وحدة الخطاب في قضايا السيادة الخارجية
مؤخرا برز نقاش متصاعد حول طبيعة الانسجام بين التوجهات الخارجية للدولة ومسارات التدبير الداخلي، وهو نقاش يزداد زخما مع بروز مواقف صادرة عن قيادات من حزب سبق له أن قاد الحكومة في فترتين متتاليتين. تتداخل في هذا النقاش اعتبارات دستورية وسياسية وقيمية، وتمتزج فيه رهانات الاستقرار مع أسئلة الهوية ومعايير المواطنة، لتتشكل صورة مركبة تحتاج الوقوف عندها لإستحضار السياق التاريخي وتوازنات المؤسسات وتفاعلات المجتمع.
السياسة الخارجية للمغرب خلال العقد الأخير اتجهت نحو ترسيخ خطاب يقوم على الانفتاح، وتعزيز الشراكات المتنوعة، وإبراز التزام المملكة بقيم التعايش الديني والثقافي. هذا المنحى تعزز عبر مبادرات متعددة، سواء على مستوى العلاقات مع بلدان إفريقية وأوروبية وأمريكية، أو عبر الانخراط في اتفاقيات دولية تعنى بمكافحة التطرف وخطاب الكراهية، إضافة إلى خطوات رمزية حملت دلالات قوية بشأن الاعتراف بالتعدد الذي يطبع الهوية المغربية. حضور المكون العبري في الخطاب الرسمي شكل إحدى العلامات البارزة في هذا المسار، وأضفى بعدا حضاريا على الرؤية الدبلوماسية.
في المقابل، يعرف المشهد الداخلي دينامية معقدة تحكمها اعتبارات سياسية وانتخابية واجتماعية. تتجاور فيه تيارات محافظة وأخرى حداثية، وتتفاعل داخله جمعيات ونقابات ومنابر إعلامية ذات مرجعيات مختلفة. هذا التنوع يمنح الحياة العامة حيوية ملموسة، غير أن هذه الحيوية قد تفضي أحيانا إلى توترات لفظية وسجالات حادة ترتفع فوق مستوى حدود النقد السياسي نحو تعبيرات تمس أشخاصا أو رموزا أو مكونات ثقافية. عند هذه النقطة يبرز سؤال الاتساق بين الخطاب الرسمي الموجه إلى الخارج والسلوكيات التي تجد فضاء لها في الداخل.
قيادات الحزب الذي تولى رئاسة الحكومة في فترتين متتاليتين اعتادت مخاطبة الرأي العام بلغة مباشرة ذات حمولة شعبوية. هذه اللغة أسهمت في بناء قاعدة جماهيرية واسعة خلال مرحلة معينة، ورافقت تجربة حكومية اتسمت بإصلاحات اقتصادية واجتماعية صعبة. غير أن هذه اللغة ذاتها تثير جدلا حين تتقاطع مع ملفات ترتبط بصورة الدولة خارجيا أو بمكانة شخصيات تمثل رمزية خاصة في الوجدان الوطني. فالتعبير السياسي، مهما بلغت حدته، يظل جزءا من المشهد العام، غير أن أثره يتضاعف عند ارتباطه بمواضيع حساسة تمس التعايش أو صورة المغرب لدى شركائه.
الدستور المغربي لسنة 2011 رسخ مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، وأقر التزام المملكة بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، كما أكد على غنى الهوية الوطنية بروافدها المتعددة. هذه المرجعية الدستورية تمنح مؤسسات الدولة أرضية واضحة للتحرك في اتجاه حماية التعدد الثقافي والديني، وصون كرامة الأفراد، وتجريم التحريض على الكراهية. تفعيل هذه المقتضيات يحتاج إلى انسجام بين مختلف القطاعات الحكومية والأجهزة المعنية بإنفاذ القانون، إضافة إلى يقظة المجتمع المدني ووسائل الإعلام.
التوتر يعلو عند إحساس جزء من الرأي العام بوجود مسافة بين الخطاب والممارسة. فالسماح بتظاهرات تتضمن شعارات مسيئة لشخصيات وطنية ذات خلفية دينية معينة، أو التغاضي عن عبارات تحقيرية في حق فئات من المواطنين، يطرح تساؤلات حول معايير التطبيق المتساوي للقانون. كما أن تغطية إعلامية ذات طابع تعبوي قد تعمق هذا الإحساس، خاصة إذا بدت متعارضة مع التوجه الدبلوماسي الذي يحرص على إبراز صورة معتدلة ومتسامحة.
قراءة هذا الوضع تستدعي استحضار طبيعة النظام السياسي المغربي الذي يقوم على توازن دقيق بين الملكية الدستورية والحكومة والبرلمان، مع حضور مؤثر للأحزاب السياسية. وزارة الشؤون الخارجية تتحرك ضمن توجيهات عليا تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، في حين تتكفل قطاعات أخرى بتدبير الشأن الداخلي وفق اعتبارات أمنية واجتماعية وسياسية. أي خلل في التنسيق أو في وضوح الرسائل قد يولد انطباعا بوجود اتجاهين متباعدين، رغم أن الإطار الدستوري يفترض وحدة الرؤية.
مسؤولية الاتساق تمتد إلى الفاعلين الحزبيين الذين يتحملون عبء الخطاب العمومي. التجربة الحكومية تمنح صاحبها خبرة في دواليب الدولة، وتكسب كلمته وزنا مضاعفا. الخطاب الصادر عن قيادي سابق في موقع رئاسة الحكومة يقرأ من زاوية رمزية، ويخضع لتأويلات داخلية وخارجية. لذلك تتعاظم الحاجة إلى وعي بأثر الكلمات على صورة المؤسسات وعلى مناخ الثقة بين مكونات المجتمع. النقد السياسي حق مكفول، غير أن هذا الحق يرتبط بواجب احترام كرامة الأشخاص وصيانة الثوابت الجامعة.
الحديث عن التعايش في المغرب يستند إلى تاريخ طويل من التفاعل بين المسلمين واليهود والمسيحيين، وإلى نماذج راسخة في المدن العتيقة والقرى والبوادي. هذا الإرث شكل جزءا من السردية الوطنية، وجرى تثمينه في المناهج التعليمية وفي الخطاب الثقافي. تعزيز هذا الإرث يقتضي سياسات عمومية تدعم التربية على المواطنة، وتحصن الشباب ضد خطابات الإقصاء، وتفتح فضاءات للحوار بين مختلف التيارات. كما يتطلب حزما في مواجهة أي تحريض يستهدف فئة بعينها بسبب معتقدها أو أصلها.
دور وزارة الداخلية والأجهزة التابعة لها يظل محوريا في ضمان احترام القانون خلال التظاهرات والأنشطة العمومية. إدارة التوازن بين حرية التعبير وحماية النظام العام مهمة دقيقة تحتاج إلى معايير واضحة وتواصل شفاف. أي تهاون في تطبيق النصوص المنظمة لخطاب الكراهية قد يفسر على أنه انتقائية، وأي تشدد غير مبرر قد يقرأ على أنه تضييق على الحريات. تحقيق المعادلة السليمة يعزز الثقة في المؤسسات ويقوي صورة الدولة داخليا وخارجيا.
المجتمع المدني بدوره يتحمل قسطا من المسؤولية. الجمعيات الحقوقية والثقافية مطالبة بتبني مواقف منسجمة مع القيم التي تعلن الدفاع عنها، وبإدانة التحريض أيا كان مصدره. استقلالية هذه الهيئات تمنحها مصداقية، وتتيح لها لعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع. كما أن الإعلام، التقليدي والرقمي، يشكل ساحة أساسية لتشكيل الرأي العام، الأمر الذي يفرض التزاما أخلاقيا ومهنيا يضع المصلحة الوطنية فوق الإثارة والاصطفاف الضيق.
