التنوير الزائف وتفكيك الثوابت: من يقود معركة القيم في المغرب؟
ليست أزمة القيم في المغرب مجرّد شعور عام بالقلق، أو حديثًا متداولًا في المجالس والبرامج، بل هي نتيجة مسار طويل من التآكل البطيء للمفاهيم الجامعة التي كانت تشكّل ضمير الأمة وهويتها. في خضم هذا التحول، برزت ” نخب الديكور ” والتي تقدم نفسها على أنها “تنويرية”، لكنها في الواقع تمارس نوعًا من الهدم المنظّم، لا لمفاهيم التقليد أو التخلف كما تدّعي، بل لثوابت الدين والهوية والانتماء.
في السنوات الأخيرة، تحوّل التنوير في السياق المغربي كما في سياقات عربية أخرى إلى واجهة ناعمة لمشروع عدمي، يقوم على نزع المعنى عن النصوص، وفصلها عن مفسريها، والتعامل مع الدين كأثر تاريخي لا كمرجعية حية. يُعاد تأويل القرآن بمقاييس مزاجية، وتُجتزأ أحاديث نبوية خارج سياقها، ويتم تقديم الإسلام ذاته وكأنه قابل للتمطيط حتى يتماشى مع كل شيء… ومع لا شيء.
هذا الخطاب لا يواجه الدين مواجهة عقلية أو فقهية، بل يلجأ إلى أدوات أكثر تأثيرًا: التهكم والسخرية والرمزية. في البرامج التلفزيونية، وعلى مواقع التواصل، تُختزل المرجعية الإسلامية في دعاة تم تقديمهم عمداً بصورة هزلية، أو في مقاطع مجتزأة، ليُصبح الدين أضحوكة، في حين يتم عزل وتهميش عن قصد كل عالم يشكل تهديدا لايديولوجياتهم الفارغة وليُفسح المجال أمام خطاب يُسوّق قيم “الحرية” و”العقلانية” على أنها نقيض طبيعي للإيمان.
لكن الخطر لا يكمن فقط في ” نخب الديكور” التي تتقن استعمال الإعلام والثقافة لترويج سردياتها، بل أيضًا في من سهل عليهم المهمة من داخل الصف الديني. بعض من يتصدّرون للوعظ والدعوة قدّموا نماذج مرتبكة، غارقة في سطحية الطرح، ومفتقرة إلى الحسّ الزمني. بدلاً من خطاب التجديد الرصين، قدّموا خطبًا تعيد إنتاج الجمود، وابتعدوا عن نبض المجتمع، مما سمح للتيارات المتربصة بأن تُصور الدين على أنه عائق أمام التقدم.
في المغرب تظل المرجعية الإسلامية مكونًا دستوريًا وروحيًا أساسًا للهوية الوطنية، لذا فمعركة القيم لا يمكن حسمها بالشعارات أو بالمغالبة. المطلوب اليوم هو إحياء خطاب ديني مغربي يجمع بين الأصالة والعمق، يستلهم تراث علماء المغرب الكبار، ويعيد وصل الدين بمسؤوليته الاجتماعية والأخلاقية، لا أن يُترك المجال لأصوات تسعى لتسطيح القيم أو تشويه الدين من داخله.
إن خطر “التنوير المزيف” لا يتوقف عند حدود الفكر، بل يمتد إلى سلوكيات اجتماعية تنخر الأسرة والمدرسة والإعلام. حين تصبح كل مرجعية موضع تشكيك، ويُنظر إلى الثوابت على أنها قيود، تنشأ أجيال بلا بوصلة، وتُختزل الحرية في التمرد، ويُفهم العقل كرفض أعمى لكل ما هو موروث.
والمقلق أكثر أن هذا الخطاب بات يجد دعمًا ضمنيًا من مؤسسات إعلامية ومشاريع ثقافية، تقدم هذه الأفكار باعتبارها تحررًا من “الظلامية”، بينما هي في جوهرها انسلاخ عن الذات، وهروب من الأسئلة الحقيقية: كيف ننهض بتعليمنا؟ كيف نصلح أخلاقنا العامة؟ كيف نؤسس لعدالة اجتماعية ذات روح مغربية وهوية إسلامية؟ أسئلة لا تجد لها مكانًا في سرديات من يطلقون كذبا على أنفسهم “التنويريين الجدد”.
الخاتمة:
المغرب في حاجة اليوم إلى مشروع تنويري حقيقي، لا يستورد إلحاده من باريس، ولا يسخر من رموزه من خلف الشاشات، بل ينطلق من روح الإسلام، ومن العقل المغربي المتجذر في العلم والفقه والتصوف بمعناه التربوي. نحتاج إلى نخبة واعية بخطورة الحرب على الثوابت، قادرة على أن تخوض معركة القيم لا بالسخرية ولا بالصراخ، بل بالمعرفة، وبخطاب مؤصّل، ينقل الدين من رد الفعل إلى الفعل الحضاري.
فمن يقود معركة القيم، عليه أولاً أن يكون وفيًّا لها.
اترك تعليقاً