كيف اغتالت الأحزاب الجزاء السياسي وتحولت الانتخابات إلى حرفة عائلية؟
سيدي بنور نموذجا
في النظم الديمقراطية الحديثة، ينظر إلى فعل التصويت باعتباره أرقى أدوات الجزاء السياسي؛ وهي الآلية الدستورية والأخلاقية التي يملكها الفاعل المواطناتي لمعاقبة النخب المنتخبة الفاشلة وإقصائها، أو مكافأة المنتجين وتجديد الثقة فيهم. لكن المتأمل في المشهد الانتخابي المغربي، وبشكل خاص في إقليم سيدي بنور، يكتشف بيسر أن هذه الآلية قد أصيبت بانسداد بنيوي حاد؛ حيث جرّد الصندوق من وظيفته العقابية والتقييمية ليتحول إلى مجرد أداة لإعادة إنتاج الأمر الواقع وتدوير نخب فاقدة للامتداد الشعبي الحيوي، مما يسهم في تكريس ما يسميه علماء السياسة بـ الديمقراطية الواجهية التي تختطف السيادة الشعبية وتفرغها من جوهرها التنافسي الحقيقي.
وتتجلى المفارقة السوسيولوجية في ذلك التناقض الصارخ بين حالة السخط العارم والاستياء الشعبي الدائم للساكنة من الأداء التدبيري والتشريعي لمنتخبيها، وبين مخرجات صناديق الاقتراع التي تعود في كل محطة لتفرز نفس الوجوه والبيوتات السياسية. هذا الانسداد يضع المواطن أمام أزمة نسقية وخيارين أحلاهما مر: إما الانخراط في عملية انتخابية رسمت هندستها سلفا خلف الأبواب المغلقة، أو المقاطعة السلبية.
وهنا ينكشف معطى سوسيولوجي بالغ الأهمية؛ إذ إن العزوف الانتخابي للكتل الواعية والشبابية، والذي يبدو في ظاهره كاحتجاج صامت، يعاد توظيفه وظيفيا كاستراتيجية بقاء واستدامة للأعيان، فغياب الأصوات الحرة والواعية من معادلة الفرز يتيح للنخب التقليدية حسم المقاعد بسهولة مطلقة عبر تحريك الخزان الزبوني القبلي المضمون والمتحكم فيه سلفا، ليصبح الصمت الانتخابي هو الوقود البنيوي الذي تتغذى عليه الأعيان للاستمرار.
إن هذا الوضع يسلط الضوء على انحراف الأحزاب السياسية عن أدوارها الوظيفية المحددة في الفصل 7 من الدستور المغربي، والذي ينص صراحة على توجيه مجهودات الأحزاب لتأطير المواطنات والمواطنين وتكوين نخب سياسية قادرة على تحمل المسؤولية. لكن على أرض الواقع، تخلت هذه التنظيمات عن وظيفتها في التنشئة والترقي الاجتماعي، وتحولت إلى مصانع لإعادة تدوير النخب الأعيانية. وبدل الاعتماد على الكفاءات الشابة الحاملة للرأسمال الثقافي والعلمي، فضلت البراغماتية الحزبية الارتماء في أحضان عائلات الأعيان الذين حولوا الفعل الانتخابي إلى حرفة احتكارية تضمن النفوذ وتحمي المصالح الشخصية والاقتصادية، ليتشكل في كل إقليم ما يمكن تسميته بـ الطبقة السياسية المكتفية ذاتيا، والتي لم تعد بحاجة إلى حاضنة شعبية حقيقية بقدر ما تحتاج إلى قنوات ريعية مغلقة تؤمن إعادة إنتاجها تلقائيا.
ويكشف التحليل النقدي لكواليس صناعة النخب عن وجود تحالف مصلحي متبادل بين المركز الحزبي في العاصمة (الرباط) وأعيان الإقليم؛ فالقيادات المركزية تختزل الإقليم في مجرد رقم انتخابي ومقعد مضمون ضمن الحصيلة العددية الوطنية لحسابات تشكيل الحكومة أو قيادة المجالس. وفي ظل غياب مأسسة حقيقية لـ الديمقراطية الداخلية وآليات الانتخابات التمهيدية محليا، يستفرد المركز بسلطة التزكية الاستبدادية، مانحا صك الشرعية الحزبية لمن يملك المال والوجاهة القبلية، مما يخلق جدارا حاميا للوجوه القديمة، ويعزز آلية الوراثة الرمزية التي تعيد إنتاج التراتبيات التقليدية وتوطّن في المخيال الجمعي المحلي فكرة أن القيادة السياسية حق جيني وحصري لبيوتات محددة.
وتتبدى هذه الهيمنة الأوليغارشية في عدة أقاليم عبر إمبراطوريات عائلية نجحت في تكديس رأس مال عابر للمؤسسات، محولة المقاعد البرلمانية والمسؤوليات الانتدابية إلى أصول وراثية. ويبرز هنا توظيف الرأسمال الرمزي العائلي في حالة (آل أبو ف) في انتقال المقعد البرلماني بسلاسة وإرث قانوني من الأب إلى الابن باسم حزب الاستقلال، في تكريس صريح للمقعد كأصل من أصول العائلة المتوارثة. وتتكامل الصورة مع عائلة ق (المشرك) التي يمثلها (ع ق) كنموذج لـ الترحال السياسي الاستراتيجي والتنقل المرن بين الأحزاب الكبرى، مع توزيع الحقائب الجماعية والغرف المهنية بين الأقارب لبناء حزام أمان ريعي يحمي النفوذ الفلاحي والمالي بالإقليم.
ومع ذلك، تقتضي المقاربة السوسيولوجية الموضوعية التنبيه إلى ضرورة تفادي التعميم المفرط؛ فإذا كان إقليم سيدي بنور يشكل نموذجا مثاليا للمجالات الترابية ذات الطابع القروي وشبه الحضري التي يسيطر عليها الأعيان، فإن تعميم هذه الخلاصات ميكانيكيا على كافة الأقاليم قد يغفل ديناميات سياسية مغايرة. ففي الحواضر الكبرى (كالرباط أو الدار البيضاء)، تتقلص نسبيا سطوة الرأسمال القبلي والعائلي، وتبرز الطبقة الوسطى والبرامج الحزبية والمواقف السياسية كمتغيرات تلعب دورا أكبر في توجيه السلوك الانتخابي، مما يجعل حدة هذا الاحتكار تتفاوت مجاليا.
والخطير في هذه الحرفنة العائلية للسياسة بسيدي بنور والمناطق المشابهة، أنها لا تنتج أزمة تنموية محلية فحسب، بل تضرب في العمق جودة المنتج التشريعي للمملكة. فهؤلاء الورثة والأعيان، الذين يبرعون ميدانيا في حشد الأصوات عبر آليات تقليدية، يتحولون تحت قبة البرلمان بالرباط إلى أرقام صامتة وأرانب انتخابية؛ نخب تعاني من عجز معرفي وثقافي عن فقه صياغة القوانين، أو مناقشة السياسات العمومية والميزانيات المعقدة. هذا الغياب التام للصوت التشريعي يفرغ المؤسسة من هيبتها، ويقايض الدور الرقابي الدستوري بـ زبونية تشريعية؛ حيث يختزل المقعد في وظيفته كـحصانة وقائية ومظلة تحمي الاستثمارات، لتكون النتيجة هي رداءة التشريع وضياع المصلحة العامة.
ولعل ما يشرعن هذا الاستبداد الانتخابي ويجعله مستعصيا على الإسقاط، هو نجاح الأعيان في تحويل القطاعات الإنتاجية المحلية إلى إقطاعيات ريعية. فالسيطرة التاريخية على الغرف المهنية الفلاحية، وتغلغلهم في مجالس تدبير تعاونيات الحليب والشمندر السكري، ربطت الولاء السياسي بلقمة عيش الفلاح البسيط، الذي يقع ضحية لـ الخوف الاقتصادي. ويتعمق هذا التدجين بلجوء هذه البيوتات إلى تكتيك تبييض الشرعية عبر الإحسان العمومي وتوزيع المساعدات الموسمية، لتحويل الفضل المادي إلى دين نفسي وأخلاقي يدفعه المواطن يوم الاقتراع تحت مسمى رد الجميل.
بيد أن هذا التشريح النسقي، وإن بدا محملا بنبرة حتمية تصور المواطن كضحية مسلوبة الإرادة تماما أمام الآلة الريعية، لا ينبغي أن يهمّش دينامية الفاعل المحلي. فهناك، على هوامش هذا النسق المغلق، تبرز بؤر مقاومة مدنية واستثناءات -وإن كانت نادرة- نجحت فيها بعض الكفاءات في اختراق هذا الجدار، مستندة إلى يقظة شبابية ووعي سياسي متنامٍ، مما يثبت أن الخضوع للريع ليس قدرا سوسيولوجيا لا فكاك منه متى توفرت الإرادة والتأطير البديل.
ولا يكتمل هذا التشريح دون تفكيك البنية القانونية والإدارية الحامية؛ فالإدارة الترابية باتت تكتفي بـ الحياد التقني والإداري المسطري دون التدخل في جودة المخرجات، بينما تشرعن القوانين الانتخابية استدامة الوضع القائم (اعتماد نظام اللوائح المغلقة والقاسم الانتخابي المحتسب على أساس المسجلين)، مما يوفر حماية قانونية للوجوه القديمة تنتج شرعية إجرائية مفرغة من المشروعية الشعبية.
وهنا تقع المسؤولية السياسية على الأحزاب التي باتت تشتغل كـ حارس لبوابة الإقصاء، متواطئة في حماية النخب المشتبه فيها أو العاجزة عبر منحها حصانة الدروع الحزبية، رغم السياق الوطني المتسم بدينامية قضائية صارمة لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. هذا التواطؤ يعري النفاق السياسي الموجه للشباب؛ فالأحزاب ترفع شعارات النموذج التنموي الجديد كأقنعة خطابية، بينما تمارس نقيضها البنيوي بركن الكفاءات في ذيل القوائم كـ حطب انتخابي، مما ينتج حالة من الاغتراب المجالي لدى الأطر ويدفعهم للهجرة العكسية نحو الحواضر.
في المحصلة، إن ما يشهده إقليم سيدي بنور كنموذج يعكس تحورا بنيويا خطيرا للمفهوم الدستوري للانتخابات؛ إذ تحولت من آلية لخدمة الصالح العام والتداول على السلطة، إلى أداة لنقل التمثيلية الوراثية لحماية المصالح وتكريس أوليغارشية هجينة. وللخروج من هذه الحلقة المفرغة، لم يعد يكفي التنظير والمراجعات العامة، بل بات من الضروري الانتقال إلى إقرار بدائل عملياتية صارمة؛ تبدأ بمراجعة جذرية لنمط الاقتراع لكسر احتكار الكتل الزبونية، والتشديد القانوني والمؤسساتي لشروط منح التزكيات لمنع تحولها إلى أصول متوارثة، إلى جانب مأسسة أدوار المجتمع المدني في المراقبة القبلية والبعدية للحملات الانتخابية. فقط عبر تفعيل هذه الآليات الدستورية والعملياتية يمكن إنهاء هذا العبث، وفتح المجال أمام تشكل كتلة تاريخية جديدة من كفاءات الأقاليم، وإلا سيظل الوطن غارقا في انتظارات تنموية مؤجلة.
اترك تعليقاً