النقاش حول علاقة الدين بالسياسة يظل حاضرا بقوة في المغرب. الحزب الذي قاد الحكومة في فترتين متتاليتين انطلق من مرجعية إسلامية، وسعى إلى التوفيق بين هذه المرجعية ومتطلبات الدولة الحديثة. هذا التوفيق واجه تحديات عملية، خاصة في قضايا الحريات الفردية والعلاقات الدولية. التجربة أفرزت دروسا مهمة حول حدود الخطاب الدعوي داخل الفضاء السياسي، وحول ضرورة التمييز بين المجالين بما يضمن احترام التعدد داخل المجتمع.
تجارب دول أخرى في المنطقة أظهرت أن التناقض بين الخطاب الخارجي والممارسة الداخلية ينعكس سلبا على الثقة في المؤسسات وعلى جاذبية البلد للاستثمار والشراكات. الاتساق بين القول والفعل يعزز المكانة الدبلوماسية ويمنح المواقف الرسمية قوة إضافية في المحافل الدولية. المغرب يسعى إلى لعب أدوار إقليمية في إفريقيا وفي قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب، وهذه الأدوار تتطلب صورة متماسكة تقوم على احترام حقوق الإنسان وعلى إدارة رشيدة للاختلاف.
الرهان الحقيقي يتمثل في بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على المسؤولية المشتركة. الدولة بمؤسساتها مطالبة بتفعيل النصوص الدستورية بروح منسجمة، والأحزاب مطالبة بتطوير خطاب يرتقي بالنقاش العمومي، والمجتمع المدني مطالب بترسيخ قيم الحوار. التربية والإعلام والفن أدوات فعالة في ترسيخ هذه الثقافة، وتستطيع المساهمة في خلق وعي جماعي يرفض الإقصاء ويحتفي بالتنوع.
الحديث عن المسؤولية المشتركة يقود إلى فكرة الزرع والحصاد. الخيارات التي تتخذ اليوم، سواء على مستوى التشريع أو الخطاب أو الممارسة، ستؤثر في شكل المجتمع خلال العقود المقبلة. ترسيخ قيم التعايش يحتاج إلى استثمار طويل الأمد في التعليم وفي العدالة الاجتماعية وفي تمكين الشباب من آفاق اقتصادية واعدة. كما يحتاج إلى قدوة سياسية تعكس انسجاما بين المبادئ والسلوك.
التجربة المغربية تمتلك عناصر قوة عديدة، من بينها الاستقرار المؤسسي والمرجعية الدستورية الواضحة والانفتاح على محيط متنوع. هذه العناصر تمنح إمكانية معالجة الاختلالات بروح إصلاحية هادئة. النقاش الدائر حول تصريحات قيادات حزبية سابقة يشكل فرصة لإعادة التفكير في قواعد الخطاب العمومي وفي آليات التنسيق بين السياسات. تطوير آليات المساءلة وتعزيز استقلال القضاء يرسخان الثقة ويحدان من أي انطباع بازدواجية المعايير.
المستقبل يتطلب رؤية استراتيجية تضع الانسجام في صلب العمل الحكومي. التنسيق بين القطاعات، وتوحيد الرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج، وتعزيز التكوين في مجال حقوق الإنسان لأعوان السلطة، خطوات عملية تترجم الالتزامات إلى واقع ملموس. كما أن تشجيع البحث الأكاديمي حول ظاهرة خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي يوفر معطيات علمية تساعد صانعي القرار على بلورة سياسات فعالة.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال المرتبط بالبذور التي تغرس اليوم سؤالا موجها إلى الجميع. بناء مجتمع متماسك يقوم على احترام التنوع يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة وإلى وعي جماعي متقدم. الاتساق بين السياسات الداخلية والتوجهات الخارجية يعزز صورة المغرب كبلد يجمع بين الأصالة والانفتاح. أي بذور نغرس اليوم كي نحصد غدا مجتمعا أكثر انسجاما وتعايشا واستقرارا؟
اترك تعليقاً