حرب تتجاوز الجبهات
في الحروب التقليدية غالبا ما يطرح السؤال: من يقاتل من؟ ومن ينتصر في الميدان؟ أما في الحروب الحديثة، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً: من يستهدف من اقتصادياً؟ ومن يعيد تشكيل ميزان القوى العالمي عبر الطاقة والأسواق؟
من هذا المنظور، تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نظر كثير من المحللين أكثر من مجرد مواجهة عسكرية مع دولة بعينها. إنها حرب تدور في طبقات أعمق من الجغرافيا السياسية، طبقات تتصل مباشرة بالاقتصاد العالمي، وبأسواق الطاقة، وبالتوازنات الدقيقة بين القوى الكبرى. فمنذ بداية الضربات في أواخر فبراير، أدت العمليات العسكرية والتوتر المتصاعد في الخليج إلى اضطراب واضح في الملاحة عبر مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الحساس الذي يعبر منه ما يقارب خمس إمدادات النفط العالمية. ومع تراجع حركة ناقلات النفط وتصاعد المخاوف من احتمال تعطيل هذا الشريان الحيوي، قفزت الأسعار بسرعة في الأسواق العالمية، متجاوزة في بعض اللحظات عتبة المئة دولار للبرميل. وعند هذه النقطة تبدأ قراءة مختلفة للحرب.
الصين .. بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتغذية اقتصادها الصناعي الضخم. غير أن طبيعة هذا الاعتماد تحمل مفارقة استراتيجية دقيقة. فمن جهة أولى، تعتمد بكين بشكل واسع على نفط الخليج، ولا سيما القادم من السعودية والعراق والإمارات وسلطنة عمان، بوصفه المصدر الأكبر والأكثر استقراراً ضمن منظومة وارداتها النفطية. وتشكل هذه الإمدادات العمود الفقري للطاقة التي تقوم عليها المصانع الصينية الضخمة وسلاسل الإنتاج العالمية المرتبطة بها. ومن جهة ثانية، تعتمد الصين أيضاً على النفط الإيراني ولكن بطبيعة مختلفة؛ اعتماداً يمكن وصفه بالاستراتيجي المكثف أكثر منه اعتماداً كمياً عاماً. إذ تشير التقديرات إلى أن النفط الإيراني يمثل نحو 11 إلى 13 في المئة من واردات الصين النفطية، غير أن أهميته تكمن في عامل السعر. فبسبب العقوبات الدولية، يباع النفط الإيراني بخصومات كبيرة قد تقل بنحو ثمانية إلى عشرة دولارات عن سعر خام برنت العالمي، وهو ما يجعله خياراً مفضلاً لدى العديد من شركات التكرير الصينية المستقلة، المعروفة في الأسواق باسم “أباريق الشاي” (Teapots)، التي تبحث دائماً عن مصادر نفط أقل تكلفة لزيادة هوامش الربح.
ولهذا السبب أيضاً أصبحت الصين المستورد الأول للنفط الإيراني، حيث يذهب إليها ما يقارب تسعين في المئة من صادرات إيران النفطية. وبذلك يتحول النفط الإيراني إلى عنصر اقتصادي مهم داخل المعادلة الطاقية الصينية، بسبب كلفته المنخفضة وقدرته على توفير ميزة تنافسية للصناعة الصينية. لكن العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة يكمن في الجغرافيا البحرية. فأكثر من ثلث واردات الصين النفطية يمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل بكين واحدة من أكثر القوى الاقتصادية تأثراً بأي توتر قد يهدد هذا الممر الحيوي. ولذلك فإن أي اضطراب في الخليج لا ينعكس فقط على إيران أو على الدول المنتجة للنفط، فقد يمتد أثره مباشرة إلى قلب الاقتصاد الصناعي الآسيوي، وعلى رأسه الاقتصاد الصيني.
بهذا المعنى، تتحول الحرب، ولو بشكل غير مباشر، إلى جزء من صراع اقتصادي عالمي أوسع بين القوى الكبرى.
لكن هذا ليس البعد الوحيد في المعادلة؛ التوتر في الخليج يدفع دول المنطقة، بطبيعة الحال، إلى تعزيز قدراتها الدفاعية. ومع كل أزمة جديدة، تتجه هذه الدول إلى شراء المزيد من أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المتطورة والصواريخ بعيدة المدى. وهكذا يتحول القلق الأمني إلى دورة اقتصادية ضخمة داخل سوق السلاح العالمي، حيث تستفيد شركات الصناعات العسكرية الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا من موجة التسلح الجديدة.
وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى إعادة توزيع الثروة على نطاق عالمي. فالأسعار المرتفعة تضغط على الاقتصادات الصناعية المستوردة للطاقة، وتغذي موجات التضخم، وقد تدفع بعض الدول إلى تباطؤ اقتصادي إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة. ولهذا السبب، بدأت الإدارة الأمريكية نفسها تحاول احتواء الصدمة النفطية عبر استخدام جزء من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، في محاولة لتهدئة الأسواق ومنع الأسعار من الارتفاع إلى مستويات قد تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
كل هذه المؤشرات تفتح الباب أمام قراءة أوسع للحرب. فهي من جهة مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، لكنها من جهة أخرى صراع يدور حول مفاصل الاقتصاد العالمي: حول الطاقة، وحول طرق الملاحة البحرية، وحول ميزان النفوذ بين القوى الكبرى في النظام الدولي .. ولهذا لا تبدو نتائج الحرب مرتبطة فقط بما يحدث في السماء فوق طهران أو تل أبيب، إنها حرب موجهة بما يحدث في البورصات العالمية، وفي حركة ناقلات النفط، وفي ممرات التجارة البحرية التي تربط القارات.
من هنا يظهر درس قديم من دروس الجيوبوليتيك: الحروب الكبرى لا تُخاض دائماً لإسقاط الدول .. فأحياناً تخاض الحروب لإعادة ترتيب الاقتصاد العالمي نفسه.
وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، تظل حقيقة واحدة واضحة حتى الآن، رغم القصف والضغوط، تشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن النظام الإيراني ما يزال متماسكاً إلى حد كبير، ولم تظهر مؤشرات قريبة على انهياره.
هكذا نجد أنفسنا أمام حرب ذات طبقات متعددة .. إنها حرب عسكرية على الأرض، وحرب اقتصادية في الأسواق، وحرب استراتيجية تتعلق بمستقبل التوازنات الدولية. ففي عالم اليوم قد تسقط الصواريخ فوق المدن، لكن المعركة الحقيقية قد تكون في مكان آخر .. في أسعار النفط، وفي حركة السفن، وفي موازين الاقتصاد العالمي. فمن فهم اقتصاد الحرب، فهم نصف السياسة الدولية.
اترك تعليقاً