وجهة نظر

قراءة نقدية لمقال كريستوفر روس حول الصحراء على ضوء التحولات الدولية وخيار الحكم الذاتي

يعد كريستوفر روس من الدبلوماسيين الأمريكيين الذين ارتبط اسمهم بملف الصحراء لسنوات طويلة، خاصة خلال الفترة التي شغل فيها منصب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء بين سنتي 2009 و2017. وخلال تلك المرحلة أثارت مواقفه الكثير من الجدل، حيث اتهم في عدة مناسبات بعدم الحياد وبالانحياز إلى الأطروحة الجزائرية والبوليساريو، وهو ما أدى إلى توتر واضح في علاقته البلدان المعنية بهذا الملف. لذلك فإن عودته اليوم للكتابة حول الملف تطرح تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذا المقال وأهدافه، خاصة وأن مضمونه يبدو وكأنه يعيد إنتاج نفس المقاربة القديمة التي لم تستوعب التحولات العميقة التي شهدها هذا النزاع خلال السنوات الأخيرة.

في مقاله الأخير ” الصحراء الغربية: خطوة إلى الأمام أم عودة إلى الجمود” يحاول كريستوفر روس تقديم قراءة لمسار المفاوضات الجارية على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2797، غير أن هذه القراءة تتجاهل أن هذا القرار يشكل منعطفا مهما في التعاطي الدولي مع قضية الصحراء. فالقرار كرس بوضوح مركزية مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية سنة 2007 باعتباره أساسا واقعيا وذا مصداقية للحل، وهو المقترح الذي أصبح يحظى بدعم متزايد داخل مجلس الأمن وضمن المجتمع الدولي. كما أن القرار نفسه لم يعد يعطي أي مركزية لأطروحة الاستفتاء التي ظلت لعقود مجرد شعار سياسي لم يتمكن من تجاوز العراقيل العملية والقانونية التي واجهته منذ بداية التسعينيات.

ومن اللافت في طرح روس أنه يحاول التقليل من أهمية التحول الذي عرفته العملية السياسية في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تلعب دورا محوريا في تحريك المفاوضات إلى جانب الأمم المتحدة. وقد تجسد هذا الدور في الاجتماعات الوزارية التي عقدت في واشنطن ومدريد، والتي أعادت الأطراف إلى طاولة المفاوضات بعد سنوات طويلة من الجمود. هذه اللقاءات لم تكن مجرد اجتماعات بروتوكولية، بل شكلت بداية مسار تفاوضي جديد يقوم على الواقعية السياسية وعلى البحث عن حل عملي يقوم على الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

كما يتجنب المقال الاعتراف بحقيقة أساسية أصبحت واضحة في النقاش الدولي، وهي أن الجزائر طرف رئيسي في هذا النزاع الإقليمي وليس مجرد ملاحظ كما تدعي في خطابها الرسمي. فمشاركة الجزائر في الاجتماعات الأخيرة على مستوى وزير الخارجية أحمد عطاف إلى جانب المغرب والبوليساريو وموريتانيا تؤكد أن هذا النزاع لا يمكن حله دون انخراط مباشر للجزائر في العملية السياسية. وقد ظلت المملكة المغربية تؤكد منذ سنوات أن الجزائر تتحمل مسؤولية أساسية في استمرار هذا النزاع، سواء من خلال احتضان قيادة البوليساريو أو من خلال دورها السياسي والعسكري في الملف.

ومن النقاط المثيرة للاستغراب في مقال كريستوفر روس تجاهله التام لظهور فاعلين صحراويين جدد خارج إطار البوليساريو، وفي مقدمتهم حركة صحراويون من أجل السلام. هذه الحركة التي خرجت من رحم المعاناة في مخيمات تندوف تمثل اليوم صوتا جديدا داخل المجتمع الصحراوي، وتدعو إلى حل واقعي يقوم على السلام والعيش الكريم للصحراويين بعيدا عن منطق الحرب والاستقطاب الإيديولوجي. إن تجاهل هذه الحركة يعكس رغبة في إبقاء النقاش محصورا في ثنائية تقليدية لم تعد تعكس التنوع الحقيقي داخل المجتمع الصحراوي ولا التحولات التي يعرفها هذا الملف.

إن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة سنة 2007 تظل اليوم الإطار الأكثر واقعية لإنهاء هذا النزاع الممتد منذ نصف قرن. فهي تمنح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية من خلال مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية منتخبة، مع ضمان مشاركة سكان المنطقة في تدبير مواردهم الاقتصادية والتنموية، وذلك في إطار السيادة والوحدة الترابية للمملكة المغربية. وقد اعتبر مجلس الأمن هذه المبادرة جدية وذات مصداقية، وهو ما جعلها أساسا رئيسيا لكل النقاشات الجارية اليوم.

كما أن أي نقاش جدي حول مستقبل الصحراء لا يمكن أن يتجاهل الدور المركزي الذي لعبه شيوخ القبائل الصحراوية عبر التاريخ في تمثيل المجتمع الصحراوي والدفاع عن مصالحه. فالبنية القبلية ظلت دائما أحد الأعمدة الأساسية في التنظيم الاجتماعي والسياسي بالمنطقة، وقد كان لشيوخ القبائل حضور واضح في مختلف المحطات التاريخية المرتبطة بالقضية، بما في ذلك تجديد روابط البيعة والاندماج في الدولة المغربية. واليوم يتعزز هذا الدور بحضور ممثلي الساكنة المنتخبين ديمقراطيا في المؤسسات المنتخبة على المستوى المحلي والجهوي والوطني، سواء في المجالس الجماعية أو في مجلسي البرلمان، وهو ما يمنحهم شرعية حقيقية للتعبير عن تطلعات الساكنة والدفاع عن مصالحها. في المقابل، يفتقد مسؤولو البوليساريو إلى هذه الشرعية الديمقراطية، إذ لم يأتوا عبر انتخابات حرة ونزيهة تمكن الصحراويين من اختيار ممثليهم، بل يستمدون وجودهم من واقع المخيمات ومن دعم سياسي خارجي، وهو ما يجعل ادعاءهم احتكار تمثيل الصحراويين محل تساؤل متزايد داخل المنطقة وخارجها.

وفي ضوء الدينامية الجديدة التي يشهدها المسار التفاوضي برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وبمشاركة الأطراف المعنية، يبدو أن المرحلة المقبلة قد تكون حاسمة في تقريب وجهات النظر. فبعد شهر رمضان من المنتظر أن تستأنف جولات جديدة من المفاوضات في واشنطن ، وهي جولات يتوقع أن تركز على مناقشة تفاصيل تنزيل مشروع الحكم الذاتي باعتباره الحل الواقعي الممكن. وإذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى الجزائر وربيبتها البوليساريو، فإن هذا المسار قد يفتح الباب أمام تسوية تاريخية تنهي نزاعا طال أمده وتضمن للصحراويين مستقبلا قائما على الاستقرار والتنمية والعيش الكريم في إطار السيادة المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *