منتدى العمق

أزمة الثقة وصناعة الظواهر الطبية.. الأمل في مواجهة العلم

في كل مرة تظهر شخصية مثيرة للجدل في مجال الصحة أو العلاج البديل، ينقسم الناس سريعا إلى معسكرين: مؤيد يرى فيها منقذًا يتحدى المنظومة، ورافض يعتبرها نموذجًا للتضليل. وبين الطرفين تضيع القراءة الهادئة التي تحاول فهم الظاهرة بعيدًا عن العاطفة.

ضياء العوضي واحد من هذه الأسماء التي أثارت جدلًا واسعًا، في حياته وبعد وفاته. غير أن الاقتراب العقلاني من حالته يقتضي التحرر من ثنائية التقديس والشيطنة. الشخصيات المثيرة للجدل كثيرًا ما تُؤطَّر ضمن صورتين متقابلتين: بطل مخلّص أو دجال مدمّر، بينما الحقيقة الإنسانية والفكرية أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم الحاد.

لفهم هذه الحالة بموضوعية، يجب التأكيد على ضرورة الفصل بين ثلاثة مستويات مختلفة: الشخص، والأفكار، والظروف المحيطة بالنهاية.

على المستوى الشخصي، يبدو أن ضياء العوضي امتلك حضورًا قويًا وقدرة خطابية مؤثرة، وهي عناصر تمنح أصحابها سلطة نفسية معتبرة على الجمهور. هذه السلطة قد تُستخدم في الإقناع البنّاء، وقد تتحول إلى أداة لترويج أفكار غير متماسكة علميًا، وأحيانًا تحمل الوجهين معًا. كثير من الشخصيات الكاريزمية تؤمن فعلًا بما تقوله، حتى لو كان ما تقوله هشًا من حيث الدليل. والإخلاص للفكرة يمنحها قوة وجدانية، لكنه لا يمنحها شرعية علمية.

أما على مستوى الأفكار، فالمعيار الوحيد الذي ينبغي الاحتكام إليه هو البرهان. فإذا كانت هناك أنظمة غذائية أو تصورات علاجية تدّعي التأثير في أمراض مزمنة ومعقدة دون دراسات محكمة أو مراجعات علمية معتبرة، فإن الإشكال يصبح جوهريًا.

الطب الحديث ليس معصومًا، وشركات الدواء ليست ملائكة ، وليست فوق النقد، كما أن الصناعة الدوائية قد تخضع أحيانًا لمصالح اقتصادية. غير أن نقد المؤسسة الطبية لا يمنح تلقائيًا المصداقية لأي بديل غير مثبت.

الخلل الذي يقع فيه كثيرون يتمثل في الاعتقاد بأن فساد بعض جوانب المنظومة يعني بالضرورة صحة كل ما يعارضها. وهذه مغالطة شائعة. فمن الممكن أن توجد اختلالات حقيقية في الصناعة الدوائية، وفي الوقت نفسه تكون البدائل المطروحة غير علمية أو مضللة.

ارتبط اسم ضياء العوضي بما عُرف بـ”نظام الطيبات الغذائي”، وهو طرح قُدّم كمدخل للتعامل مع أمراض مزمنة ومعقدة، مع ادعاءات واسعة التأثير. وقد واجه هذا التوجه انتقادات من متخصصين ركزت أساسًا على غياب الأدلة العلمية الكافية. وهذا لا يثبت سوء النية، لكنه يضعف المصداقية المهنية للفكرة ذاتها، ويطرح سؤالًا مشروعًا حول الحدود الأخلاقية لتقديم وعود علاجية واسعة.أما فيما يتعلق بالوفيات أو الأضرار التي نُسبت إلى نصائحه، فإن التعامل المسؤول يقتضي الحذر من الأحكام المطلقة. فالحالات الفردية والشهادات المتداولة لا تكفي وحدها لبناء إدانة قاطعة أو تبرئة نهائية. المرجع في مثل هذه القضايا هو التوثيق الطبي والبيانات المعتبرة، لا القصص المتفرقة.

إذا ثبت أن أشخاصًا تخلوا عن علاجات مثبتة اعتمادًا على نصائح غير مدعومة علميًا، فإن المسؤولية الأخلاقية تصبح ثقيلة. أما إذا بقيت تلك الادعاءات في نطاق الروايات غير الموثقة، فإن تحويلها إلى أدلة نهائية يظل افتقارًا إلى الانضباط المعرفي.

وفاته بدورها تحولت إلى مساحة خصبة للتأويلات. البعض قرأها باعتبارها مؤامرة، وآخرون اتخذوها دليلًا على فشل مشروعه الفكري والعلاجي. غير أن التقارير المتداولة أشارت إلى سبب طبي مباشر يتعلق بجلطة قلبية حادة، في مقابل روايات شعبية متضاربة غذّت الخيال الجمعي.

العقل النقدي لا يبني قناعاته على الشائعات، كما لا يستسلم للسرديات الدرامية. فأي وفاة غامضة لشخصية مثيرة للانقسام تتحول سريعًا إلى مرآة تعكس تصورات الناس أكثر مما تكشف الحقيقة نفسها.

غير أن الأهم من الشخص هو الظاهرة التي يمثلها.

لماذا يجد هذا النوع من الخطاب جمهورًا واسعًا؟

الجواب يرتبط بأزمة ثقة أعمق. كثيرون يشعرون بأن الطب الرسمي بارد، معقد، مكلف، ومحبِط في نظرهم. في المقابل، يظهر خطاب بديل بلغة مفهومة وواثقة، يعد الناس باستعادة السيطرة على أجسادهم من خلال حلول سهلة ومباشرة. هذا النوع من الخطاب يمنح الأمل، والأمل قوة نفسية هائلة وسلعة قوية جدا.

غير أن الأمل متى انفصل عن البرهان تحول إلى خطر.

لهذا فإن الحكم الموضوعي على ضياء العوضي لا ينبغي أن ينطلق من أخلاقه الشخصية ولا من صورته الرمزية، بل من قابلية أطروحاته للاختبار العلمي، ومن نتائجها تحت معايير صارمة ومستقلة.

قد يكون صادقًا في قناعته، لكن الصدق الذاتي لا يعفي من المسؤولية العلمية.

والقاعدة الذهبية تظل ثابتة: كل من يدّعي امتلاك تفسير شامل للمرض، أو يقدّم حلًا جذريًا يتجاوز تعقيد الطب الحديث، يستحق الشك المنهجي مهما كانت نواياه.
في النهاية، السؤال الحاسم ليس: هل كان طيبًا أم شريرًا؟

السؤال الحقيقي: هل كانت أطروحاته قابلة للاختبار العلمي، وهل نجحت حين وُضعت تحت ميزان العلم؟
ذلك وحده ما يحسم الجدل خارج العاطفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *