلا عمليا مثاليا للمراجعة والاستعداد للامتحانات، ومرجعا تأسيسيا لبناء الحس الدستوري، من خلال الإجابة على إشكاليات جوهرية تتعلق بفهم الدولة، وممارسة السلطة، ومعنى السيادة، ووظيفة الدستور، وضمانات سموه وفعاليته.

وانطلق الكتاب في مقاربته العلمية من محور الدولة بصفتها الإطار الجامع للقانون الدستوري، حيث عرفها الهشومي من خلال عناصرها المكونة من الشعب والإقليم والسلطة، مستعرضا النظريات المفسرة لنشأتها سواء التعاقدية منها أو غير التعاقدية، بأسلوب يربط الخلفيات الفكرية لرواد الفلسفة السياسية مثل هوبز ولوك وروسو بالتحولات الاجتماعية التي مهدت لقيام الدولة الحديثة، كما تتبع تطور وظائف الدولة تاريخيا من الدولة الحارسة إلى المتدخلة ودولة الرفاه، وصولا إلى النقاشات الراهنة حول الدولة الضابطة والموجهة في ظل العولمة، بهدف تمكين الطالب من فهم دينامية تغير الدولة وانعكاس ذلك على المؤسسات والحقوق.

وخصص المؤلف حيزا مهما ومتعمقا لموضوع السيادة ومظاهرها باعتبارها جوهر الدولة الحديثة، مميزا بين السيادة الداخلية التي تؤسس لاحتكار الإكراه المشروع، والسيادة الخارجية التي تحدد موقع الدولة دوليا، مع إبراز التحولات التي طالت المفهوم بفعل تأثير القانون الدولي وحقوق الإنسان، لينتقل بعد ذلك إلى فصل الدستور بوصفه القاعدة العليا، مستعرضا تعريفاته وخصائصه ووظائفه في تنظيم السلطة وتكريس الحقوق، وشارحا مبدأ سمو الدستور وكيفية تحوله من نظرية إلى واقع عبر آليات الرقابة الدستورية.

واستعرض المصدر ذاته تصنيفات الدساتير بشكل يزيل اللبس عن ذهن الطالب، مقسما إياها حسب الشكل وطريقة الوضع وقابلية التعديل، مع تقديم مقارنات وأمثلة توضيحية، كما تناول مصادر القانون الدستوري بتمييز دقيق بين المصادر المكتوبة وغير المكتوبة، والأصلية والفرعية، بما يساعد على فهم كيفية إنتاج النظام الدستوري لقواعده، ولم يغفل الكتاب الجانب الإجرائي، حيث خصص فصلا للسلطة التأسيسية وتمييزها إلى أصلية وفرعية، شارحا طرق وضع وتعديل الدساتير والقيود الواردة عليها، ليؤكد أن الدستور توازن دقيق بين الاستقرار والتطور، خاتما البناء النظري بمحور الرقابة على دستورية القوانين ودور القضاء الدستوري في حماية الشرعية.

وكشف العمل عن قيمة مضافة كبيرة تتجلى في مرافقة الطالب بذكاء بيداغوجي من خلال نماذج امتحانية تطبيقية وأسئلة مختارة تغطي محاور المادة، مدعومة بمنهجية واضحة للإجابة تشمل المقدمات والعناصر والتمييزات الأساسية، مع تقديم أجوبة نموذجية تعلم الطالب كيفية التحرير القانوني السليم، مما يحول الكتاب من مجرد مقرر دراسي إلى دليل شامل للتعلم والتمرن يرفع جودة التحصيل ويبدد رهبة الامتحانات.

ويعد هذا الكتاب امتدادا للمسار العلمي والبيداغوجي للأستاذ كمال الهشومي، وتتويجا لتجربته في تدريس القانون الدستوري والعلوم السياسية، وانخراطه المستمر في النقاش العمومي حول قضايا الحكامة والمؤسسات، حيث يعكس حرصه على الدقة المفاهيمية والموازنة بين المدارس الفقهية الكلاسيكية والمعاصرة، والانفتاح على التجربة المغربية، مما يجعل هذا المؤلف إضافة نوعية للمكتبة الجامعية المغربية والعربية، ومساهمة فعالة في ترسيخ ثقافة دستورية قوامها الفهم السليم والمنهج العلمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *